الرئيسية / مقالات / انخراط “حزب الله” في معركة الإصلاح

انخراط “حزب الله” في معركة الإصلاح

في إطلالته الأخيرة لإحياء ذكرى “هُداة الدرب – القادة الشهداء”، جدّد الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله التأكيد على جدّية الحزب في معركته ضد الفساد والهدر المالي.

وهذه ليست المرّة الأولى التي يرفع فيها السيد نصرالله أو أركان حزبه الصوت ضد الفساد، ففي شهر آذار من العام الماضي، أثناء إعلان البرنامج الانتخابي لـ”حزب الله”، أكّد الأمين العام أن الحرب على الفساد قد بدأت، بإشرافه شخصيا، ولن تتوقّف.

انخراط “حزب الله” في المعركة الإصلاحية ليست إيجابية فحسب، بل هي ضرورية ولازمة ولا يمكن الاستغناء عنها، خصوصا عندما تترتّب على الإصلاح نتائج ومفاعيل اجتماعية. قوّة “الحزب” هنا لا تستند إلى سلاحه وترسانته الصاروخية التي تقلق العدوّ الإسرائيلي، بل إلى القاعدة الشعبية الواسعة التي تؤيّده وتدعمه، والمكوّنة من مئات آلاف اللبنانيين الفقراء في الجنوب والضاحية والبقاع.

لكن الأمر ليس رحلة سهلة، وهو لا يخلو من إشكاليات معقّدة يتوجّب على “حزب الله” أن يتحضّر للإجابة عنها، مثلما يتوجّب ذلك على كل القوى السياسية الرئيسية في البلاد. فكما ذكرنا سابقا، إن الحلقة الأصعب في الإصلاح المطلوب للخروج من الاختناق الاقتصادي والاجتماعي الراهن ليست في المواجهة “الكرنفالية” السائدة مع الفساد والفاسدين، بل في اتّخاذ القرارات الصعبة للخروج من الخلل الخطير المتمادي في مالية الدولة. فهل يدعم “حزب الله” هذه القرارات؟

تعهّدت الحكومة اللبنانية في الربيع الماضي، أمام اجتماع الدول والمنظمات المانحة في مؤتمر “سيدر”، خفض عجز الموازنة بنسبة واحد بالمئة من الناتج المحلي القائم في كل سنة من السنوات اللاحقة. ويعني ذلك أنه وفقا للأرقام الثابتة سنة 2018، يجب أن يكون عجز الموازنة كل عام أقلّ بمبلغ 500 مليون دولار أميركي من العام السابق، بحيث ينخفض العجز بحدود 2500 مليون دولار في نهاية السنوات الخمس، على فرضية ثبات النفقات والإيرادات والناتج المحلي.

جاءت نتائج الأشهر الأولى التي أعقبت التعهّد بمثابة إخفاق كامل للحكومة لأنها، في سنة الانتخابات النيابية، لم ترفق تعهّدها بالخطوات المؤلمة الكفيلة بتحقيق زيادة الإيرادات وخفض النفقات، فتجاوز عجز 2018 كل التصوّرات. فهل يؤيّد “حزب الله” والآخرون في الحكومة اتّخاذ مثل هذه الخطوات الآن بعد تشكيل الحكومة ونيلها الثقة؟ هل يقبلون بزيادة الأعباء الضريبية ورفع الدعم وخفض الرواتب والإنفاق الاجتماعي؟ أم أن لديهم خطّة أخرى، لا نعرفها، لتلافي الانهيار؟

قد يكون “حزب الله” مشكّكا بصندوق النقد الدولي لأنه مؤسّسة خاضعة لنفوذ الولايات المتّحدة الأميركية، وهذا صحيح. لكن الصندوق يضمّ مئات الخبراء الاقتصاديين المؤهّلين والمطلعين على اقتصادات العالم بكل دقائقها، لذلك لا يجوز تجاهل معطياته وأرقامه. وأفضل نصيحة تقدّم إلى الحذرين من الصندوق هي “اسمعوا أرقامه، وإذا شئتم لا تتقيّدوا بنصائحه”.

في مؤتمر “سيدر” نبّه صندوق النقد إلى النتائج الفادحة التي قد تترتّب على عدم اتّخاذ قرارات إصلاحية جذرية في لبنان، حتى لو حصلت الدولة اللبنانية على التمويل الدولي الموعود لمشاريع البنية التحتية بمبلغ 11،2 مليار دولار. برأي الصندوق أن معدّل النموّ الاقتصادي سيبقى متدنّيا بعد خمس سنوات سواء حصل لبنان على دعم “سيدر” أو لم يحصل إذا لم تطبّق الدولة اللبنانية الإصلاحات المطلوبة. وتوقّع أيضا ألا يتحسّن رصيد الحساب الجاري في هذه الحالة، بل يبقى في حدود 24 بالمئة من الناتج.

جبهة الإصلاح المالي تلتقي جزئيا مع جبهة الإصلاح الأخلاقي في الدولة، لكنها في حالتنا الحاضرة تتقدّم عليها. والأجوبة عن الخطوات التي يجب تبنّيها لتحقيق الإصلاح المالي لا تحتمل الغموض ولا تقبل التأجيل، ومن المفروض توضيحها في غضون الأسابيع القليلة التي تفصلنا عن إحالة مشروع الموازنة على مجلس النوّاب.

وقد توجّهنا بأسئلة حولها إلى “حزب الله”، لأن أمينه العام أعلن الحرب على الفساد بخلفية حلّ المشكلة الاقتصادية. لكن الحقيقة أن الأسئلة الملحّة موجّهة إلى الحكومة بكل مكوّناتها، بعدما أعلنت في البيان الوزاري أن “المطلوب قرارات وتشريعات وإصلاحات جريئة ومحدّدة، قد تكون صعبة ومؤلمة، لتجنّب تدهور الأوضاع”. 

اضف رد