بأي إستقلال نحتفل!

راجح خوري
النهار
22112018

لا حاجة للعودة 75 عاماً الى الوراء، فما طرحه يوم 22 تشرين الثاني من عام 1943 همساً وحياءً، يطرحه اليوم الخميس 22 تشرين الثاني 2018، صراخاً وألماً وغضباً:

بأي استقلال نحتفل في هذا البلد المتعوس؟ نعم المتعوس جداً، أولاً بكم لأنكم لم ولن تتغيروا قط، وثانياً بنا نحن المواطنين وهو الأهم، لأننا قاعدون وقد تكسّبنا نعمة العمى وتبلّد التماسيح جلداً وعقولاً؟

بأي استقلال نحتفل وننفخ في الأبواق وفي الأشداق، وبصمات مسلسل الإحتلالات والوصايات، لا تزال نافرة على جلودنا وترفرف فوق رؤوسنا، من زمن العثماني وأبوابه العالية في ولاية الشام وجمال باشا، الى زمن الإنتداب الفرنسي، الى وصاية عبد الحميد غالب وإدارة ياسر عرفات في صبرا وشاتيلا، الى الإحتلال الأخوي السوري، العائد هذه الأيام بمعيّة الإيرانيين الذين يكررون بصراحة كلية أنهم يسيطرون على بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء؟

بأي استقلال نحتفل عندما يقول لنا الرئيس نبيه بري، إن عقدة تشكيل الحكومة ليست في التأليف بل في التآلف والتآلف مستحيل، وان الوضع أخطر من خطير، وعندما نقرأ ورقة نعوة للحكومة العتيدة التي تقف عند عقدة “التشاوريين”، بالتزامن مع ورقة النعوة الثانية التي تدعونا الهيئات الإقتصادية لتحضيرها ونحن سائرون وسبحانه في خلقه الى الإفلاس المحقق؟ وبأي استقلال نحتفل وقد يئس منا الفرنسيون وهم يتقاطرون إلينا: “وياجماعة الخير شكّلوا الحكومة وباشروا الإصلاحات التي وعدتمونا بها، لكي تحصلوا على المليارات المنقذة قبل ان تخسروها”، فنقول لبيار دوكان “كبّر عقلك لن نقدر على الاصلاح”، ويأتي فريد بلحاج ثلاث مرات داعياً الراقدين تحت تراب لبنان الى ان يستيقظوا لكن لا تندهي ما في حدا!؟

وبأي إستقلال نحتفل عندما يقول رئيس مجلس الهيئة العليا للتأديب مروان عبود أنه كان يفضل ان يعمل بياعاً للفلافل بدل ان يكون شاهداً على طوفان الفساد الذي ينخر عظام الدولة، فلا يتحرك مسؤول ولا يهتز وجدان، وكذلك عندما نقرأ ان هناك ألفي مذكرة توقيف لا تنفذ في سجون لبنان بسبب الإكتظاظ، مع ان هذا يكاد ان يقتلني من الضحك، لأننا والحمدالله كلنا في السجن الكبير، سجن الفوضى والفساد والسرقات والسطو المتوحش على المال العام، وبفخر حللنا بعد غواتيمالا وموريتانيا وبنغلادش في رأس قائمة الدول الفاسدة… ألف مبروك؟

هل ضروري ان نعايدكم بالحديث مثلاً عن التسعين مليار دولار دين وعن الكهرباء التي كلفت 54% من هذا الدين، وها نحن غارقون بهدي الله في بطولات العدادات يا حرام !

بأي إستقلال نحتفل عندما تقول مجلة “لوبسرفاتور” في 24 كانون الثاني الماضي ان عدداً من السياسيين والمسؤولين في لبنان سرقوا 80 ملياراً في خلال عقدين من الزمن ولا يتحرك قضاء أو قدر… ولا يثور شعب أو قبائل، وعندما يكتشف السياسيون الأجلاء انهم تسرعوا وأقروا سلسلة رتب ورواتب غير قابلة للتطبيق، ولا نجدهم معلقين في السلاسل على الأعمدة؟

وسامحوني أنا الموجوع أسألكم: بأي استقلال نحتفل، ونحن نخرج للتو من مجرور الرملة البيضاء، ومن حبال الجرّ في السيارات المختنقة يوم الجمعة، وليس من دولة تقول هذا شعبي الفقير إليه تعالى إرحموه… قال إستقلال قال!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*