الرئيسية / أخبار المصارف / باز لـ”النهار”: سقطنا في الرمال المتحرّكة… فلا تضيّعوا الوقت! إلغاء المقاصّة بالدولار في مصرف لبنان يدعم الليرة

باز لـ”النهار”: سقطنا في الرمال المتحرّكة… فلا تضيّعوا الوقت! إلغاء المقاصّة بالدولار في مصرف لبنان يدعم الليرة

تتراكم في الأجواء الإقتصادية الغيوم التي تزيد قتامة الرؤية لدى اللبنانيّين، الذين يعيشون تحت الضربات المتتالية في السياسة والاقتصاد، وآخرها هَمّ فقدان العملة الصعبة مع ما يتسبّب به من غلاء وبطالة. ويتزامن ذلك مع تقنينٍ قاس في توفير السيولة تعتمده المصارف اللبنانية، خلافاً للقانون، بتفاهم ضمني مع مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، وبرعاية جمعية المصارف، ما يدفع المودعين الى تكديس السيولة في منازلهم، في ظاهرة لم يشهد أعرق قطاع مصرفي في الإقليم شبيهاً لها حتى في زمن الحروب والفوضى.

ثمّ ان الاستهتار المتمادي للسلطة السياسية في إضاعة الوقت وعدم المسارعة الى تشكيل حكومة تحظى بثقة استثنائية تخوّلها اتّخاذ قرارات وإجراءات إنقاذية ووضع خطط وحلول تؤدّي الى إبعاد شبح المجهول وإعادة بناء الثقة بالقطاعين المالي والمصرفي، يأتي ليفاقم منسوب التشاؤم والإرباك لدى المواطنين والقطاعات الاقتصادية، ويُفقد الأسواق العربية والعالمية ما تبقّى من ثقة بالقطاع المصرفي اللبناني.

الخبير المالي والمصرفي الدكتور فريدي باز، بما له من باع في إدارة المصارف والتحليل الاقتصادي، يعتبر أن “الاجراءات التي اتّخذتها جمعية المصارف ليست بجديدة، فهي مماثلة لتلك التي اعتُمدت في دول أميركا اللاتينية في ثمانينات القرن الماضي وفي جنوب شرق آسيا (النمور الآسيوية) في تسعيناته، وفي روسيا في أواخر التسعينات المنصرمة وفي دول أوروبية، وآخرها اليونان وقبرص”. لكنَّ المشكلة في رأي باز هي أن هذه الإجراءات “يجب أن تكون صريحة ورسمية ومعلنة، صادرة عن السلطة النقدية أو السلطة السياسية، بدل أن تكون ضمنية وتفتقر الى الغطاء القانوني. فصدور هذه الإجراءات عن جمعية المصارف يفتقر الى تغطية قانونية، وقد أثارت جدلاً واسعاً حيال الاستنسابيّة التي اتّبعتها المصارف مع المودعين. هذه الاستنسابيّة مضرّة، ولا يمكن السيطرة عليها، وستولّد إحباطاً لدى العملاء”.

لا يجد باز حرجاً في القول “إننا سقطنا في الحفرة، وتالياً كان الأجدى بالمعنيّين التواضع أكثر وعدم المكابرة، ومصارحة الناس حول طبيعة الأزمة ودقة الوضع الذي نمرّ به والاحتمالات التي يمكن أن نصل اليها، من دون أن يوحوا بضمانات غير موضوعيّة للودائع. كذلك مصارحة الناس باحتمال تخطّي خسارة جزء من أصولهم، شرط تضافر الجهود لاجتياز هذه المرحلة بأقلّ كلفة”، مع تأكيده أنه “يجب تحديد سقف زمني للقيود الحالية الإستثنائية تتناسب مع عمق الأزمة وامتدادها، وأن يعطى للناس مؤشر واضح الى أن هذه القيود قد تستمرّ عامين أو ثلاثة”.

تحرير سعر الصرف؟

على رغم أننا نشهد تحريراً غير رسمي لسعر الصرف، بدليل وجود سوقَـيْن واحدة رسمية وأخرى موازية، ومع إمكان أن يتوسّع الفارق بين السوقين أكثر مما هو عليه، إلاّ أن باز يعلن صراحة أنه ضد تحرير سعر الصرف في الظرف الراهن، مستنداً بذلك الى دراسة للبنك الدولي تؤكّد أن أيّ تغيّر في سعر الصرف سيضيف نحو 20% من اللبنانيّين الى مَن هم دون خط الفقر، علماً ان نسبة هؤلاء حالياً تقدر بنحو 30% من الشعب اللبناني. وأمام ارتفاع نسبة الفقر، يحضّ باز المسؤولين على “إيجاد آليات لضبط تداعيات الأزمة على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي. فثمّة عدد كبير من المؤسّسات سيتضرّر وعدد كبير من الأسر سيفقد دخله”، لذا يقترح “إنشاء صندوق دعم للأسر الأكثر فقراً على غرار ما هو حاصل في أوروبا، علماً أن نحو 3 مليارات دولار ضرورية لتمويل هذا الصندوق من خلال تخصيص حوالى 500 مليون دولار من احتياط مصرف لبنان ومن ثروات أصحاب الأرصدة الكبيرة في المصارف الذين يستحوذون على ثلثي قاعدة الودائع (100 مليار دولار من أصل 170 مليار دولار) لهذا الصندوق. فإذا تمّ خفض الفائدة على هذه الودائع بمقدار 2%، انطلاقاً من متوسط 7% على الدولار و10% على الليرة، يمكن أن نجمع ملياري دولار لهذا الغرض”. ويلاحظ باز أن “أصحاب الودائع الكبيرة أذكياء وواقعيّون، ويدركون أن المحافظة على الإستقرار الاجتماعي والأمني هو السبيل الأجدى للمحافظة على حقوقهم وتخطّي الأزمة”. ولكن مَن سيراقب إدارة هذا الصندوق؟ يقول باز: “يمكن أن نطلب من المفوضيّة الأوروبيّة مساعدتنا بإيفاد تقنيّين، أو يمكن أن تكون المراقبة من المجتمع المدني بإشراف تقني من الاتحاد الأوروبي”، مقترحاً أيضاً أن تعمد لجنة الرقابة على المصارف الى “وضع آلية للحدّ من تداعيات الوضع الاقتصادي على المكانة المالية للمؤسّسات، وتخفيف الأعباء على أصحابها”. وفي هذا المجال، يمكن الإفادة من خبرات مؤسسة التمويل الدولية (IFC) والبنك الأوروبي للتنمية وإعادة التعمير (EBRD) المنخرطين في تمويلات مهمة في لبنان، في استحداث صناديق لمعالجة الديون الرديئة.

هل من خوف على الليرة؟ لا يجد باز حرجاً في القول إن ما تعانيه البلاد من انحرافات على كل الصعد يشكّل معطيات ضاغطة على العملة اللبنانية. وإذ يعتبر أن الاجراءات التي اتُّخذت يمكن أن تهدّئ الأمور، إلاّ أنه يرى أن خطوة الغاء المقاصة بالدولار تشكّل عنصرا إضافيا لدعم ثبات الليرة. بيد أن ثبات النقد، بحسب باز، “لا يمكن أن يأتي من سياسة التثبيت، بل عبر الاقتصاد المنتج الذي يحقّق نسب نمو مستدامة ويستوعب الداخلين الجدد الى سوق العمل، وعبر سياسة اقتصادية تحتوي نسب التضخم بشكل لا يؤثر على القدرة الشرائية للناس، وتحقق التوازن في المدفوعات الخارجية”.

إلغاء المقاصة بالدولار؟

أمام أزمة الدولار والسيولة، يدعو باز الى “ضرورة احتواء الأزمة عبر فرض استعمال الليرة وحدها في العمليات المحلية”، مقترحاً “إلغاء مقاصة الدولار فوراً في مصرف لبنان، بغية إعادة الدور السيادي الى العملة الوطنية كعملة وحيدة للتبادل المحلّي. فحجم مقاصة الشيكات بالدولار في مصرف لبنان بلغ العام الماضي 45 مليار دولار مع أن الاقتصاد كان مأزوماً، فيما كان حجمها قبل 4 أعوام يراوح ما بين 55 و60 مليار دولار، تضاف اليها المدفوعات بالدولار عبر بطاقات الإئتمان والتي يقدَّر حجمها بما بين 4 و5 مليارات دولار، عدا عن التبادل الذي يحصل من خلال التحويلات المصرفية بالدولار والتي لا تتوافر عنها معطيات رقمية. وهناك 125 مليار دولار ودائع في المصارف، من بينها ما لا يقلّ عن 15 مليار دولار ودائع غبّ الطلب بفوائد زهيدة لتمويل عمليات التبادل بالدولار. ومن جرّاء استعادة دور الليرة كأداة وحيدة للتبادل، سوف يتمّ تحويل تدريجي وسريع لهذه الــ15 مليار دولار من العملة الخضراء الى الليرة، ما يعزّز بشكل تقني احتياط المصرف المركزي، ويعيد توازن سعر الصرف بين السوق الرسمية والسوق الموازية، إضافةً الى إمكان مساهمة أكثر فعاليّة في تعزيز سيولة المصارف بالدولار. ويلي ذلك التفكير الجدّي في معالجة دولرة التسليفات المصرفية”.

الأزمة النقدية وسبل المعالجة

يشرِّح باز الأزمة النقدية، فيشير الى “أننا أصبحنا في مرحلة الجيل الثالث من الأزمة النقدية. أزمة الجيل الثالث هي توأمة بين ثلاث أزمات: أزمة نقدية، وأزمة مالية عامة خانقة، وأزمة سيولة في القطاع المالي. وتداعيات هذه الأزمة المثلّثة الأضلاع دقيقة جداً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، إذ ستنجم عنها مشكلات على صعيد المكانة المالية للمؤسّسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، والتي ستأخذ بُعداً اجتماعياً على مستوى العمالة”.

يدرك باز أن لبنان يعاني ضعفاً في الإدارة السياسية والحوكمة، وربما من بعض الأخطاء على صعيد السياسة النقدية وعلى صعيد سياسات الإدارات المصرفية، لكنّ الوقت، كما يقول، هو “للتضامن كي نمرّر هذه المرحلة بأقلّ كلفة ممكنة، أما المحاسبة فتأتي لاحقاً، علماً أن محاسبة السياسيّين قد بدأت في الشارع”. ويربط باز المعالجة بتشكيل الحكومة العتيدة، “إذ ينبغي أن يراعى في المقام الأول شكل هذه الحكومة، لأن شكلها في ذاته عامل ثقة. فحكومة حيادية برئيسها ومكوّناتها هي عنصر ثقة ونقلة نوعية مهمّة تشجّع الكثير من الدول الصديقة والمؤسّسات الدولية على ضخّ التمويل وتقديم المساعدات، علماً أن لبنان بحاجة في المدى المنظور الى 10 – 15 مليار دولار. كما أن البيان الوزاري يشكّل محطة أخرى مهمة من خلال التوجهات الواضحة في كيفية الخروج من الأزمة المالية والاقتصادية التي نرزح تحتها”.

أخيراً، يكرّر باز القول: “إننا وقعنا في الفخ، وعلينا التفكير مليّاً في كيفية الخروج منه بسرعة. هذا الفخّ هو بمثابة رمال متحرّكة، يمكن أن يبتعلنا إذا لم نُحسن التخلّص منه عبر اجراءات قصيرة المدى وفعّالة. فالأسواق تسامح عادةً، ولا تنتظر النتائج النهائية خصوصاً اذا لمست أن الأمور وُضعت جدّياً على السكّة الصحيحة”.

salwa.baalbaki@annahar.com.lb

اضف رد