انفجار تاريخ المدن في العالم العثماني: دور غنيّ للعوام وحكايا أخرى عن ولادة الحداثة

محمد تركي الربيعو
القدس العربي
18052019

يعدُّ موضوع تاريخ المدينة في العالم العربي الإسلامي، من بين المواضيع التي حظيت باهتمام لا بأس به في السنوات الأخيرة داخل عالمنا العربي. صحيح أن معظم هذه الأعمال جاءت من باب حقل الترجمة، إلا أنه لا يمكننا إغفال الدور الكبير الذي قدّمه عدد من الباحثين العرب أو ممن يعملون في جامعات غربية على صعيد التعريف بالحياة الاجتماعية والثقافية والعمرانية، التي عاشتها هذه المدن، خاصة على مستوى المدينة العثمانية، إذ أدى الكشف عن وقفيات عديدة إلى التعريف بتاريخ تطوّر بعض الأحياء في مدن عربية وإسلامية عديدة، كما أتاح لنا فرصة معرفة تاريخ الأسعار داخل هذه المدن، وأيضاً دور النخب العثمانية وتغيّر أدوارها، إضافة إلى ذلك، استطاعت سجلات المحاكم الشرعية أن تمدّنا بمعلومات عديدة حول التركة التي خلّفها الناس العاديون في فترة العثمانيين، وما إذا كانت تضمُّ كتباً أو لا، ما مكننا من الاطلاع على ثقافة العامة واهتماماتهم في تلك الفترة.
وربما يعدّ الكتاب الأخير للمؤرخ اللبناني خالد زيادة «المدينة العربية والحداثة»، خير مثال على التراكم الذي حدث في معرفة المدينة العربية العثمانية بالأخص؛ إذ استطاع خالد من خلال بحثه في أرشيف مدينة طرابلس اللبنانية العثماني، أو غيرها من المدن الإسلامية مثل أزمير، بالإضافة إلى اطّلاعه على مجمل ما كتب من كتابات غربية حول هذا الفضاء، من أن يبلور لنا خلاصة سنوات عديدة من البحث، حول المدينة في العالم الشرق الأوسطي، وهي بحوث ما تزال مستمرة، خاصة على المستوى الأكاديمي الغربي، التي ترافقت في السنوات الأخيرة مع ظهور باحثين آخرين في العلوم الإنسانية، أخذوا يفرضون على المؤرخين إعادة النظر بسردياتهم وأدواتهم لصالح نتائجهم الميدانية. وقد حاول زيادة الإقرار بهذا التحول في الفصل الأخير (التاريخ والاجتماع والحداثة) من خلال الاستعانة ببعض أعمال السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين من أمثال آصف بيات وديفيد هارفي وجانيت أبو لغد، لفهم تحولات وتاريخ المدينة العربية في القرن العشرين.


والجديد في هذه الدراسات، أنها استطاعت إمدادنا برؤية مغايرة حول تاريخ العامة في هذه المدن؛ فخلافاً للصورة النمطية التي حاولت القول بأن تاريخ هذه المدن لم يشهد حالات تمرد على الحكم الاستبدادي، نجحت بعض الكتب في إعادة الكشف عن تاريخ غني بالاحتجاجات، التي قادها العامة، أو وفق ما تسميه أمينة البنداري في كتابها «عوام وسلاطين»، (اللانخبة)، التي تعني بها أفراداً لم يكونوا رسمياً ضمن بنية الحكم، ولا جزءاً من السلطة، ولم يكونوا على ثراء ملحوظ أو يتمتعون بعلاقات قوية، ولكنهم رغم ذلك استطاعوا أن يلعبوا وبشكل متزايد أدواراً في شؤون السلطة والسياسة. كما استطاعت هذه الشريحة لاحقاً أن تطور من أدواتها، لا لتخترق حسب عالم السياسة والسلطة، وإنما أيضاً لتعيد كتابة يومياتها ورؤيتها للأحداث، إذ تؤكّد دانا السجدي، أننا شهدنا، مع فترة القرن الثامن عشر، تحولاً تمثل في بروز نمط جديد من محدثي الكتابة (البديري)، وبروز طبقة وسطى أخذت ثروتها بالتنامي، وتعبر عن نفسها عبر ثقافة ترفيه جديدة، أو عبر تنامي لحضور النساء واتساع لدور المقاهي.
ومن بين النتائج المهمة التي نتجت عن هذا التاريخ الجديد للمدن العربية العثمانية، إعادة النظر في السردية التقليدية التي لطالما ربطت ولادة الحداثة في المنطقة بفترة القرن التاسع عشر، إذ بدراسة أحوال المدينة والعامة في القرن الثامن عشر ومقارنتها بفترة التحول التي عرفتها المدن الأوروبية في تلك الفترة، توصل عدد من المؤرخين من أمثال ستيفان في كتابه «التحولات العمرانية في دمشق»، إلى طرح مفهوم «الحداثة المتشابكة»، فالتغيير الذي كانت تشهده هذه المدن، لم يكن ناجماً عن التأثر بفترة التنوير الأوروبية (كما حاول عدد من المؤرخين قوله)، وإنما جاء نتيجة تفاعل حضاري متشابك ومتداخل بين العالمين.

لم يقتصر التطور العمراني على المباني، وإنما في تغير وظيفة بعض الأماكن. فمثلاً يلاحظ في إسطنبول، أن بعض المدافن (وليومنا هذا) أصبحت أماكن للاستراحة إلى حد ما، أو تحولت إلى أماكن للترفيه.

فخلال القرن الثامن عشر، كانت المدن العثمانية تشهد ولادة طبقة وسطى، أخذت تنافس طبقة الأعيان، ليس على صعيد كتابة التاريخ حسب، بل على الصعيد العمراني للمدينة عبر إضفاء حلة جديدة على البيوت والأوقاف والسبل. ففي إسطنبول مثلاً، لاحظ المؤرخ المعماري الإيطالي موريس سيراسي، في دراسة له بعنوان (إسطنبول 1620- 1750 التغيير والتقاليد)، أن القرنين السابع عشر والثامن عشر من التاريخ العثماني شهدا فترة من الأزمات، ما دفع بعدد من المؤرخين إلى القول بأن هذه الأوضاع أدت بلا شك إلى حدوث فقر فني وثقافي وعمراني، فمثلاً يفسّر المؤرخ التركي المعاصر البر أورتايلي ما يصفه بتراجع فن العمارة العثماني، بين فترة سنان باشا في القرن السادس عشر والفترات اللاحقة، كون الأخير كان يعكس من خلال مخططاته العمرانية ثقافة وغنى امبراطورية كبيرة، تمتد من المغرب العربي العربي إلى البلقان، في حين لم يعد العالم العثماني في القرن الثامن عشر واسعاً وملوناً كما كان في القرن السادس عشر، ولذلك لم ينجح المعماريون العثمانيون في ترك إرث عمراني مواز لإرث سنان. بيد أن سيراسي يخالف هذه الرؤية، إذ يبين أن إسطنبول في المقابل، وخلافاً للصورة السلبية، شهدت حالة من الحداثة العمرانية في هذه الفترة، وهي بذلك كانت تشبه جنوى والبندقية اللتين عاشتا أزهى أيامهما عندما كانتا في حالة تدهور سياسي ومالي.
فقد كان القرن السابع عشر قرن الباشوات الأقوياء، الذين تركت أوقافهم وأضرحتهم ومدارسهم في نسيج المدينة أثراً أقوى مما خلفته أعمال السلاطين في الفترة ذاتها. فعلى صعيد عمارة الأوقاف، يلاحظ سيراسي حدوث تغيير واضح في طابعها في النصف الثاني من القرن السابع عشر. إذ باتت أحجامها أصغر، كما حدث تطور كبير في بناء مدارس الصبيان والمكتبات، فمنذ عام 1697 أخذت المدارس تبرز على الشارع، ما ساهم إلى حد واسع في المشهد المعماري للشارع. ومن الأمثلة المهمة على ذلك مدرسة حسين آغا، ومدرسة القبطان إبراهيم في بيازيد، وإسماعيل أفندي في تشرشمبا 1723، ورئيس الكتاب إسماعيل أفندي 1732، إذ تميزت جميعها ببروز خفيف للصف الدراسي والمحال في الطابق الأول أو بالنوافير والأسبلة المتقنة عند مستوى الشارع.
ومن جانب آخر، بقيت القصور الفخمة المبنية من الأحجار لغاية القرن السابع عشر تتخلّل مشهد المدينة، بيد أن ذلك اختفى تماماً بحلول القرن الثامن عشر تقريباً. فقد واصل الباشوات الكبار إدارة الشؤون العامة من منازلهم، إلا أنهم جعلوا إقامتهم ومقارهم في منشآت خشبية فسيحة وكثيرة، محاطة بمساكن متشابهة إلى حد بعيد من الناحيتين المعمارية والرمزية وتختلف في الحجم الذي كان يتراوح بين منازل صغيرة من طابقين، يتألف كل منهما من غرفتين ومن قصور عامرة تضم عشرات الغرف. وفي السياق العمراني ذاته، يسلط سيراسي الضوء على دور التجار الصغار ومتوسطي الحجم والبيروقراطيين ومالكي الحمامات، في إحداث تطور سكني في هذه الفترة، برز من خلال نموذج المنزل العثماني التقليدي.
ومع أن اقتناءه قد اقتصر في بادئ الأمر على الميسورين، بيد أنه ما لبث أن انتشر بين معظم الطبقات الاجتماعية، كجزء من الميل العام نحو التمتع بالفسح والطبيعة. وكان المنزل التقليدي يتكون من طابق أرضي واحد من البناء الحجري وطابق سكني مصنوع من الأخشاب مع نوافذ كبيرة أو متعددة. كان سهل البناء والاستبدال، ما أدى إلى ظهور علامات البلى بسرعة وإلى سهولة تجديد البنية العمرانية أيضاً.
ولم يقتصر التطور العمراني على المباني، وإنما في تغير وظيفة بعض الأماكن. فمثلاً يلاحظ في إسطنبول، أن بعض المدافن (وليومنا هذا) أصبحت أماكن للاستراحة إلى حد ما، أو تحولت إلى أماكن للترفيه، فضاحية أيوب التي كانت تكثر فيها خلوات الدراويش والمدافن غدت بحلول القرن السابع عشر، مكاناً للاستراحة يقصده سكان إسطنبول لشراء الألعاب وتناول الطعام والتنزه. وبالتدريج، أصبح البوسفور والقرن الذهبي إلى حد ما، خلفية للمئات من المنازل الشاطئية الفخمة، وكان تأثير ذلك كبيرا، سواء من الناحية النفسية على المجتمع أو على صعيد ولادة رؤى بديلة عن الحياة في العقلية العثمانية.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*