الرئيسية / home slide / انتهت ثورة 17 تشرين سياسياً وبقيت أخلاقياً!

انتهت ثورة 17 تشرين سياسياً وبقيت أخلاقياً!

25-11-2021 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

واجهة أحد المحال في وسط بيروت (نبيل إسماعيل).

كنتُ قرأتُ بضجر شديد واستمعتُ إلى معظم التحليلات التي رافقت “انتصارية” انتخابات نقابة المهندسين وها أنا أقرأ وأستمع بالضجرنفسه إلى تحليلات “انهزامية” انتخابات نقابة المحامين. الانتصارية والانهزامية أعنيها طبعا هنا من معيار القدرة على التغيير السياسي الموصول بأجواء #17 تشرين.

في الحقيقة “انتصارية” المهندسين وهمية و”انهزامية” نقابة المحامين واقعية جدا . في كل الحالات لم يحصل شيء يُذكر في قاعدة المجتمع ال#لبناني خلال وبعد ثورة 17 تشرين. كانت ثورة نخبوية لا شعبية إذا جاز التعبير وهو أكثر من جائز. نُخَب الطبقة الوسطى الجديدة في الجامعات التي وُلدت تعليمياً بعد الحرب هي التي أشعلت الثورة، وهي نخب كنخب “الربيع العربي” الشبابية في ميدان التحرير في القاهرة وميدان بورقيبة في تونس مزيج من ثقافة الإنترنت الأكثر حداثة ، وثقافة “المجتمع المدني” التي ازدهرت ومعها اقتصادُها في فترة تعبئة الفراغ الناتج عن هزيمة الاتحاد السوفياتي وزواله. التعبئة التي قام بها الغرب دعما وترويجا وتمويلا في كل أنحاء العالم ومنها لبنان. لكن هذه النخب الجديدة سنّاً وثقافةً تغييرية بقيت على اتساعها “قشرة” على جلد المجتمع في الجامعات خصوصا المحترمة ونقابات المهن الحرة. فهذه النقابات رغم تقاليدها الانتخابية المحترمة واختراق النخب التغييرية لها، هي بنت النظام السياسي ومنظومته.

نعم العنصر غير المسبوق الذي أحدثته ثورة 17 تشرين هو على مستوى الإدانة الأخلاقية و القيميّة للمنظومة السياسية. أتذكّر على إحدى القنوات التلفزيونية أن سيدة في إحدى تظاهرات 17 تشرين أرادت أن تدافع عن شخصية سياسية بارزة فقالت تقريباً بالحرف:‏ “فلان صحيح حرامي لكن خدم وبنى”.(يعني خلطة من روبن هود وآل كابوني).

أنعِمْ وأكرِمْ. تم خلق جو تحقيري للمنظومة السياسية لا سابق له. لكنْ كل هذا بقي دون قدرة على التغيير لأن قوى النظام قوية ومترسِّخة في المجتمع وتملك إمكاناتٍ تنظيميةً وأمنيةً ذات بنية تصبح فاشيّةً إذا شعرت بأي تهديد من داخل بيئتها. لا أحب تعبير “جمهورها” لأنه تعبيرخادع ومزوّر في أحيان عديدة ويستخدم غطاء إعلاميا لعمليات قمع منظّمة تحت إسم “جمهور” الحزب أو هذا التنظيم أو ذاك وهذا ينطبق على كل الأحزاب والتيارات الأساسية. ما أتحدّث عنه هنا ليس الجمهور الأكيد وعصبيته لكل من هذه الأحزاب. ولكن ما يُسمّى في اللعبةالإعلامية ” جمهور الحزب”، هذا الحزب أو ذاك، وأحيانا يُسمّى “أهل المنطقة” هو “الجمهور” الذي ينزل إلى الشارع بأوامر تنظيمية مدروسة ومحدّدة ومن عناصر محترفة وشبه عسكرية.

انتهت ثورة 17 تشرين كقوة تغيير للنظام وكان لا بد أن تنتهي. ففي الدولة اللبنانية الضعيفة والتافهة، النظام السياسي قوي جدا. بل هذاالنظام إحدى آلياته هو إضعاف الدولة فيما هو، لاسيما بعد نهاية الحرب عام 1990، استنفدها بالخدمات والنهب وتوزيع المكاسب التي كانت تُمارَس بذهنية “غنائم الحرب” فأفلتت الميليشياتُ على الدولة كالذئاب الجائعة ليس فقط في تكديس الثروات والمصالح، ولكن يجب الاعتراف أيضا في جشع توظيفي داخل الدولة وسّع قاعدة الطبقة الوسطى حتى بلغ التخمة في العقد الأخير في الاقتصاد الريعي وهياكل الدولة وحصل الانهيار الذي جرف في طريقه قطاع المصارف المتواطئ أصلا وهو يجرف حاليا الطبقة الوسطى نفسها التي ساهم في توسيعها وتقويتها النظام الزبائني.

الانتخابات النيابية المقبلة ستجري في مناطق السّنّة والمسيحيين ونسبيا الدروز ولكن ليس في مناطق الشيعة. وستأتي نتائج الانتخابات عندالشيعة كأن الثنائي حصل على نسبة مائتين بالمئة من الأصوات. أنسوا هذا الموضوع عند الشيعة. هناك تعيينات يفرضها نظام ثنائي حزبي يسيطر على كل شيء في هذه المناطق من الشرطي البلدي إلى الضابط وكل ما يخطر على بال من حجر وأجهزة بشرية. نظام ذو امتداد شعبي أكيد وعميق ولكنه متفرّد ومنفرد بما لا يتيح لأي نواة اعتراض كبيرة أو صغيرة أن تعبّر عن نفسها سياسيا وحتما في صناديق الاقتراع “الساقطة عسكرياً”.

سبق لي أن كتبتُ ذلك وسبق لي أن استدركتُ أنه لا يجب أن يُفهم من كلامي أنه لا تنوّع في الحالة الشيعية اللبنانية. المدهش أن هذا التنوع عميق وأصيل وحيوي رغم الاستسلام السياسي للمجتمع.

ولا يجب أن يُفهم من كلامي أيضاً أن الأوضاع في الطوائف الأخرى على ما يُرام. فالفقر والإفقار النوعي والكمي يصيبان كل الطوائف ولولا “الدياسبورا” الداخلية التي أفرزت 17 تشرين والتي لا تزال تقاوم لكنا أصبحنا في مجتمع لبناني كامل التخلف ( راجع مقالي أمس الاول: الدياسبورا الخارجية والدياسبوراالداخلية).

يتساقط كل يوم وهْمٌ وراء وهْم وحلم وراء حلم فيما يتصحّر لبنان لولا بعض الواحات الخضراء.

j.elzein@hotmail.com
Twitter: @ j_elzein