الرئيسية / أضواء على / بابل.. بين نبوخذ نصر وصدام حسين

بابل.. بين نبوخذ نصر وصدام حسين

محمود الزيباوي|الإثنين22/10/2018

Almodon.com
 

أعلنت “وزارة الثقافة والآثار والسياحة” في العراق أخيراً، أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (الأونيسكو) وافقت مبدئياً على ضم مدينة بابل الأثرية إلى لائحة التراث العالمي، وقالت إنها سترسل فريقاً من الخبراء المتخصصين لمتابعة تطبيق هذا الملف. ويأتي هذا القرار بعدما أصدرت المنظمة، العام 2009، بياناً يؤكد أن القوات الأميركية والبولونية التي شاركت في غزو العراق ألحقت أضراراً فادحة بالمدينة الأثرية يتعذّر إصلاحها.

صدّام البالي

قبل أن يكشف علماء الآثار عن بابل بزمن طويل، سمع العالم بهذه المدينة من خلال نصوص التوراة والإنجيل من جهة، وما نقله قدامى الرواة اليونانيين من جهة أخرى. في الرواية التوراتية، كانت بابل في البدء اسماً لبرج بناه أبناء نوح، إثر نهاية الطوفان، في أرض تقع ضمن مملكة نمرود في بلاد ما بين النهرين. بعد عهود عديدة، أضحت بابل عاصمة لولاية بين نهري دجلة والفرات، حملت الاسم ذاته. وكان أشهر حكّام هذه الولاية، الملك نبوخذ نصر الذي كان يتنزّه على سطح قصره ويقول: “أليست هي بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلال مجدي” (دانيال 4، 30).

خربت هذه الولاية على يد قورش الفارسي، الذي دخلها على غفلة ونهبها، لكن اسمها ظلّ حياً، وتحوّل في عهد المسيحية المبكر إلى اسم يرمز إلى روما، كما إلى كل مملكة آثمة تجسّد الشر. تنبّأ صاحب “سفر الرؤيا” بسقوط هذه المملكة، وتردّد صدى هذه النبوءة على مدى قرون في أنحاء العالم المسيحي: “سقطت بابل العظيمة وصارت مسكناً لشياطين ومحرساً لكل روح نجس، ومحرساً لكل طائر نجس وممقوت، لأنه من خمر غضب زناها قد شرب جميع الأمم، وملوك الأرض زنوا معها، وتجار الأرض استغنوا من وفرة نعيمها” (18، 2-3).

وجه صدّم

في المقابل، قدّم المؤرخون اليونانيون القدماء صورة مغايرة تماماً لبابل، واستفاضوا في وصف علومها وعمرانها وفنونها. وشكّلت هذه الأخبار، مع مرور الزمن، أساساً لروايات عديدة دخلت الذاكرة الجماعية. أبرزها تلك التي وصفت الحدائق المعلّقة، ثانية عجائب الدنيا السبع. هكذا امتزجت صورة المملكة الفاجرة، بصورة المملكة البهية، في المخيلة الأوروبية حتى مطلع الأزمنة الحديثة، حينما كشف المنقّبون آثار المدينة المندثرة، ونجحوا في تحديد معالمها المادية الحقيقية.

تكرّر اسم بابل عشرات المرات في أسفار التوراة والإنجيل، ولم يُذكر في القرآن إلاّ مرةً واحدة في آية طويلة تتحدّث عن “الملكين ببابل هاروت وماروت” (البقرة 112). في تفسيرهم لهذه الآية، نقل كبار العلماء طائفة من الأخبار الخاصة بأرض هاروت وماروت، وجاء في “لسان العرب”: “بابل موضع بالعراق، وقيل موضع إليه ينسب السحر والخمر”. والبلبلة “اختلاط الألسنة”، “وقيل سمّيت أرض بابل لأن الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحاً فحشرهم من كل أفق إلى بابل فبلبل الله بها ألسنتهم ثمّ فرّقتهم تلك الريح في البلاد”. ويمكن القول إن هذه التفاسير تتفّق بشكل كبير مع الرواية التوراتية.

قصر صدام حسين اعلى أطلال مدينة بابل

وتقدّم كتب الجغرافيين العرب، صورة أخرى لبابل هي الصورة الأقرب إلى الواقع. في القرن الثاني عشر، كتب الإدريسي في “نزهة المشتاق”: “قرية بابل هذه قرية صغيرة وكانت قبل مدينة كبيرة، وهي أقدم أبنية العراق في زمن الكنعانيين وسكنوها وتداول ملوكهم عمارتها وبها بقايا بنيان وآثار قائمة تخبر أنها كانت في ما مر من الأزمان مصراً عظيماً”. وفي القرن الرابع عشر، سبق ابن خلدون أعلام أوروبا، وأعلن في مقدمّته الشهيرة أن علوم بابل وغيرها من الأمم ما زالت مجهولة، “فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون، وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل، فأين علوم الفرس التي أمر عمر رضي الله عنه بمحوها عند الفتح؟ وأين علوم الكلدانيين والسريانيين وأهل بابل وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها، وأين علوم القبط ومن قبلهم؟ وإنما وصل إلينا علوم أمة واحدة وهم يونان، خاصة لتكليف المأمون بإخراجها من لغتهم واقتداره على ذلك بكثر المترجمين وبذل الأموال فيها، ولم نقف على شيء من علوم غيرهم”.

خرجت بابل من الظلمة إلى النور في القرن التاسع عشر، على أيدي بعثات التنقيب الأوروبية التي نقلت أبرز آثارها المكتشفة إلى متاحفها. تجاوز هذه الاكتشاف حدود علم الآثار، مع فكّ النصوص الأدبية والتاريخية التي نقشت على عشرات الألواح الفخارية المطمورة بين أطلال بابل، وظهرت المدينة في صورة جديدة تماماً بعد نشر نصوص شرائعها وأناشيدها الطقسية وقصصها الدينية الخاصة بالخليقة والطوفان. فصار اسمها في القاموس العلمي اسماً حضارياً يختصر تطوّر الشرق القديم في ميدان الحقوق والعلوم والفنون. أدرجت منظمة الأونيسكو اسم الموقع في لائحة التراث العالمي، ثم عادت وحذفته في نهاية الثمانينات من القرن الماضي بسبب “تعدّي” السلطة العراقية على معالم المدينة الأثرية، وقيامها بإعادة بناء بعض معالمها بشكل لا يتماشى مع مبادئ علم الآثار.

  • جدارية تزين سقف قصر صدام في بابل

برزت مدينة بابل في عهد الملك حمورابي، وتألقت في عهد الملك نبوخذ نصّر الثاني، مُنشئ الدولة البابلية الثانية والذي قضى قديماً على إسرائيل، واقتاد أهلها إلى الأسر، فخرجوا من ديارهم وأنشدوا في غربتهم: “على انهار بابل هناك جلسنا بكينا أيضاً عندما تذكرنا صهيون، على الصفصاف في وسطها علّقنا أعوادنا، لأنه هناك سألنا الذين سبونا كلام ترنيمة، ومعذّبونا سألونا فرحاً قائلين رنّموا لنا من ترنيمات صهيون” (مزمور 137). اعتبر النبي ارميا أن خراب إسرائيل على يد نبوخذ نصّر كان عقاباً إلهياً أراد منه الرب أن يؤدب اليهود الذين خانوا عهده. وتردّد صدى هذه الرواية في العالم الإسلامي، حيث عُرف الملك البابلي باسم بختنصر الثاني. هكذا نقل ابن تيمية عن بعض المشايخ قولهم: “هولاكو ملك الترك التتار الذي قهر الخليفة بالعراق وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جداً، وكذلك قتل بحلب دار الملك حينئذ. هو للمسلمين بمنزلة بختنصر لبني إسرائيل، وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع”.

حذف إسم  بابل من لائحة الأونيسكو في الثمانينات بسبب “تعدّي” السلطة العراقية على معالمها الأثرية

أعاد صدام حسين الاعتبار إلى نبوخذ نصر ونصب نفسه وارثاً له، فشرع بإعادة تشييد القصور في المدينة، ودفع ديوان الرئاسة إلى إقامة “مهرجان بابل الدولي”. وعلى مثال ملوك بابل، الذين حفروا أسماءهم على ألواح فخارية مُدرجة في البناء، أُدخل اسم صدام حسين من خلال نص يقول: “في عهد القائد المنصور بالله صدام حسين، أُعيد بناء هذا القصر الذي كان قد بناه نبوخذ نصر”. وجرى تثبيت الألواح الجديدة إلى جانب الألواح الأثرية المكتوبة باللغة المسمارية. وفي خضمّ الحرب العراقية – الإيرانية، أنفقت السلطة العراقية ملايين الدولارات على “إعادة بناء” بابل، ونقشت اسم حاكمها على الطوب الحديث المستخدم في هذه العملية، تيمناً بالملك نبوخذ نصر الذي كان يختم اسمه على الطوب الخاص بالمدينة.

سقط العراق في أيدي الغزاة الأميركيين، وسقطت معه بابل، والتقطت وسائل الإعلام صوراً لقصرها الجديد وما يحويه من حلل. فنياً، لا تحمل هذه الحلل أيّ قيمة تُذكر، إلا أنها تعكس صورة مشروع ضخم انهار وتهاوى، وهو ما زال يتهاوى إلى يومنا هذا.

عراق صدّام

63 تعليق

  1. تعقيبات: 1titania

  2. تعقيبات: writing tutor

  3. تعقيبات: dissertation abstracts international

  4. تعقيبات: dissertation search

  5. تعقيبات: proposal and dissertation help geography

  6. تعقيبات: writing a literature review for a dissertation

  7. تعقيبات: dissertation proposal help

  8. تعقيبات: best dissertation writing service uk

  9. تعقيبات: all but dissertation

  10. تعقيبات: definition of dissertation

  11. تعقيبات: online casino nj

  12. تعقيبات: best pa online casino

  13. تعقيبات: highest payout online casino

  14. تعقيبات: online casino bonus no deposit

  15. تعقيبات: casino online free

  16. تعقيبات: free casino slots online

  17. تعقيبات: borgata pa online casino

  18. تعقيبات: play casino games online

  19. تعقيبات: online free casino games

  20. تعقيبات: spain online casino

  21. تعقيبات: free sign up bonus online casino

  22. تعقيبات: online hollywood casino

  23. تعقيبات: best vpn services 2018

  24. تعقيبات: vpn gratuit

  25. تعقيبات: what is a vpn connection

  26. تعقيبات: good free vpn

  27. تعقيبات: top vpn service providers

  28. تعقيبات: windows vpn

  29. تعقيبات: express vpn free download

  30. تعقيبات: gay dating documentary youtube

  31. تعقيبات: match single

  32. تعقيبات: pof dating login

  33. تعقيبات: online meeting sites

  34. تعقيبات: amature dating co

  35. تعقيبات: top online dating websites

  36. تعقيبات: dating sites for singles

  37. تعقيبات: free online chat and dating sites

  38. تعقيبات: dating kostenlos in sz

  39. تعقيبات: singles dating site

  40. تعقيبات: mgm online casino michigan

  41. تعقيبات: nj casino online

  42. تعقيبات: online mobile casino

  43. تعقيبات: miai chat gay

  44. تعقيبات: gay universe men chat

  45. تعقيبات: gay male video chat free

  46. تعقيبات: gay sex chat room

  47. تعقيبات: good chat to meet gay bimarried

  48. تعقيبات: chat gay chat

  49. تعقيبات: gay chat toom

  50. تعقيبات: gay snap chat

  51. تعقيبات: chat gay miami

  52. تعقيبات: gay chat rooms free

  53. تعقيبات: write my paper fast

  54. تعقيبات: paper writing website

  55. تعقيبات: need help write my paper

  56. تعقيبات: how to find someone to write my paper

  57. تعقيبات: paper writing service superiorpapers

  58. تعقيبات: professional college paper writers

  59. تعقيبات: college paper ghost writer

  60. تعقيبات: custom papers writing

  61. تعقيبات: paper writing service cheap

  62. تعقيبات: غير معروف

  63. تعقيبات: 3coincident

اضف رد