الرئيسية / أخبار الاقتصاد / “باركليز” ترجح تخفيض تصنيف لبنان والانعكاسات على المصارف محدودة

“باركليز” ترجح تخفيض تصنيف لبنان والانعكاسات على المصارف محدودة

“التصنيفات الائتمانية والتقارير المالية” هو عنوان هذا الاسبوع الذي يحمل في نهايته تقويماً جديداً للبنان في ظل أجواء من الضبابية التي تلف نتائج هذا التقويم وتداعياته على الاسواق المالية، ليخرج تقرير جديد حول لبنان وهذه المرة من بنك “باركليز” يؤكد قوة القطاع المصرفي ويبرّر أي تعديل قد تدخله “ستاندرد آند بورز” على تقويمها للبنان.

تقرير المؤسسة البريطانية العالمية “باركليز” المتخصصة في الاستثمار والخدمات المالية، حمل نظرة شاملة حول مفاعيل أي تخفيض للتصنيف الائتماني للبنان من “ستاندرد آند بورز”، مع التشديد على محدودية إنعكاس أي تعديل بالخفض للتصنيف على المصارف اللبنانية بفضل الهندسات المالية التي أجراها مصرف لبنان عام 2016. من هنا، تأتي أهمية الخطوة الاستباقية التي قام بها مصرف لبنان على صعيد تدعيم الوضع النقدي والمصرفي. ويعرض الازمة السياسية التي نتجت من إشكال قبرشمون الذي شل عمل الحكومة وأدخل البلاد في 6 أسابيع من الشلل السياسي، ما انعكس سلباً على الاوضاع الاقتصادية والمالية وأدى الى تلاشي سرعة بدء الحكومة في تنفيذ الاصلاحات التي تعهدتها ضمن موازنة 2019، والى مزيد من التأخير حيال بدء مشاريع “سيدر”، ما رفع من أسهم تخفيض تصنيف لبنان.

لا تختلف التقارير الدولية حول معاناة لبنان من تاريخ حافل بالازمات السياسية، وتنعكس سلباً على الاوضاع المالية والاقتصادية. وكانت “ستاندرد آند بورز” خفضت في 31 كانون الثاني 2008 تصنيف لبنان الى CCC+ نتيجة الازمة السياسية التي اندلعت عام 2006 بعد إستقالة الوزراء الشيعة من الحكومة ودخول البلاد في أزمة سياسية وأمنية إستمرت 18 شهراً. لكن، رغم هذه التطورات لم تلجأ مؤسسات تصنيف أخرى مثل “فيتش” و”موديز” الى تخفيض تصنيف لبنان لأخذها في الاعتبار نسبة النمو الاستثنائية التي حققها بين 2007 و2010 ووصلت الى 9.2%، لتعود “ستاندرد آند بورز” فترفع تصنيف لبنان درجة واحدة في 5 آب 2008 كنتيحة لمؤتمر الدوحة الذي خرج منه إتفاق بين الاطراف السياسية في 21 أيار 2008 أنهى الازمة السياسية والامنية وصولا الى إنتخاب رئيس جديد للجمهورية.

اسباب التخفيض المحتمل

بالعودة الى التقرير المهم لباركليز، فهو يعتبر ان إنتهاء أزمة الجبل مع عقد لقاء المصالحة ليس كافياً لوقف تخفيض التصنيف هذه المرة، خصوصاً ان “ستاندرد آند بورز” كانت قد خفضت نظرتها لتقوّم لبنان الى سلبية في الاول من آذار 2019 رغم تشكيل الحكومة الجديدة بعد 9 أشهر من الانتخابات التشريعية، وبالتالي، يعتبر الاستقرار السياسي أساساً مهماً يدخل في آلية التصنيف ولكنه ليس “الاساس”. فعلى الصعيد المالي، وبعكس ما تحقق في 2008، يحقق الناتج المحلي في لبنان حالياً نسبة نمو تقارب صفر في المئة، مع إرتفاع مستمر في الدين العام وضعف بنسبة نمو ودائع غير المقيمين التي وصلت في النصف الاول من 2019 الى 2.3% على صعيد سنوي مقارنة بنمو عند 13.4% في الفترة ذاتها من 2008. أما على صعيد سوق السندات، فتشير الارقام أيضاً الى إرتفاع كبير في عدد حاملي السندات الاجنبية في السنوات الاخيرة، حيث تقدر قيمة سندات الاوروبوند التي تم الاكتتاب فيها من الاسواق العالمية بين 5 الى 10 مليارات دولار بالمقارنة مع 15.4 مليارا هي حصة المصارف المحلية، ما ساهم أيضا في جعل علاوة المخاطر السيادية اللبنانية أكثر عرضة للمخاطر العالمية. وفي غياب إصلاحات هيكلية سريعة، تبرر كل هذه العوامل بحسب “باركليز”، كل خطوة قد تتخذها “ستاندرد آند بورز”.

القطاع الصلب!

في ما يتعلق بالقطاع المصرفي، فان حجم إنكشاف المصارف على الديون السيادية يُحدد مستوى المخاطر التي تواجه القطاع كنتيجة لأي تخفيض للتصنيف. اما في لبنان، فحجم القطاع المصرفي يقارب 4.4 مرات الناتج المحلي، فيما سجلت تحويلات غير المقيمين نمواً قاربت نسبته 11.4% سنويا منذ العام 2000، ليبقى حجم المخاطر التي يتعرض لها القطاع رغم الانكشاف الكبير للقطاع على الديون السيادية نتيجة تحمل المصارف ومصرف لبنان العبء الاكبر في تمويل الدولة.

وتعود الى الواجهة المعايير الدولية المحددة من “بازل” على صعيد كفاية رأسمال وملاءة المصارف بالاضافة الى الـIFRS9، وهذا ما يمكن لتقرير “ستاندرد آند بورز” ان يسلط الضوء عليه. فأي تخفيض للتصنيف قد يحتّم على المصارف إتخاذ إجراءات وقائية على شكل رفع حجم المؤونات التي تأخذها في ميزانياتها إستناداً الى حجم محفظتها من الاوروبوند، مع تحمّل المزيد من التكاليف على صعيد تعزيز ملاءتها. وتشيد “باركليز” بالدور الذي لعبه مصرف لبنان على صعيد إستباق التطورات، وتحضير القطاع المصرفي لأي صدمات غير متوقع منذ العام 2016، من خلال الهندسات المالية التي أجراها.

فالمعايير الدولية وتحديداً بازل، تفرض حدّاً أدنى لنسبة كفاءة رأسمال المصرف نسبة إلى أصوله الموزونة بالمخاطر Capital to Risk Weighted Assets Ratio إضافةً إلى القيود على نسبة كفاءة رأس المال للمصارف (Capital Adequacy Ratio)، كما تفرض معايير “بازل 3” حدّاً أدنى من الأصول السائلة العالية الجودة في المصارف لتغطية صافي التدفقات النقدية الإجمالية على مدار 30 يومًا. أما مصرف لبنان، فقد فرض رفع نسبة ملاءة المصارف الى 16% وهي تتخطى ما حدده بازل عند 8% ليتم ايضاً رفع نسبة كفاءة رأسمال المصرف نسبة إلى أصوله المعرض للمخاطر اي الـ Capital Conservation Buffer to risk Weighted Assets من 2.5% الى 4.5%. والأهمّ أن العديد من المصارف العالمية، حتى في الولايات المُتحدّة الأميركية، لا تلتزم معايير “بازل 3″، في حين أنه في لبنان كل المصارف اللبنانية تلتزمها. من هنا تأتي هذه الارقام لتشكل درع حماية للمصارف اللبنانية من تبعات أي تخفيض محتمل للتصنيف، ما يحد من الانعكاسات السلبية عليها. في كل الاحوال، يعتبر تقرير “باركليز” ان مصرف لبنان قادر إتباع سياسة مرنة تساهم في تخفيض هوامش مبادلة مخاطر الائتمان اي الـ Credit Default Swap على السندات الاجنبية بعد أي تخفيض محتمل للتصنيف الائتماني، فيما يبقى حجم المخاطر على السندات المحلية معدوماً، بدعم من سياسات مصرف لبنان التي تساهم في امتصاص أي صدمة قد تواجهها المصارف، وبخاصة ان اي تخفيض لتصنيف قد يعيد ملاءة المصارف الى 12% وهو يبقى اعلى من معايير “بازل”.

maurice.matta@annahar.com.lb

Twitter: @mauricematta 

اضف رد