اندفاعة أميركية متناقضة الأهداف إلى أين تقود؟ كيف يعزل “حزب الله” من دون المس بالاستقرار؟


سابين عويس
النهار
12 شباط 2018

 

ما بين زيارة مساعد وزير الخزانة الاميركية مارشال بلينغسلي لبيروت قبل نحو أسبوعين، وزيارة نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد ساترفيلد الذي أمضى بضعة ايام أجرى خلالها جولة واسعة من المشاورات، والزيارة المرتقبة لوزير الخارجية ريكس تيلرسون، ما يكفي من الوقت للاستنتاج أن لبنان الذي غاب عن البوصلة الاميركية لفترة غير قصيرة من الوقت، يعود اليوم ليحتل مرتبة متقدمة في سلم أولويات الادارة الاميركية، بعدما أدرجته الولايات المتحدة شريكا في المعادلة الإقليمية المشتعلة أخيرا على وقع الاصطدام الإيراني – الاسرائيلي الاول من نوعه بين الخصمين اللدودين.

من بلينغسلي الى ساترفيلد، فتيلرسون، بدأ المسار الأميركي يتضح وسط تناقضات في التوجهات والاهداف المأمولة، يقف المراقبون اللبنانيون في عجز عن فهم تركيبتها، أو تصور آليات تطبيقها.

فالرسالة الاميركية التي أعد لها جيدا كل من بلينغسلي، في الشأن المالي، وساترفيلد في الشأن السياسي، قبيل وصول تيلرسون، واضحة جداً وتركز على القرار الاميركي الحازم في الحد من النفوذ الايراني في لبنان من خلال استهداف الذراع العسكرية الاقوى لطهران المتمثلة بـ”حزب الله”، تمهيدا لإضعافه وصولا الى عزله داخل بيئته الحاضنة، الشيعية منها والمسيحية.

استعمل بلينغسلي السوط المالي لينبه لبنان الى محاذير التعامل المالي مع الحزب أو السماح له بالنفاذ الى القطاع المصرفي والمالي لتمويل الارهاب او الاتجار بالمخدرات. ولجأ ساترفيلد الى العصا الغليظة، وإن بلغة ديبلوماسية هادئة من باب إسداء النصح، فحذر من خطر “حزب الله، في ظل تصاعد وتيرة الكلام على مصانع يملكها الحزب لصنع الصواريخ”. واللهجة العالية ترافقت، للمفارقة، مع مبادرة أميركية للوساطة بين لبنان وإسرائيل في النزاع البحري القائم حول ترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة. وللمفارقة ايضا، ان لبنان الرسمي رحب بالوساطة ووافق عليها من دون ان تتضح بعد شروطها وما اذا كانت تلحظ اي تنازلات كان لبنان نجح عبر المفاوضات التي سبق أن قام بها الموفد الأميركي فريديريك هوف في تحديد الخط الفاصل.

في المقابل، تأتي التحذيرات الاميركية مقرونة بموقف إدارة ترامب التمسك بدعم الاستقرار الداخلي وتحصينه وعدم السماح بأي تطورات تمس به، فضلا عن التمسك بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها. ويقف المراقبون هنا أمام تناقض الموقف الأميركي بين داعم للاستقرار ومساند للتهديدات الإسرائيلية، وبين متمسك بالانتخابات ومعارض لإضفاء اي شرعية تمثيلية وازنة لـ”حزب الله” تتيح له الوصول الى البرلمان بأكثرية مريحة، على ما تنقله الإحصاءات ومراكز الأبحاث والدراسات. فيما يلاحظ التوجه نحو تأجيل مؤتمر روما المخصص لدعم الجيش والقوى الأمنية!

وإذ يضع هؤلاء ما وصفوه بالتحمية الإسرائيلية في سياق استباق وصول تيلرسون الى المنطقة والى بيروت تحديدا، لا يستبعدون ان تكون جزءا من شروط المفاوضات التي تدخل أميركا وسيطا فيها، ويطرحون في هذا الإطار مجموعة من التساؤلات التي لا تخفي الهواجس اللبنانية حيال ما يحاك راهنا للمنطقة.

أول هذه الاسئلة: الى أين يمكن ان تقود الاندفاعة الاميركية المفاجئة نحو لبنان؟

هل شارفت الأزمة السورية إنضاج حل سياسي يدفع الإسرائيليين الى تحديد مطالبهم؟ وهل ما تشهده المنطقة حاليا من اصطدام إيراني- سوري – إسرائيلي يقود الى البحث عن ١٧٠١ جديد مفصّل على القياس السوري؟

وأين لبنان من المشهد الاقليمي الذي يرتسم على وقع الصواريخ؟ وهل ثمة فريق لبناني يعمل لدفع رأس “حزب الله” ثمنا للمطالب الإسرائيلية المدرجة على اجندة الوسيط الأميركي، ولا سيما أن مفاوضات ترسيم الحدود لن تخلو من عناصر الضغط لسحب سلاح الحزب؟

لا يخفي المراقبون عينهم مخاوفهم من أن يحمل رئيس الديبلوماسية الاميركية ضغطا لتبني المطالب الإسرائيلية على وقع طبول الحرب التي بدأت ترتفع وتيرتها، بعدما باتت ذريعتها جاهزة من خلال الكلام على تصنيع الحزب للصواريخ داخل الاراضي اللبنانية.

وأكثر ما يعزز هذه المخاوف هو المشهد الانتخابي الداخلي المتغير الذي رسم ثنائية مسيحية – سنية لم يجد الشيعة والدروز والقوى المسيحية من خارج “التيار الوطني الحر” مكانا فيها بعد، حتى بلغ الامر ببعضهم القول ان هذه الثنائية تبدو أقوى وأمتن من تحالف مع أب او تفاهم مار مخايل!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*