الرئيسية / مقالات / اليتيم يطفئ قنديله

اليتيم يطفئ قنديله

سمير عطاالله
03092018
النهار

في سن المراهقة، كانت السينما أهم المغامرات الاسبوعية. وكانت كلفتها 50 قرشاً و “الخرجية” كلها ليرة واحدة. وكان يحدث أحياناً كثيرة أن ادفع نصف ليرة ثمن “الصياد” لأقرأ “جعبة” سعيد فريحة مضحياً بفيلم لجون واين أو برت لانكاستر. عندما دخلت الصحافة لم تعد “الجعبة” مجرد سلوى خاطفة. ظلت خفيفة الظل، لكنني بدأتُ المح فيها عملاً صحافياً مثيراً: هنا حكاية بسيطة، غالباً شخصية، لكنها تُقرأ مثل عمل ادبي أو سياسي.

أيقنت مع الوقت، أن سعيد فريحة يقدم درساً ذهبياً في تحويل الحادثة البسيطة الى عمل ادبي. وكنت أظن أنه لا يمضي في كتابة “الجعبة” أكثر من ساعة، إلى أن عملت في “دار الصياد” وصار يملي “الجعبة” عليَّ أحياناً. واكتشفت أنه يمضي في نحتها يوماً أو يومين. يكتب ويمزق، ثم يمزق ويملي، باحثاً عن الكلمة إلى أن يطرب لها، فيروح راقصاً، مربتاً لنفسه، ضاحكاً بكل قلبه الكبير: ألم اقل لك أن في إمكاننا العثور على شيء احلى من هذه الجملة الثقيلة؟

كنتُ اقرأ “الجعبة” يوم صدورها. ثم قرأتها مطبوعة في مجموعة من عشرة اجزاء. ثم أعدتُ قراءتها يومياً في”الانوار” معادة، سنة بعد سنة. وحتى الإثنين الماضي ظلت “الجعبة” من متع النهار، قطعة صحافية أكثر حداثة ومهنية ودقة واحترافاً، من معظم ما كتب هذا اليوم. ثم تقرأ تاريخ النشر فإذا هو1947، أو 1953، أو 1970. صحافي يتجدد كل عام، من أجل أن يصبح مخلداً كلاسيكياً بعد أن يكتب “جعبته” الأخيرة، وعشقه الأخير، وخلطته السحرية بين السخرية من الذات والسخرية من الآخرين، وبين الكتابة بالفصحى عن الشمبانيا، ليقفز فجأة إلى العامية ويضيف إليها “عِرِق حميّضة” من برج حمود!

من هناك جاء سعيد فريحة. أو بالأحرى نزل الى هناك من رأس المتن، يتيماً ترعاه أمه وتؤدبه جدته ظريفة بخيزرانة الحب. وكأنما كل شيء في حياته حدث من أجل أن يكتب عنه “جعبة” لا تعرف ضحكها من بكائها. فالأب المهاجر في البرازيل مزواج. وعندما قرر العودة ركب الباخرة مع آخر زوجة له. وذهب الابناء الصغار الى المرفأ لاستقباله، فإذا بهم يُبلغون ان سرور فريحة مرض في عرض البحر ودفن في عمقه، والبقية لكم، عمراً وفقراً ومجاعة حرب الاربعتعش.

وفي المجاعة، لم يعد عرق أخضر في برج حمود. فتقرر العائلة السفر الى مدينة حماه، مسقط رأس الأم. وتحمل القافلة الصغيرة زوادة جمعتها من هنا وهناك، وفيما هم في الطريق، انقض عليهم لص جائع ولم يترك للأطفال لقمة واحدة.

“جعبة” أخرى ونرى سعيد فريحة يعمل صحافياً في حلب. ولكن أين تعلم القراءة والكتابة؟ عد الى بيروت، أو برج حمود، أو كرم الزيتون. في الحارة فتاة تحب الفتى الطويل الازرق العينين، فتكتب إليه رسالة تتركها على باب منزل جدته ظريفة. يلتقط الرسالة بقلب محرور ويفتح الظرف ثم يجهش بالبكاء قبل ان يقرأ كلمة واحدة. لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يقرأ حرفاً واحداً.

من أجل حبيبته، ينهال على الحرف الذي سوف يصبح أحد نُحّاته الكبار. أحياناً على ضوء السراج وأحياناً على ضوء القنديل، وأحياناً واقفاً عند نوافذ المدارس يتسرق لما يتلوه المعلمون. بعد حلب، حيث رعاه صاحب الجريدة، شكري كنيدر، عاد الى بيروت وعمل مع الياس حرفوش في “الحديث المصور”. عندما تقرأ نصوصه في تلك الأيام، تدرك ان صاحبنا لم يكن صحافياً عادياً. ولا كانت شخصيته عادية. فهو ليس محرر اخبار السياسيين، بل صديقهم أيضاً. وسرعان ما اصبح من رفاق رياض الصلح. ثم وجهاً من وجوه المجتمع الاستقلالي. وصارت مواضيعه أحاديث الناس. وفكر يتيم القناديل لماذا لا تكون له مجلته، وقد نال لبنان الاستقلال؟ ولكن من أين الرأسمال؟ بسيطة. من عبقرية سعيد فريحة.

أصدر “الصياد” مزدانة بالكاريكاتور كي تعبر بالرسم ايضاً عن رؤيته الساخرة للمساخر البشرية. وصارت مجلة العاصمة و”الجعبة” تاجها وسحرها. والرجل الذي عمل صبي حلاق اصبح ادباء البلد كتابه: من سعيد تقي الدين الى سعيد عقل، ومن خليل تقي الدين الى توفيق عواد، ومن اميل الخوري (الاستاذ الكبير) إلى سهيل ادريس.

العام 1954 استعان بمجموعة من العصاميين ليعمر “دار الصياد”: اميل بستاني، ونجيب صالحة، وحسن الصمدي، وبطرس الخوري. كان ذلك زمن العبقريات الخلاقة والاجتهاد الكبير وادرك أنه زمنه بالذات. وراح يتقن العمل ويتقن الثأر من زمن رحلة المجاعة إلى حماة. يسافر الى الملوك والامراء ويعود بجعبة. ويسهر في “الليدو” أو “الكيت كات” ويعود بجعبة. ويصاب بالزكام في طوكيو فلا يستطيع أن يطفىء المكيف فيكتب “أن المكيف في هذا الفندق مثل حكم الشاه: يدار من الخارج”.

أو يقع في حب عاملة اسانسور في “هيلتون” القاهرة، فتدخل الصحافة زمناً وعصراً آخر. صحافي كهل ملبد الاضافات يصف سقوطه من أعلى الشجرة، ولا يعود يفارق مصر، وعندما يلتقيه جمال عبد الناصر، يقول له ضاحكاً: “مش ندّيك الجنسية المصرية وخلاص”.

كان سعيد فريحة الرجل الوحيد الذي تجرأ عل مفاتحة جمال عبد الناصر في شأن السجين مصطفى أمين. والوحيد الذي احتضن علي ومصطفى أمين اثناء نفيهما الى بيروت. كانا من رفاق عمره. وكذلك محمد التابعي وكامل الشناوي. وكان إذا حضر حفلاً لأم كلثوم، غنت له ولوحت بمنديلها إليه. وإذا جاء محمد عبد الوهاب إلى لبنان، جاء الى الحازمية ومعه عوده. وإذا سهر عند عاصي ومنصور، غنت فيروز فيصرخ دامعاً: تقبريني! كان يعمل بلا نوم. ويسهر بلا نوم. ويحلم بلا نوم. لم يكتف ب،”الصياد” فاضاف إليها “الشبكة”، ثم “الآنوار”. وعندما اغلقت الدار أبوابها الإثنين الماضي كانت تصدر عنها تسع مطبوعات.

لم يكن يهدأ. أسس “فرقة الانوار” للرقص الشعبي وسافر معها في العواصم. وخاض المعارك الانتخابية وتحمل غلاظة”المفاتيح” ونصبهم، وحوَّل كل ذلك الى “جعبة” مبهجة. وكان يهجو الهجاء المرير من دون كلمة نابية. وأحياناً حتى من دون كلمة. مجرد كلمة تعجب ورحم الله الطريدة!

كان مبدأه في الحياة ألا يجرح. لكن إذا اعتُديَ عليه، فتوقع أن يكون الرد لمرة واحدة. واخيرة. مثل تعديل الدستور أيام غازي كنعان!

ما الإنسان إلا لحظة لم تكن. لكن الانجيل يحدثنا عن “الوزنات” العشر كما ترجمت الى العربية. لكن في النص الانكليزي هي “الموهبة” أيضاً. أي ليست وحدة وزن تتضاعف. كم موهبة امتلك سعيد فريحة؟ يقال، على سبيل القول، إن “الصياد” مدرسة تخرج منها كثيرون. أي عمل فيها كثيرون من الذين اشتهروا في الصحافة. لكن كم سعيد فريحة تخرج من دار “الصياد”؟ وكم غسان تويني تخرج من “النهار”، وكم كامل مروة تخرج من “الحياة”؟

حاضر سعيد فريحة مرة في الجامعة الاميركية، فخاطب الطلاب قائلاً “إنني اغبطكم على مقاعدكم”. وابتسموا لتواضعه ومرارته. فالكرسي الذي يجلس هو عليه لا شبيه له في كليات الاعلام.

ساهم سعيد فريحة في رسم صورة لبنان العربية، وفي صناعة سمعته. جاء في عصر يتسع للجبابرة فملأ مكانه. وكان شجاعاً ومقداماً ومغامراً في الحقول وجميع… الاحضان. وعاش حياته كريماً، طليقاً، فوق المال – لا تحته. ظاهرة من ظواهر القرن الماضي بدأت في المجاعة والجراد، وعاشت ثلاثة أرباع القرن.

اضف رد