الرئيسية / home slide / باتريسيا عطا الله: «فيروزيات» بنَفَسٍ أوبرالي في باريس

باتريسيا عطا الله: «فيروزيات» بنَفَسٍ أوبرالي في باريس

عامٌ على انفجار الرابع من آب (أغسطس) الذي طال بعصفه البشر قبل الحجر، النفوس قبل الأبدان، وألقى بهالةٍ من الرماد على بهيّةٍ لم تعرف الهدأة والهناءة يوماً، بل كانت على الدوام مسرحاً لجسام الأحداث التي طالتها خبط عشواء، وشاهداً تاريخياً على ما قسى من امتحانات الدهر على من تعاقب عليها من شعوب. لم تنل هذي البهيّة عقب آخر مِحَنِها سوى النذر اليسير مما تستحقه من إغاثةٍ وتضامنٍ وسط حالةٍ من عدم الاستقرار، بل التدهور السياسي والماديّ والمعيشيّ، ليضْحي أبسط البديهيات ترفاً كمالياً. هي اليوم أرملةٌ ثكلى، وليس للآرامل والثكالى من عيد.

لكن الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) عيد ليس ككل الأعياد… قد يكون ذكرى استقلالٍ لم يُنَل، لكنّه قبل كل ذلك يومٌ أبصرت فيه النورَ قبل ستةٍ وثمانين حولاً من أضحت عروس العيد، وارتبط اسمها ببيروت البهيّة ماضياً وحاضراً، وسيبقى كذلك مستقبلاً. هي دُرّةُ التاج فيروز، آخر آمال الناجين.
تبحث مؤسسة «كلود وفرانس لومان» في الذكرى الأولى للانفجار عن قبس نورٍ تضيء به عتمة نفوس أبناء لبنان وأصدقائه ومُحبّيه، فتستذكر ومضاتٍ لأعلام هذا البلد المتألم، وهم كثُر، عبر سلسلة معارض وفعاليات حملت اسم «أضواء لبنان» واحتضنها «معهد العالم العربيّ» في قلب عاصمة الأنوار، باريس، فإذا بجرعةٍ مركّزةٍ من إبداعات باقةٍ من الفنانين الحديثين والمعاصرين: من شفيق عبود إلى إيتل عدنان، ومن صليبا الدويهي إلى بول غيراغوسيان وحسين ماضي وشوقي شوكيني، أو أيمن بعلبكي وزاد ملتقى، مروراً بسيروان باران، هالة متى، هبة كلش، زينة عاصي وتغريد درغوث وكثيرين غيرهم.
أما مساء الأحد 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، فكانت خشبة مسرح معهد العالم العربي على موعدٍ مع أداءٍ ثنائيٍّ لمختاراتٍ من ريبيرتوارٍ عصيٍّ على الحصر راكمته عروس العيد، فيروز، وواكبه محبوها يوماً بيومٍ عبر سنواتها الستة والثمانين. ولعلّ خير من انتُقي لهذه المهمة كان صاحبة صوت السوبرانو باتريسيا عطا الله بمرافقة عازف البيانو اليوناني ميكاليس بولياكيس.
باتريسيا عطا الله، صاحبة الاسم والصوت المألوفَين لدى مرتادي دُور الأوبرا الفرنسية، والتي استحقّت مكانها بجدارةٍ كأحد أصوات السوبرانو الأساسية في جوقة أوبرا باريس، فضلاً عن أدائها الملفت للريسيتالات المشرقية والغربيّة على السواء، والضليعة في التأليف الموسيقي وإعادة توزيع الكلاسيكيات، تماهت بحبالها الصوتية خلال ساعةٍ ونصف الساعة مع كلّ طرقةٍ على مفاتيح بيانو الموهبة الشابة ذات المستقبل الواعد، ميكاليس بولياكيس، فكانت النتيجة توأمةً وحواراً حميماً ونسجاً متداخلاً للصوتين على نحوٍ يعجز السامع عن الفصل بينهما.
بفستانٍ أحمر يجمع بين البساطة والأناقة، وإضاءةٍ بسيطةٍ خافتة، أطلّت باتريسيا عطا الله على جمهورٍ ملأ صفوف المسرح بكلّيته. وبمرافقة البيانو، تناوبت الفيروزيات ذات النّفَس الفرِح مع تلك ذات المزاج الحزين، كما الحال في الحياة، لتتخللها وقفاتٌ منفردةٌ للبيانو استحضر أبرز أعمال الأخوين عاصي ومنصور الرحباني، مروراً بزياد، ابن صاحبة العيد، عبر مقدّمة مسرحيّة «ميس الريم»، من دون أن تغفل التعريج في محطّاتٍ عدّة على أعمال إلياس، آخر رحبانيي الجيل الأول، كتحيةٍ لروحه وقد غادرنا منذ أقلّ من عام، فأتت النتيجة إخراجاً بغاية الذوق والرقيّ: بدءاً بـ «خدني» إلى «نحن والقمر جيران» ثمّ «حبيتك بالصيف»، لتليَها «تك تك تك يم سليمان»، و«في قهوة عالمفرق»، «كان عنا طاحون»، و«حنا السكران». كما لم تقتصر المختارات على تلك التي حملت الإمضاء الحصريّ للأسرة الرحبانية، فكانت «أعطني الناي وغنّي» من كلمات جبران خليل جبران وألحان نجيب حنكش.
مع ثالث استراحات البيانو، كانت الإطلالة الأخيرة لباتريسيا عطا الله، ولكن هذه المرة بعدما خلعت رداءها الأحمر واتّشحت بالسواد، ذاك السواد الذي لم يبارح بيروت منذ أكثر من عامٍ على أقلّ تقدير… فكانت «لبيروت» من كلمات جوزيف حرب وزياد الرحباني، وألحان خواكين رودريغو، تلتها «إيماني ساطع»، «سنرجع يوماً»، ويكون ختام البرنامج المقرر النشيد الوطنيّ لكلّ مغترب: «نسّم علينا الهوى»…
وبعدها الشمس بتبكي
ع الباب وما تحكي
يحكي هوا بلادي
خذني، خذني، خذني على بلادي…
وبعد وقفةٍ من التصفيق المهيب، وجرياً على العادة في كلّ حفلةٍ موسيقية، أخرج الثنائي عطا الله – بولياكيس لجمهوره آخر ما في جعبته: «بتتلج الدني» لتكون رسالتَهما الأخيرة:
يا لبنان بحبك تتخلص الدني
بخبّيك بعنيّي وبقلك غنية
تلجك المحبة وشمسك الحرية
من الإجحاف بحقّ كلٍّ من فيروز وباتريسيا عطا الله محاولة البحث عن الأولى في أداء الثانية وإجراء المقارنات، فلكلٍّ منهما صوتها وبَصْمتها الفريدة. وقد لا يضاهي أيُّ صوتٍ وأداءٍ وعطاءٍ بنظر كُثرٍ صوت وأداء وعطاء فيروز لهم على مدى ستة وثمانين حولاً أو يقترب منه، فما بالك ما كان لها ولريبيرتوارها من أثرٍ على حيواتهم وأدقّ أدقّ تفاصيل يومياتهم، لكن تبقى هذه الأمسية محاولةٌ من منظمي الفعالية والقائمين عليها، ومن باتريسيا وميكاليس، لإزاحة شيءٍ من الغمّة عن نفوسٍ أضناها العامان الأخيران، واستذكارٌ لعباقرةٍ غادرونا، وآخرين لن ننتظر مغادرتهم للتعبير عن مكانتهم لدينا بأبسط ما أوتينا من أدوات. وعليه، تعيشي قد ما بيلبقلك يا أم زياد.