الرئيسية / home slide / “اليتم السياسي” المسيحي بين “17 تشرين” و”4 آب”

“اليتم السياسي” المسيحي بين “17 تشرين” و”4 آب”

إيلي القصيفي – الخميس 27 آب 2020
https://www.asasmedia.com/news/386786

شكّل انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الحالي الصدمة الأكبر للمجتمع المسيحي اللبناني منذ السنوات الأخيرة للحرب الأهلية. عشرات الضحايا من الشابات والشبّان حُملت نعوشهم البيضاء على الأكتاف في بيروت والقرى والبلدات العديدة. آلاف الجرحى والمشرّدين. أحياء ومناطق رئيسية في شرق بيروت طالها الدمار من الرميل صعوداً نحو الأشرفية، وقد تركّز الدمار في الحيين القديمين الجميزة ومار مخايل، الشاهدين على بدايات “لبنان الكبير”، واللذين يضمّان، إضافة إلى الأشرفية، العديد من الكنائس والمستشفيات والجامعات والمدارس التي يفوق عمر بعضها المئة عام.

كلّ ذلك يجعل فاجعة المرفأ تحفر عميقاً في “الوجدان المسيحي” الذي عاش طيلة السنوات الماضية يراقب بقلق تطوّرات المنطقة وخصوصاً الحرب السورية متخوّفاً من امتداد العنف إلى لبنان، فإذا بتفجير 4 آب يضعه في قلب مشهدية الدمار الإقليمي.

لا يقتصر هذا السخط الشعبي ضدّ السلطة السياسية على “التيار الوطني الحر” وإن كان مكثّفاً أكثر في وجهه، بل يطال أيضاً الأحزاب المسيحية الكبرى الأخرى التي لم تثبت هي كذلك أنّ لها حاضنة شعبية حقيقية في بيروت المتضرّرة

على مدى سنوات، بنت الأحزاب المسيحية الرئيسية خصوصاً “التيار الوطني الحر” سياساتها على فكرة حماية المسيحيين من العنف الإقليمي. وقد ترجمت هذه الفكرة في تحالفات سياسيّة تحمل طابعاً طائفياً بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”، كما تمّ الربط بين منع سطوة الطوائف على الحقوق المسيحية في الدولة والنظام وبين حماية “الوجود” المسيحي في لبنان.

لكنّ انفجار المرفأ قلب كلّ هذه الأولويات الحزبية بعدما تبيّن أنّ “الخطر الداخلي” لا يقلّ البتّة عن الخطر الخارجي، بل يفوقه. ذلك الخطر الذي يبدأ من الأزمة المالية والاقتصادية التي هدّدت وما زالت العائلات في جنى أعمارها وصحّتها الجسدية والنفسية وفي قوت أولادها وتعليمهم. ثمّ بدا مع انفجار المرفأ أنّه خطر مضاعف بالفساد والإهمال وضياع المسؤوليات السياسية والأمنية والقضائية، لاسيّما في ظلّ الشكوك الكبيرة عن وجود مخابئ أسلحة لـ “حزب الله” في المرفأ، وهو ما اعتبره البطريرك الماروني بمثابة جرس إنذار، داعياً الدولة اللبنانية للمبادرة إلى “مداهمة كلّ مخابئ السّلاح والمتفجرّات ومخازنه المنتشرة من غير وجه شرعي بين الأحياء السكنيّة في المدن والبلدات والقرى التي تحوّلت حقول متفجّرات، لا نعلم متى تنفجر ومن سيفجرّها”.

كلام البطريرك الراعي يلقى بلا أدنى شكّ أصداءً كبيرة في الأوساط الشعبية المسيحية خصوصاً في الأحياء البيروتية التي تضرّرت من جرّاء الانفجار، وذلك في ظلّ الغضب العارم الذي يعتمل في نفوس أهلها وسكّانها ضدّ السلطة السياسية، وفي مقدّمتهم رئيس الجمهورية و”التيار الوطني الحر” وقد امتلأت شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي بصرخات السخط ضدّهم. والدليل أنّ لا رئيس الجمهورية ولا رئيس “التيار” جبران باسيل ولا أحداً من القيادات الرئيسية فيه، قد زاروا المناطق المنكوبة والتقى أهلها، بل خاطبهم باسيل في مؤتمره الصحافي من منزله في اللقلوق في 16 الجاري.

لكن أيضاً، لا يقتصر هذا السخط الشعبي ضدّ السلطة السياسية على “التيار الوطني الحر” وإن كان مكثّفاً أكثر في وجهه، بل يطال أيضاً الأحزاب المسيحية الكبرى الأخرى التي لم تثبت هي كذلك أنّ لها حاضنة شعبية حقيقية في بيروت المتضرّرة. علماً أنّ هذا التبدّل في المزاج الشعبي المسيحي تجاه القيادات والأحزاب السياسية الكبرى سابقٌ على انفجار 4 آب، وقد ظهر بوضوح منذ “انتفاضة 17 تشرين”، لكنّه أصبح أكثر وضوحاً بعد فاجعة المرفأ.   

ولعلّ الحفاوة واللهفة التي استقبل بهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الجميزة ومار مخايل، كانا أكبر دليل على حالة “اليتم السياسي” التي يحسّها المزاج الشعبي المسيحي، ولاسيّما في أوساط الشّابات والشبّان اللذين يعيشون في حالة اغتراب حقيقية عن الوسط السياسي “الرسمي”. وذلك في وقت لم تظهر بدائل سياسية حقيقة عن الأحزاب التقليدية، ما يجعل المشهد السياسي المسيحي متأرجحاً بين حالين: القديم وهو يغالب السقوط، وما عاد قادراً على مواكبة التطوّرات إلّا بالحيلة، والجديد الذي لا يقوى على النهوض والتأسس.

انفجار المرفأ يُعدّ حدثاً مفصلياً في لبنان، وفي الوسط المسيحي خصوصاً، وهو لا يفترض أن يكون غير ذلك نظراً لهوله. لكن لا يزال من المبكر قياس التحولّات التي أحدثها

لذلك، يمكن القول إنّ تفجير المرفأ أحدث تحوّلاً سياسياً في الوسط المسيحي أو بالحدّ الأدنى، فهو أضاء على حقائق سياسية جديدة ضمنه. وهي حقائق سيستغرق تبلورها وقتاً، لكنّ الأكيد أنّ ثمّة تغييراً حصل على مستوى الوعي السياسي الشعبي. وهو وعيٌ مصقول بمشاهد الموت والدمار، ما يجعله أكثر تجذّراً ضدّ السلطة السياسية ولاسيّما “التيار الوطني الحر” الذي تضمر بعض ردّات الفعل الشعبية ضدّه شعوراً بالغدر والخيانة.          

في هذه الغضون، يتقدّم موقف البطريرك الراعي الذي يسلك أكثر فأكثر مسارات ضدّ “حزب الله”، وتالياً ضدّ حليفه رئيس الجمهورية وتياره السياسي، ليحتلّ صدارة المشهد السياسي المسيحي أقلّه ضمن اللعبة السياسية التقليدية إذا ما أخذنا في الحسبان ديناميات ما بعد “17 تشرين”. ولعلّ هذا البروز للموقف البطريركي ما كان ليأخذ هذا الزخم لولا تراجع الثقل السياسي للقيادات المسيحية الرئيسية وافتقاد خطابها لعناصر الاقناع والاستقطاب. فـ”التيار الوطني الحر” في موقع دفاعي عن العهد، وهو إذ يكابر على هول الفاجعة يتابع سياساته السابقة المرتكزة على نقطتين: الرهان على تسوية إيرانية – أميركية جديدة، والإفادة من المحاصصة الطائفية لتمتين حضوره السياسي في الدولة. و”القوات اللبنانية” متريّث، يقيس خطواته لأنّه لا يريد أن يحرق كلّ مراكبه مع عون وباسيل لأنهما حليفاه في القانون الانتخابي. و”الكتائب” على تأرجحه بين اللعبة التقليدية و”الثورة”. و”المردة” ينتظر الاستحقاق الرئيسي و”حزب الله”.

كلّ ذلك يدفع إلى السؤال عن إمكانيات قلب الخطاب البطريركي للمعادلة السياسية في الوسط المسيحي، خصوصاً بعد إشاراته المباشرة والقوية ضدّ “حزب الله”. وما لم يقله الراعي في هذا الصدد، قاله “المركز الكاثوليكي للإعلام” في ردّه على “الأخبار” الإثنين، مستعجباً: “كيف يسكت بعض مَن في السلطة ويدّعي حماية حقوق المسيحيين عن التهجّم على البطريرك”.

خلاصة القول إنّ انفجار المرفأ يُعدّ حدثاً مفصلياً في لبنان، وفي الوسط المسيحي خصوصاً، وهو لا يفترض أن يكون غير ذلك نظراً لهوله. لكن لا يزال من المبكر قياس التحولّات التي أحدثها، وربما ستكون الانتخابات الفرعية التي دعت إليها وزارة الداخلية في 11 تشرين الأول المقبل، لاستبدال النواب السبعة المستقيلين وبينهم ستة مسيحيون، أولى المحطّات السياسية لقياس تلك التحولّات. فهل تقاطع الأحزاب المسيحية المعارضة ومعها أحزاب ومجموعات “17 تشرين” تلك الانتخابات، أمّ أنّ لكل منها حساباته؟