انتفاضة اللبنانيين لا تخمد… “الثورة” تُفشل عملية القبض على الساحات

المشهد من الجوّ، ساحة الشهداء في وسط بيروت (Flyoverlebanon).

تصمد انتفاضة اللبنانيين ضد السلطة والفساد لليوم السابع توالياً، لا بل أن ساحاتها استقطبت المزيد من الشبان والشابات، فلم تنفع محاولات إخمادها ولا وأد ربيعها الذي بات عصياً على الوصاية والتجيير السياسي، وإن كانت قوى سياسية تحاول الإنخراط في الحراك الشعبي اللبناني لتحقيق مكاسب في التوازنات، لكنها لم تتمكن من حرف الإنتفاضة عن أهدافها. وها هم الشابات والشبان يستمرون على الأرض، ويسقطون محاولات القبض على انتفاضتهم، بدءاً بمحاولات فتح الطريق بالقوة التي اضطر معها الجيش إلى التراجع أمام الجموع في أكثر من منطقة، ثم صمود المتظاهرين أمام أزلام قوى الأمر الواقع في النبطية وفي صور وبنت جبيل.

بدت تظاهرات الإنتفاضة عصية على القوى السياسية، حتى القوى المدنية التي تشارك في الحراك لم تستطع حتى الآن جمع الناس حول خطاب موحد، فأخذ البعض منهم، الحراك إلى مصرف لبنان وهم أقلية لها أهداف محددة تتصل بأجندات سياسية، فيما الأكثرية الساحقة من المتظاهرين ترفع شعارات ضد السلطة كلها، لكنها تختلف بين من يريد إسقاط النظام وبين المطالبين بإسقاط الحكومة كمرحلة أولى تقتح الطريق لإصلاحات جدية في المشهد العام في البلد، إلى أن يحين الوقت لإسقاط اسلحة السلطة كلها ومن بينها مجلس النواب ثم إقرار قانون انتخابي عادل وإجراء انتخابات نيابية جديدة.

في الساحات لا تزال الناس تنزل عفوياً ومن تلقاء نفسها وبلا دعوات مسبقة، وهذا يظهر في عفوية الشعارات في ساحات العاصمة بيروت وفي الجنوب في شكل رئيسي، إذ أن مجموعات الشبان والشابات يطلقون هتافات مختلفة، وإن كان يظهر فيها الغضب ضد السلطة، وهذا يعني أنه لا يزال من المبكر توحيد المطالب أو ظهور قيادة موحدة للإنتفاضة، طالما أنها بدأت تحقق جزءاً من أهدافها، والذي ظهر جلياً في موقف الكنائس المسيحية التي دعت إلى تنفيذ مطالب المعترضين. وبدا أن هذه الساحات تعبر عن نفسها وتحولت مساحة للتعبير، وهذا الذي يجعلها عصية على الإستثمار السياسي أو الطائفي الذي يحاول الإمساك بالحراك وتجييره سياسياً لحساباتها، وهذا أيضاً الذي اجهض محاولات السلطة وقواها في خرق المتظاهرين فأخفقت في احتوائها بالرغم من استخدام أساليب متعددة من بينها القمع ثم استنفار الغرائز والشوارع المقابلة.

لم يستطع جمهور قوى السلطة أن ينزل الى الشارع لمواجهة انتفاضة الناس، فاستعاضت هذه القوى بمحاولات الحصار ثم التخريب من بعض الأتباع كما حصل في مناطق الجنوب تحديداً، وهي البيئة التي يعتبرها “حزب الله” خزانه وساحته الداخلية التي قاتل إسرائيل من خلالها، لكنه اكتشف أن الحراك بمداه كسر جزئياً الولاءات، فلم يتمكن من احتوائه حتى الآن، وإن كان يسعى الى تفريق الناس، فجاءت محاولة عناصر بلدية النبطية المعروفين بولائهم للحزب، بضرب المعتصمين ليزيد من غضب الشارع، فصمدوا وتمكنوا من استقطاب المزيد، لاستمرار الإنتفاضة. وقبل ذلك كانت مدينة صور مسرحاً لقمع الناس، لكنها أحدثت مفعولاً عكسياً رفضاً للقمع والترهيب. وفي بنت جبيل واجه المتظاهرون الشبيحة، وكأنهم يكتبون تاريخ المدينة مجدداً التي كانت عصية دوماً في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي.

وعلى رغم استمرار الانتفاضة من خارج الوصاية، ونزول الناس إلى الشارع بلا أجندات أو دعوات مسبقة، بدأت تتشكل أطر معينة لجمع الناس على قاسم مشترك، أولها شعار إسقاط الحكومة بدل الذهاب إلى شعارات لا يستطيع الحراك تحملها، إذ أن إسقاط الطبقة السياسية يستدعي تراكم إنجازات للإنتفاضة. بدأت تظهر المنصات لإطلاق المواقف، والخيم أيضاً، خصوصاً في ساحات وسط بيروت. في حين فشلت محاولات بعض المجموعات في تسويق أسماء لقيادة الحراك أو للتوزير في أي حكومة جديدة أو انتقالية، إذ أن الكثير من الناس لا يريدون تكرار تجربة حراك 2015 وما تلاه من إخفاقات. ويقال أن جزءاً من المتظاهرين بدأوا يناقشون أفكاراً لتطوير الانتفاضة وتأطيرها، من بينها تشكيل عاميات في المناطق بدءاً من بيروت وتطوير التحرك والضغط أكثر لإسقاط الحكومة. لكن الخطوة الإنجاز كانت إفشال ليلة القبض على الإنتفاضة، بالرغم من استمرار الأخطار ومحاولات السلطة إخماد وهج الإنتفاضة وتشويه أهدافها.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*