الرئيسية / مقالات / باسيل – الحريري… زواج بالإكراه لا يُسمن ولا يُغني

باسيل – الحريري… زواج بالإكراه لا يُسمن ولا يُغني

انقضت سنة 2019 تراجيدياً على ثنائي شغل الناس منذ سنة 2016، بعد إبرام ما عرف بالتسوية الرئاسية.

استطاعت الجدران الباريسية تحقيق تحالف وثيق بين الرئيس سعد الحريري وبين رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل بعدما قطع له “وان واي تيكت” عن لبنان وأنتج عداء سياسياً طويلاً منذ دخول الشخصيتين جنة الحكم ولو من مواقع مختلفة.

هذه التسوية التي كان عنوانها انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية على أن يقابلها تولّي سعد الحريري رئاسة مجلس الوزراء طوال مدة الولاية، تطورت وتوسعت إلى تحالف سياسي واتفاقات جانبية اقتصادية من النفط والغاز مروراً بالكهرباء وشركات الخليوي وليس انتهاء بالتلزيمات ومعامل النفايات والمناطق الاقتصادية، نجحا في تطبيق جزء صغير منها فيما بقي الجزء الآخر قيد الانتظار قبل الانفجار الكبير.

ما لم يحققه الرجلان في الاقتصاد نجحا في تحقيقه في الإدارة، من خلال تعيينات قضائية وادارية خلال ثلاث سنوات تقاسما خلالها المراكز تحت ستار تحالف الأقوياء فاستأثر الحريري بالمراكز السنية مقابل استئثار باسيل بالمواقع المسيحية، وخرجت حكومتا العهد بسلة تعيينات أطبق عبرهما الرجلان على أغلبية مفاصل الإدارة والمؤسسات العامة والمؤسسات القضائية.

العلاقة السياسية المعقدة

اما في السياسة فلم تكن الدرب معبّدة وسالكة كما في الادارة، فكانت المعوقات كبيرة، مع تسجيل رجحان الدفة لمصلحة باسيل الذي استفاد إلى اقصى حدود من التفاهم وأحكم سيطرته على كثير من مفاصل السلطة بعناوين مختلفة، من حقوق الطوائف الى الميثاقية وحكم الاقوياء والحفاظ على صلاحيات الرئاسة متكئاً أيضاً على التحالف مع “حزب الله”، فيما كان الحريري يخسر من رصيده الشعبي والسياسي، وسجلت الخسارة الأجسم له بقبوله بقانون انتخاب مفصل على قياس باسيل والتحالف معه في بعض الدوائر نال على اثرها رئيس “التيار” أكبر كتلة نيابية فيما تقلصت كتلة الثاني الى الأصغر منذ عام 2005.

كثيرة هي الملفات الخلافية بين الرجلين. وإذا استثينا حكومة العهد الاولى، فنرى أن الاتفاق السياسي كان صعباً بين تيارين عاشا سنوات طويلة على استعداء أحدهما للآخر، فبعد التجاذب الطويل على تشكيل الحكومة بعد الانتخابات في الـ2018 والذي ربح من خلالها باسيل ثلثاً معطلاً صافياً مؤلفاً من 11 وزيراً، لم تقلع الحكومة بالشكل المطلوب في 2019، ولم تنجح الا بما ذكرناه سابقاً بإتمام باقة تعيينات نال باسيل فيها الحصة المسيحية كاملة من دون مشاركة أحد فيما احتفظ الحريري ببعض التعيينات ضمن إطار الاتفاق، لكنه لم يأخذ شيكاً على بياض كما أعطى لباسيل، ونذكر، على سبيل المثال، عدم الموافقة على طرح اسم نديم المنلا لرئاسة مجلس الانماء والاعمار على رغم أن هذا الموقع هو للطائفة السنية وتابعٌ مباشرة لرئاسة الحكومة، إضافة الى الخلافات على الموازنة التي امتدت اشهراً وكانت الخلافات تستحكم بين الرجلين عند كل بند، فما إن يتفق على أحد البنود حتى ينسفه باسيل في اليوم التالي اذا لم يعجبه مستخدماً الشعبوية المعهودة، واستمرت الامور على حالها، حتى أتت حادثة قبرشمون وما تلاها فعطّلت الحكومة لشهرين، وكانت الخضة الفعلية الأولى للتحالف بين الرجلين، إذ إن الحريري وقف بجانب جنبلاط في حدث يعتبره جبران باسيل كان يتهدد حياته الشخصية، لكن التدخلات والمصالح المشتركة اعادت العلاقة بين الرجلين وخصوصاً بعد بيان السفارة الأميركية الشهير، لتعود وتظهر من جديد في دراسة موازنة عام 2020 وهجوم فريق التيار الوطني على الحريرية السياسية والسنية السياسية وما أعقبها من إلغاء “المستقبل” للقاء حواري شعبي كان يجمعه مع جبران باسيل، قبل أن تولد انتفاضة 17 تشرين الأول وتضرب العلاقة بمجملها بعد استقالة الحريري وإعلان الطرفين انتهاء التسوية الرئاسية.

الحريري قدّم كل شيء

وفي هذا الإطار، يؤكد مرجع في “تيار المستقبل” على أن الرئيس سعد الحريري قدّم كل ما لديه لإنجاح العلاقة مع باسيل وما يمثل، ودفع من رصيده الشعبي والسياسي ومن صلاحياته أغلى الأثمان وتحمّل ما لا يطاق للحفاظ على التسوية والعلاقة، إنما لم يلاقه الطرف الآخر في منتصف الطريق، بل أمعن في التعدي على الصلاحيات ضمن حجة الميثاقية واستعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية.

ويعدد المرجع العديد من المحطات التي كادت أن تفجر الحكومة في كل مناسبة واستوعبها الحريري وتلقاها بصدره حفاظاً على التسوية وحماية للبلد، منها الهجوم المستمر على الحريرية السياسية وتحميلها مسؤولية كل ما جرى ويجري في البلد وخصوصاً على المستوى الاقتصادي، الكلام المستمر عن الفساد وتحميله لفئة من دون غيرها وكأن هذه الفئة هي الوحيدة الفاسدة في البلد، المحاولات المستمرة لتغيير مفاهيم الطائف تارة عبر الهجوم على السنية السياسية واعتبارها انتهت كما أعلن باسيل في خطابه في البقاع الغربي، وطوراً عبر المناداة بما يزعم انه صلاحيات رئاسة الجمهورية واستعادة المناصفة.

ويضيف: “أُحرج الحريري مراراً أمام طائفته وجمهوره و”بلع الموسى”، وتغاضى عن توقيف عشرات المراسيم من مجلس الخدمة المدنية بحجة عدم التوازن الطائفي، ومثلها قضية عدم منح الأم اللبنانية الجنسية لأبنائها وهي ما شكلت له إحراجاً كبيراً، ولكن الأمور لم تقف هنا إذ لم يخل خطاب واحد لباسيل من الهجوم على النازحين السوريين من دون أن يدرك مدى تأثيره على البيئة السنية بل ذهب ابعد من ذلك الى الإعلان عن نيته الذهاب الى سوريا كوزير للخارجية في الحكومة اللبنانية واعادة العلاقات مع نظام يعتبره الحريري من ألدّ أعدائه، وهو كان مهّد فعلياً لهذه الزيارة عبر إرسال وزير النازحين الى الشام، إضافة الى اعتلائه المنابر العربية مطالباً ومصراً على عودة النظام السوري من دون حتى تنسيق كلمته مع رئيس حكومته”.

يتابع: “بعد حادثة قبرشمون جمع 11 وزيراً في مركز “التيار الوطني الحر” ولم يحضر اجتماع الحكومة، وكأنه يوحي بأنه هو رئيس الحكومة وهو من يقرر اذا كان ينعقد اجتماع لمجلس الوزراء او لا ينعقد، وهو من يقرر المكان والزمان وهذا ضرب واضح وتعد كبير على رئاسة الحكومة وما تمثله”، لافتاً الى انه “كل ما حدث خلاف على تفصيل صغير حتى تنطلق “الجوقة العونية” من نواب وإعلام ومسؤولين ومصادر في مهاجمة رفيق الحريري والحريرية السياسية واتهامها بالسرقة والفساد وتحميلها مسؤولية الانهيار الاقتصادي الذي وصلت له البلاد”.

ويستذكر انه “في وقت كان سعد الحريري يجهد لتسوية الأمور مع باسيل وتحضير لقاءات شعبية له مع جمهوره، كان تلفزيون “او تي في” والنائب زياد اسود يشنّان أعنف هجوم على رفيق الحريري”.

ويختم: “سعد الحريري فهم جيداً الانتفاضة الشعبية والتي كانت الاعنف ضمن بيئته السياسية من صيدا الى طرابلس وعكار والبقاع، وهو ان كان يتفهّم المطالب المعيشية الّا انه قرأ ايضاً ان الجزء الاكبر من الرفض هو التسوية الرئاسية وهذا واضح وأخذه بعين الاعتبار”.

“التيار”: ماذا نفعل بعد؟

في المقابل، لا تغوص مصادر باسيل في تفاصيل العلاقة نافيةً أن تكون علاقة مصالح وتسويات “بل هي علاقة مع مكوّن أساسي في البلاد حاولنا الوصول معه الى تسوية تحمي البلد ونجحنا في عدة أماكن وفشلنا بأخرى خصوصاً على مستوى مكافحة الفساد وإدارة الدولة وهذا أيضاً أحرجنا مع جمهورنا ودفعنا أثماناً لذلك”.

وعن الأزمة الاخيرة، تؤكد المصادر عينها بأنه “رغم استقالة الحريري المفاجئة وعدم التنسيق معنا، فإن باسيل لم يكن بالمطلق ضد عودة الحريري فنحن قبلنا ترؤسه حكومة تكنوسياسية مع برنامج وأهداف تُقنعنا، فرفض، وعدنا وقبلنا بحكومة تكنوقراط على أن يسمي هو رئيسها، فوافق بالعلن ليحرق ثلاثة أسماء ويعيد طرح نفسه”. وتتابع “حتى لا نحرجه ونسهّل عليه قررنا الانتقال الى صفوف المعارضة والا نشارك معه، لكنه لم ينجح في الحصول على أغلبية نيابية وخذلته “القوات” فاعتذر وأقفل بوجهنا جميع السبل، فلم يعد لدينا سوى السير بشخصية مستقلة لا تحرجه ولا تؤذيه ولا تؤثر على زعامته باعتبار انها اختصاصية لا أهداف سياسية لاحقة لها، فماذا علينا ان نفعل بعد”؟

“اشتدي تنفرجي”

إذا لا بد من ذكر أن التسوية الاساسية هي بين الرئيس ميشال عون والحريري بسبب الخلافات القديمة والمستحكمة بينهما، وجبران باسيل هو ضابط ارتباط لهذه العلاقة وذو صلاحيات واسعة جداً، غير أن الخلافات المستجدة لم تنه هذه التسوية. اما السبب الرئيسي والحقيقي الذي أدى الى الانفصال، فهو أنهما الطرفان الأكثر خسارة بعد الانتفاضة الاخيرة وتالياً لم يعد لديهما القدرة والفاعلية السياسية على تأسيس تسوية أو حمايتها، وصارت أولويات كل واحد منهما تتركز على حماية نفسه وشدّ عصب شارعه وأفضل طريقة هي الهجوم التقليدي من عون على الحريرية السياسية، ومن الحريري على المكروه سنياً تاريخياً.

ولكن، في المقابل، لا بد من الاشارة الى ان العلاقة بين باسيل والحريري، خارج إطار التسوية والمرتبطة بالمصالح المشتركة لا يمكن نعيها نهائياً وهذا ما يفسر عدم الرفض المطلق لعودة الحريري في حكومة جديدة لا بل الذهاب الى تحريره من ثقل “التيار” في المفاوضات الاخيرة وهذا يعود الى تمسك باسيل بعدم سقوط فكرة الأقوى في طائفته التي يركز عليها في معركته لرئاسة الجمهورية مما يعني انه حتى في هجومه على الحريري واعتباره خصماً حالياً، هو يفتح مجالاً لتسوية ما معه، على قاعدة “أنت لا تريدني وانا لا اريدك، لذا علينا التوصّل الى حلّ وسط”، لكن الحريري لم يتجاوب هذه المرة وخصوصاً انه بدأ يلتمس الربح في شارعه بعد الخسائر المتتالية، لذلك ثمّة من يرى ان الازمة ستشتد بين التيارين وسيتم الضغط أكثر وأكثر على جميع وجوه الحريرية السياسية للضغط على الحريري للعودة الى بيت الطاعة وهذا ما بدأ فعلياً من خلال فتح الملفات عبر القاضية غادة عون والتركيز المباشر على حاكمية مصرف لبنان والكلام على إقالته.

اضف رد