باسيل يضغط على الحريري بـ”سلاح عوني”: قرار الحكومة لنا و”النازحون” شأن رئاسي!

أياً يكن الطرف المستهدَف في كلام رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل في 14 آذار، وما أعلنه في المؤتمر العام السنوي للتيار، فإن تصعيده يضع الحكومة أمام مأزق تكوينها والتناقضات التي تحكم عملها بين محورين يحمل كل منهما مشروعاً تظهر عناصره عند المنعطفات السياسية، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بملف النازحين الذي يعتبره رئيس الجمهورية ميشال عون شأناً رئاسياً ولا ينفك يذكِّر عند كل حديث بضرورة عودتهم إلى ديارهم؟ لكن التصعيد الذي يضع الحكومة أمام مأزق الاهتزار ويقترب، وفق مصادر سياسية متابعة، من تفجير العلاقة بين “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل”، وما يمكن أن تحمله أيضاً زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى بيروت، إذا حُسمت نهائياً، يمكن أن يفرمل انطلاقة مجلس الوزراء الذي وقع أيضاً في ثغر كثيرة، لعل أبرزها عدم تجاوزه الخلافات والصراعات والاصطفافات التي منعت سابقاً تشكيل الحكومة لأكثر من تسعة اشهر، دفع لبنان خلالها أثماناً وخسر فرصاً يحاول تعويضها من دون ان يتمكن من التقدم وتحقيق انجازات ملموسة.

يطرح تصعيد باسيل في ملفات حساسة وخلافية تساؤلات عن مصير الحكومة ومدى قدرتها على تجاوز التناقضات التي تحكمها، وهو الذي قرر، وفق المصادر، أن يكون هجومياً باسم “التيار الوطني”، من دون أن يعني ذلك تفجيراً لمجلس الوزراء من الداخل، إلا إذا وصل الخلاف إلى حد لا يعود في إمكان رئيسه سعد الحريري التصرف بصلاحيات الحسم في ملف “سيدر” والاقتصاد. فعندما يوجه باسيل مثلاً سهامه واعتراضه على المشاركة اللبنانية في مؤتمر بروكسيل، وفي شكل غير مباشر إلى الرئيس فؤاد السنيورة منتقداً تطييف مكافحة الفساد، كأنه يقول للحريري نفسه أن يدك غير مطلقة في ملفات هي من صلاحيات رئيس الجمهورية، خصوصاً في ملف النازحين، وهو الذي يقرر في هذا الموضوع انطلاقاً من الأكثرية الحكومية. لكن الحكومة ستدخل بعد هذا الكلام في حال من عدم التوازن والاهتزاز، طالما أنها حكومة متناقضات أولاً، ثم لا توافق بين مكوناتها على عدد من الملفات الداخلية والاقليمية والخارجية، بصرف النظر عما حمله بيانها الوزاري الذي رجَّح كفّة قوى الممانعة فيها.

المسار الحكومي سيكون مختلفاً في المرحلة المقبلة، وبينما كان يفترض أن تقلع الحكومة بعد الاتفاق على تشكيلها، ظهرت الخلافات بقوة لتذكِّر بما حصل في الحكومة السابقة حول الصراع على “النأي بالنفس”، ثم في الصراع الذي سبق تشكيل الحكومة الحالية ولا يزال يجر اصطفافاته، خصوصاً في ملفات رئيسية تتصل بالمنطقة ومن بينها ملف النازحين والعلاقة مع النظام السوري، علماً أن التسوية منذ انتخاب الرئيس عون قامت على التفاهم مع الحريري وامتداداً بين “تيار المستقبل” و”التيار الوطني الحر”. فإذا اهتزت الحكومة يعني، وفق المصادر، أن التسوية أيضاً تصبح مهددة، ولاسيما أن الكلام الذي أطلقه باسيل ليس منعزلاً عما يتطلع إليه رئيس الجمهورية، الذي يريد تعديلات في الطائف وإنْ من طريق الأعراف والتقاليد، ولكون الحكومة فيها تحالف أكثرية من قوى الممانعة، وتشكل بين “حزب الله” و”التيار الوطني” وحركة “أمل” و”المردة” وسنّة 8 آذار أكثرية حاسمة في القرار، في وقت يبدو التحالف المقابل مفككاً في ضوء تبادل المصالح بين “تيار المستقبل” و”التيار الوطني الحر”، فيما يتصرف الحزب الاشتراكي وحيداً، و”القوات اللبنانية” تنتظر أي سقطة لتيار عون في الساحة المسيحية لتقطف ثمارها.

سيتبين ما إذا كانت التسوية الحكومية ستصمد بعد زيارة مايك بومبيو إلى بيروت، أم أنها ستشكل انعطافة قد تُدخِل معها الحكومة في حال ركود وعدم قدرة على الفعل. ووفق ما يتم تسريبه، تقول المصادر إن بومبيو سيوجه سهامه إلى “حزب الله” وإلى النظام السوري، و”تجفيف منابع الإرهاب” بغض النظر عما اذا كان سيتطرق الى ملف النفط، وهو ما سيظهّر الخلافات الجوهرية في الموقف اللبناني الرسمي غير الموحد من القضايا الاساسية، والتباينات بإزائها، من سلاح “حزب الله” الى النأي بالنفس، مروراً بالنازحين والعلاقات مع النظام السوري وإيران، وقد يؤثر لاحقاً على تماسك الحكومة ومستقبلها.

وفي مسار التصعيد، يبدو الحريري في وضع مرتبك، فهو يعلم أن الاتصالات ستدفع الجميع إلى التهدئة، لكنه لا يريد أن يخرج من أزمة التصعيد بتنازلات تضعف موقعه في مجلس الوزراء. وإذا كان “التيار الوطني الحر” لا يريد اسقاط التسوية ولا الحكومة، إلا أن رفْع سقفه في مواجهة الحريري قد يشكل ضغطاً عليه في ملفات رئيسية، وهو، أي الحريري، يرفض أن يكون ملف النازحين السوريين في يد باسيل ورئاسة الجمهورية، كما انه يرفض حتى الآن اي اتصال بالنظام السوري، لذا قد يدخل “حزب الله” على الخط في ضوء التناقض الحاصل، ويشكل مع عون قوة ضغط تجعل من الحريري مجرد موقع بلا قرار.

تجزم المصادر وفق المعلومات أن باسيل رفع سقفه برضا عون المنزعج من بعض الأداء في مجلس الوزراء، خصوصاً أنه يريد تحقيق نقلة في موضوع الصلاحيات، فكيف إذا انتزع ملف النازحين، وهو كان ترك لباسيل التحدث باسمه في منعطفات كثيرة، لعل أهمها المبادرة التي قام بها وحاول معها أن يزيد حصة “التيار الوطني” من الوزراء على حساب الحريري نفسه وتياره السياسي. وتذكِّر المصادر بالسجال الذي حصل أخيراً في مجلس الوزراء حول موضوع النزوح السوري، إلى موضوع الصلاحيات، لتؤكد أن الحكومة تحمل في طياتها عناصر قابلة للإنفجار، من القرار فيها إلى الهيمنة والصلاحيات. لذا يرتبط تصعيد باسيل بموقع الرئاسة الذي لن يتوقف عن ممارسة المزيد من “صلاحيات” قد تحدث جدلاً ومواقف متعارضة مع موقع الرئاسة الثالثة. وتقول المصادر: من الآن وصاعداً سيستمر عون في إدارة جلسات الحكومة بالطريقة التي تثبت ما يعتبره صلاحياته من مواد في الدستور، لكنه سيسعى أيضاً الى تثبيت أعراف وتقاليد تُدرج ضمن خانة صلاحيات سبق له أن استخدمها في فترات سابقة، وسقفه سيبقى مرتفعاً في ملف النازحين الذي بات يعتبره أولوية ومنه يتقرر التواصل مع النظام السوري. لذا دخلت الحكومة في مسار قد يظهِر تناقضاتها وربما يؤدي إلى انفجارها…

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*