باسيل يتراجع وعون يغطي التأليف و”حزب الله” يُمسك بالقرار والمواجهة

خلال تأبين سليماني في الضاحية الجنوبية (تصوير نبيل اسماعيل).

ميل “حزب الله” إلى تشكيل حكومة تكنوسياسية يغلب عليها التمثيل السياسي من دون أن يكون الوزراء أسماء تتولى مهمات حزبية. بات الحزب يفضل بعد اغتيال قاسم سليماني واشتداد المواجهة الاميركية – الايرانية في المنطقة، أن تكون الحكومة تحت الوصاية السياسية، وفق مصدر سياسي متابع، وإن دخلها وزراء اختصاصيون. ذلك أن الأمور أصبحت بالنسبة إليه مكشوفة واحتمالات الحرب مفتوحة على غير صعيد، وبنك الاهداف الذي حدده الحرس الثوري الإيراني في مرمى قوى المحور الإيراني في المنطقة، فإذا تشكلت حكومة حسان دياب وفق ما يسرَّب من اسماء، فإنها ستكون حكومة مواجهة بالنسبة إلى المجتمع الدولي وهي قد تتعرض لحصار وعقوبات اقتصادية يعتبرهما “حزب الله” مسألة طبيعية في سياق المواجهة المفتوحة. فالحكومة التي يريدها الحزب هي التي تستطيع المواجهة في السياسة الخارجية وفي الداخل اذا اقتضى الأمر للإمساك بقواعد اللعبة، إضافة إلى بيانها الوزاري الذي يفترض أن يحدد السياسة الحكومية الخارجية التي تلتزمها.

لا تعني المواجهة في المنطقة أن “حزب الله” ورئيس الجمهورية ميشال عون لا يستعجلان إنجاز التشكيلة الحكومية، وهي التي كانت شبه جاهزة السبت الماضي لو لم يستجدّ الخلاف حول بعض الحصص والأسماء والحقائب. وإذا كان الحزب لا يريد للملف العراقي الذي كان مسرحا لاغتيال سليماني ولمواجهات ملتهبة، أن يؤثر على استكمال تشكيل الحكومة، إلا أنه لا يريدها أن تكون نقطة خلاف مع “التيار الوطني الحر” وجبران باسيل تحديداً، إضافة الى التناغم مع رئيس الجمهورية، فيما يساير رئيس الحكومة المكلف للعبور بملف التشكيل بلا مشكلات ولا عقبات. لذا طرح الحزب اسماً غير الدكتور جميل جبق لتسهيل التشكيل، واستعاض عنه لحقيبتين باسمين آخرين هما من ضمن بنيته وجسمه، وحتى الاسم المطروح لتولي وزارة الصناعة هو من “حزب الله”.

الاهم أن “حزب الله” وميشال عون وجبران باسيل وحسان دياب باتوا يعرفون أن الحكومة التي ستتشكل لن تحظى بدعم دولي في ضوء المواجهة والتوتر اللذين يسودان المنطقة، لذا ظهر سعي حثيث من الحزب تحديداً ودياب الى الاستعجال بتأليف الحكومة قبل حصول تطورات كبيرة على المستويين الأمني والعسكري في المنطقة ستؤثر على لبنان مباشرة وتؤدي الى تعطيل الاندفاعة الحكومية، أو تأخيرها بدخول عوامل جديدة على الوضع وضغوط قد تطيح الوضع الراهن.

لا يبدو أن هناك طرفاً في 8 آذار يريد التريث في انتظار التشكيل. في المحور الآخر “تيار المستقبل” لا يريد لحكومة دياب أن تقلع في انتظار تطورات اقليمية وداخلية في بيئته السنية، وما قد تسفر عنه الأحوال الإقليمية وتداعياتها على لبنان. ويبدو أن الحزب وعون يصران على إعلان الحكومة بين الثلثاء والخميس، وهناك ضغط على باسيل لحل العقدة المسيحية لأن التأخير قد يعقد الامور أكثر. في حين أن تأخير إعلان التشكيلة الحكومية سببه خلافات على الحصص والأشخاص، فبينما حل “حزب الله” وحركة “أمل” معضلة الأسماء، بقي باسيل مصراً على توزير أسماء معينة ووضع فيتوات على اسماء أخرى، حتى أنه يرفض أسماء وزراء مسيحيين، خصوصاً موارنة، من خارج مرجعيته، وهو فرض شروطاً لتوزير دميانوس قطار وزياد بارود إلى أن سحب اسميهما من تولي حقائب. وقيل أيضاً إن باسيل يفضل أن يتولى وزارة الخارجية اسم يقترحه شخصياً، على رغم دعمه لناصيف حتي، فيما تبين أن ملاحظاته ترتبط بأنه من المستقلين لكنه قريب من أطراف عدة وتجربته الديبلوماسية تؤكد مواقفه الوطنية وله علاقات جيدة بالولايات المتحدة الأميركية وبفرنسا والأوروبيين عموماً.

واياً تكن الأسماء المرشحة لدخول الحكومة، فهي لن تكون حكومة اختصاصيين ولا حكومة تكنوسياسية بالمعنى الذي كان مطروحاً سابقاً، وفق المصدر السياسي. هي ستتحول الى حكومة سياسية بوجود بعض الأسماء المستقلة أو أصحاب الاختصاص التابعين لأطراف وقوى 8 آذار، وهي بهذا المعنى حكومة اللون الواحد المطلوب أن تتشكل باستعجال لمواجهة التطورات والأخطار التي تحدق بالمنطقة، وان كانت لن تحظى بالرعاية والدعم الدوليين. والحكومة ستكون غلبتها لـ”التيار” ورئيس الجمهورية بأكثر من 8 وزراء، ووزيرين لكل من “حزب الله” وحركة “أمل”، لكن الهيمنة السياسية والقرار فيها يميل لمصلحة الحزب الذي يستطيع بقوته وتحالفه أن يجيّر أي موقف لمصلحته في حكومة اللون الواحد، إذا ذهبت الأمور الى المواجهة.

يعتبر “حزب الله” أن اغتيال سليماني يعني فتح المواجهة على مصراعيها في المنطقة بما فيها لبنان. فاستهداف إيران يتم عبر استهداف محورها في المنطقة وحلفائها وأوراقها، ليس بضربات إسرائيلية مباشرة انما صارت الولايات المتحدة هي التي تتولى الضربات، وقد استهدفت كتائب “حزب الله” في العراق ثم اغتالت سليماني والمهندس من الحشد الشعبي. وقد باتت اللعبة، وفق المصدر السياسي المتابع، مكشوفة اذ كان السيد حسن نصرالله نفسه قد هدد سابقاً بأن أي استهداف لإيران سيكون الرد عليه في المنطقة كلها. وإذا كانت إيران وفق المعلومات المتقاطعة لا تريد الدخول في حرب مباشرة، انما هي تبحث عن عمل ثأري ورد قوي عبر حلفائها، وبالتالي فإن لبنان غير محيّد عن ذلك، على رغم أن التركيز في الرد قد يكون بين اليمن والعراق وسوريا. لذا سيسعى “حزب الله” إلى تكريس نفوذه أكثر في الداخل اللبناني، وتحسباً لتطورات سيضغط للاستعجال بتأليف الحكومة وفرض أجندة عمل جديدة أمام المعارضين لسياسته تبعاً للمستجدات.

أما عنوان تشكيل الحكومة، فسيكون العودة الى القواعد السابقة، انما بتركيبة مختلفة يطغى عليها اللون السياسي الواحد. وهي ستعمل على انهاء التحركات الاحتجاجية والانتفاضة “لأن الوضع في المنطقة لا يحتمل”، وبالتالي امساك “حزب الله” بالقرار وبضبط قواعد اللعبة مهما تطورت الاوضاع في المنطقة. لذا فان المتوقع وفق المصدر أن يتراجع باسيل عن بعض شروطه بتغطية عون لتكون الطريق سالكة أمام التأليف…

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*