انتهت الانتخابات… متى يبدأ الاصلاح؟


مروان اسكندر
النهار
11052018

لا شك في ان الانتخابات أظهرت تباينات واضحة مع الفئات المتولية أمور الحكم.

وحده الرئيس بري حافظ على كل مقاعد مرشحيه، اضافة الى مرشحه في جزين حيث اعتبر الوزير باسيل انه سيلغي تأثيره هنالك.

أظهرت النتائج رابحين وخاسرين. ولا بد ان تنعكس هذه النتائج على تشكيلة الحكومة، وربما حتى على موضوع فصل الوزارة عن النيابة، وهذا توجه إن أخذ مجراه يؤدي الى تخفيف التناقض بين آراء الوزراء اذ يصبحون مبدئيًا ممثلين للبنان ومسؤولين عن حاجاته التمويلية والانمائية في المقام الاول، وربما حينئذٍ يسود المنطق القرارات.

من المؤكد أن تأليف أي حكومة، يجب ان يأخذ في الاعتبار الفائزين لان بين هؤلاء أفرقاء تألبت على حظوظهم مساع حثيثة للاحباط، فكانت النتيجة احباط المساعي الهادفة الى الاحباط. وحققت “القوات اللبنانية” اكبر انتصار بين جميع الكتل بحيازة 8 مقاعد نيابية جديدة منها مقاعد تحصلت في عرين المعارضة، والتمثيل المسيحي لم يعد معلقاً على توجهات الوزير باسيل.

عتبر ان الرابح الثاني الذي حقق نجاح مرشحيه بنسبة 90 في المئة على الاقل كان وليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي. هذا مع العلم انه كعادته في الافساح في مجال تمثيل العائلة الارسلانية ترك الباب مفتوحًا لنيابة طلال ارسلان. وكلنا شاهدنا كيف ان وليد جنبلاط انخرط في عملية التهيئة للانتخابات، على رغم اعتراضه على القانون الذي أدى الى تشوهات عديدة، قبل اسبوعين لا اكثر، حينما تلمس اعراضًا عن التعاون من سعد الحريري، ورفضًا للتعاون وانتقادًا من “التيار الوطني الحر”، وتالياً انتصر وليد جنبلاط في مواجهة الاثنين، وتواصل باتساع صدره مع طلال ارسلان. فالدروز يلتفون كعصبة واحدة موحدة في وجه الاقصاء.

أما الخسارة الكبرى، فكانت لـ”تيار المستقبل” خصوصاً في بيروت. فقد استطاع فؤاد مخزومي اختراق الحصار وتجاوز التعدي على سمعته، واصبح حاضرًا ومستقبلاً الرقم الصعب في التشكيلة السياسية السنية.

بعد حسابات الربح والخسارة السريعة نعود الى توقعات مسيرة الحكم، واسترداد الطمأنينة الى الاقتصاد ومستقبل الشباب والشابات. وهنا لا بد من الالتفات الى نجاحات بعض رجال الاعمال إن في اكتساب ثقة الناخبين، كما فعل نعمة جورج افرام، وفؤاد مخزومي، وهنري شديد، أم في الحفاظ على الثقة أمثال نعمه طعمة ونجيب ميقاتي، أم في دخول معترك السياسة اضافة الى نشاطات الاعمال أمثال طوني سليمان فرنجية، وطارق طلال المرعبي الذي يحمل الماجستير في ادارة الاعمال من الجامعة اللبنانية الاميركية ومعهد لندن للدراسات الاقتصادية “إل إس أو”، وميشال الضاهر، وسيزار معلوف من الصناعيين، وميشال معوض بدوره الانمائي والاجتماعي. وانتخاب ميشال المر، على رغم كل محاولات اسقاطه ان دل على شيء، فعلى ان بعض الوفاء لا يزال يحتل النفوس الارثوذكسية. وسامي الجميل، النائب الوحيد الذي ثابر على انتقاد مسيرة الحكم ومشاريعه، حقق نجاحًا ملحوظًا لا يمكن تجاهله.

يضاف الى أسماء هؤلاء المنتخبين الذين نعول عليهم في برنامج انمائي تطويري عقلاني شامل وشفاف، وهذا ما طالب به عقب الانتخابات الرئيس تمام سلام الذي كان في جوهر مطالبته يعلن فشل المساعي السابقة، ولعل عزوف الرئيس السنيورة عن خوض الانتخابات يوفر أوضح دليل على عدم اقتناعه بالمنهجية المتسرعة التي سادت السباق الى تحصيل النتائج في مؤتمر “سيدر” بباريس. وكانت حصيلة الجهود لائحة بـ220 مشروعًا يمكن أن يعدّدها أي طالب للماجستير في جامعة محترمة، وبقيت الامور الحياتية الرئيسية معلقة دونما دراسة معمقة ودون انبلاج اي صورة مشرقة.

تفحص المستقبل، الذي يجب ان تشارك في رسمه وزيرة الاصلاح الاداري عناية عز الدين، النائبة الجديدة، ذات الاختصاص في البرامج المعلوماتية، وهي طالبت بإلحاح باعتماد الادارة الحكومية الالكترونية بحيث يحصل المواطن على حقوقه دونما حاجة الى تسوّل مساعدة نائب، كما هو الامر في دبي وسنغافورة. وفي الثمانينات اراد حكام دبي الاستفادة من خبرة اللبنانيين فسبقونا في مجالات الاعلام، والحوكمة، والحكومة الالكترونية. اما سنغافورة التي اراد رئيسها في الستينات الاستفادة من خبرة لبنان فقد اصبحت بالنسبة الى هذا البلد وحكامه ومسؤوليه بمثابة جرم فضائي يجول في عالم آخر لم نلامس معاييره وآثاره.

ان النائبة الجديدة عن مدينة طرابلس ديما جمالي، استاذة في علم ادارة الاعمال، فلا بد ان يكون لها دور فعال في صياغة البرنامج الانمائي، وخصوصاً ارساء برامج المعلوماتية في مختلف جوانب حياتنا. والاعلامية بولا يعقوبيان حازت خبرة شرق اوسطية ودولية في النشاطات الاعلامية فعسى ان تنبه زملاءها الى ما يحدث في مختلف بقاع العالم.

هل لنا ان نأمل في تحقيق خطوات اصلاحية جذرية ودائمة وفي مستقبل اقتصادي يتحقق فيه معدلات نمو تسمح باستيعاب الشباب في الزمن المقبل، الذي هو زمن المعلوماتية، وزمن الروبوتات، وتوافر معلومات القانون، والعلاج الصحي بكبسة زر لاصحاب الكفايات في تتبع التطورات العالمية التي تسجل تباعًا في الذاكرة الجماعية المتوافرة عالميًا. آمالنا هذه تواجه بانصراف المعنيين الى تصوير مستقبل زاهر دونما برهان على نية تنفيذ برنامج اصلاحي، والتمويه يتناول معطيات غير محققة. فالبترول والغاز لن يتوافرا بعد سنتين هذا في حال تحقيق اكتشافات يستوجب تطويرها سبع سنوات على الاقل.

اذا ادركنا مدى تأخرنا، ولا بد ان تظهر هذه النتيجة اذا مضينا في نسق الحكم السائد والتباهي بما سيحدث من غير ان نلتفت الى ما لم يحدث، قد نصاب بصدمة ايجابية تدفع المسؤولين الى صياغة برنامج انمائي اصلاحي حقيقي يتجاوز في المقام الاول عصبيات الاحزاب والفئات الطائفية، وينصب على مصلحة لبنان التي يمكن ان يصوّرها بدقة وفاعلية فريق لا ينتمي الى أي من المجموعات السياسية التي تقادم عهدها ولم تنظر الى التطوير المرجو.

الامر الاكيد ان الانتخابات أظهرت القوة الشيعية وتبعثر السنة وتقاسم المسؤولية لدى المسيحيين، فليس بينهم من ينوب عن غالبية المسيحيين اللبنانيين، ووليد جنبلاط لا يزال الشخصية الفريدة والاساسية لدى الدروز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*