الرئيسية / home slide / الياس الرحباني في عيون مقرّبيه: لامس الشعر والفلسفة و”الطبيعة أعطته ما لم نره في غيره”

الياس الرحباني في عيون مقرّبيه: لامس الشعر والفلسفة و”الطبيعة أعطته ما لم نره في غيره”

09-01-2021 | 13:06 المصدر: “النهار”روزيت فاضل @rosettefadel

صورة تذكارية مع الأصدقاء في زمن كان للصداقة معنى.

 غادر الموسيقار والمبدع الراحل الكبير #الياس الرحباني هذا العالم تاركاً مدينته بيروت “مجروحة” في الصميم بعد محاولة اغتيالها وناسها في 4 آب. الياس الرحباني رحل إلى المقلب الآخر بعدما سكنه الحزن على حقيقة مرة أن الثقافة سراب في لبنان، وهو قطاع يعاني أسوة بقطاعات حيوية عدة من انحطاط غير مسبوق   

عاش الرحباني، قبل إصابته بفيروس كورونا، في منزله مع زوجته نينا محاطاً بولديه وأحفاده مع زيارة خصته بها السيدة فيروز بشكل دوري. بادله أصدقاؤه المقربون الوفاء بزيارات متتالية له كعربون متبادل لعلاقة وطيدة من زمن الأنقياء، وهي ما نفتقده اليوم في حياتنا.

الفن ليس فقط موسيقى

 شكلت غاليري “دامو” في العصر الذهبي القديم للحركة الثقافية “بيئة حاضنة” للمفكرين والرسامين والكتاب والإعلاميين. وتحولت الغاليري إلى ملتقى مهم جداً تفاعلت فيه الوجوه الإعلامية والثقافية باختلاف مشاربها، ما يستدعي توثيقها كذاكرة حية لهامات اضطلعت بدور أساسي في تطور الحركة الثقافية أمثال بيار صادق، ريمون جبارة، تيريز بصبوص، أنسي الحاج، الياس الرحباني، مي منسي وكثيرين منهم.

قبل بدء الحديث مع النحات إبرهيم زود، صاحب غاليري “دامو”، نتساءل فعلياً عن سر ديمومة هذه الصداقة ومتانة العلاقة بين هذه المجموعة.

متى التقيت الياس الرحباني؟ أجاب: “التقيته في العام 1977 عندما افتتحنا قاعة غاليري “دامو” للفنون التشكيلية. يومها اكتشف الياس الرحباني أن الفن ليس فقط موسيقى، انما رسم ونحت ومسرح وغيره من الفنون. أما الشعر فهو لم يكن بعيدا ًمنه. كان يشارف في مؤلفاته إن كانت مغناة او وجدانية الشعر والفلسفة في آن واحد”.

يتمايز الرحباني، وفقاً لزود، “بقناعته الخاصة ومحورها الأساسي المحبة”، مشيرا ًالى انه “متسامح الى اقصى الحدود”.

كيف ترجم هذا التسامح؟ برأي زود، “سرقت أعماله في عدة بلدان”. قال: “لم يتذمر يوماً ولم يلم السارقين بل انتقد المؤسسات، التي حرمته من الريع لهذا النتاج الفريد”.

عن أبعاد سرقة هذه الأعمال، قال:” لا شك في أن سرقة اعماله كانت تؤكد تفوقه”.

غزارة الإنتاج

وتوقف على التنويه بـ “حالة مغمورة عند الجمهور”، مشيراً الى أن  “الياس الرحباني ليس الاخوين الرحباني”، قال:” سار بركابهم وخرج الى عالمه الخاص. هو رحباني فرد لحاله. لحّن لفيروز، فقيل إنه للأخوين الرحباني. شكل تواضعه فرصة ضائعة لتعريف الجمهور بنفسه والى حين بنتاجه الخاص الممهور بالأخوين”.

بالنسبة لزود أعمال الرحباني، التي دخلت القلوب، وحاكت الشارع وعزفت في القاعات والسهرات، هي مؤشر إلى أنه “نموذج يحاكي الحداثة وابعد من الفولكلور”. يكمل “هو الذي طبع مرحلة مطلقيه توفيق الباشا، ذكي ناصيف والاخوين رحباني. هو تتمة لما قبله”.

بمَ تمايز الرحباني عن سواه؟ قال: “ميزته أن اعماله خرجت الى العالمية، وهذا ما يجعلنا نردد بثقة أن أحداً لن يأخذ مكانه، لأنه عالم قائم بذاته”.

وعرض لأهمية ما قدّمه “الطبيعة أعطته ما لم نره في غيره، ألف ولحّن بالفرنسية الحاناً تعتبر امتداداً للأغنية الميلودية الفرنسية بعد توقفها المؤسف”.

ووصفه بأنه “غزير الإنتاج يلحن بسلاسة مطلقة،” مشيراً الى أنه “اينما كان تخرج الالحان بنمط رتيب لتسجل بعدها وتحفظ، وله منها ما يقارب الستة آلاف، منها ما ظهر ومنها ما هو مخزون للمستقبل”.

قال:” أناشيده نمطية وخارقة وهي انتشرت في كل مكان، بدءاً من نشيد الكونغرس الأميركي وصولاً الى نشيد آخر للفرنكوفونية، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان”. 

مسرح الشخص الواحد

انتقل زود في وصفه الى خارج التأليف واللحن والموسيقى مشيراً الى ان “الياس الرحباني امتاز بالفكاهة، فكان حضوره في اي لقاء يحوله الى نجم مسيطر ضحكا ودعابة”.

واعتبر أنه “يؤلف بطريقة عفوية ويحول العادي الى طريف ومضحك”، لافتاً الى أن “ريمون جبارة قال عنه انه أفضل من مثل منفرداً، وطلب منه التعاون في إطلاق مسرح الشخص الواحد، الا أن هذا الحلم لم يتحقق برحيل الاثنين”.

وشدد على أن لا شك في أن في عمق الضحك ثمة حزن وقلق مغلفان بحبه للآخر”، قال: “كان يحرص على ادخال البهجة الى القلوب. ومن عرف الياس بهذه الصفات هم الاصحاب الاشد التصاقاً به وبزوجته نينا التي كانت مخزونه المحبب”.  

كرر زود “لوم الرحباني للدولة اللبنانية وعدد كبير من دول العالم التي لا تحمي حقوق التأليف”، مؤكداً على أنه “سعى جاهدا في كل المناسبات الإضاءة على هذا الإهدار والتفلّت والسرقة التي يعاني منها كل الادباء والفنانين في العالم. هذه كانت رسالته الأخيرة. هل من يحمل هذه القضية من بعده”.

روح النكتة

أما هاني فروخ، نجل الرسام التشكيلي الكبير مصطفى فروخ، فقد تحدث عن الياس الرحباني مسارعاً بالقول: “رحم الله الياس الرحباني إنه خسارة كبيرة”.

وتوقف عند معرفته به قائلاً: “كان لي الحظ بالتعرف إلى الياس الرحباني في الاجتماعات الدورية في إنطلياس عند الصديق إبرهيم زود وزوجته الرسامة سليمة في غاليري دامو. أول ما يلفتك في الياس الرحباني هو روح النكتة والفكاهة والسخرية، لكن وراء هذه العلامات كان يخفي شيئاً من المرارة من قلة التقدير من الدولة ومن سرقة الآخرين لألحانه”.

وثمّن مزاياه ومنها “أنه كان راوية وممثلاً من الطراز الأول، ما إن يقف ليقول خبراً حتى تبدأ الابتسامات، كان ممثلاً بارعاً”. 

نبع من الألحان

من الناحية الموسيقية، أشار فروخ الى أنه “كان نبعاً متدفقاً من الألحان، كان يقول إن رأسه يضج بالموسيقى ليلاً ونهاراً من لبنانية وفرنسية. واشتكى مرة الى السفير الفرنسي بأنه ألف عشرات الألحان والأغاني الفرنسية، وبعد التحقق دعاه السفير الفرنسي الى السفارة ليقلده وسام الاستحقاق الفرنسي”.

وشدّد على أنه “لا نستطيع جمع الياس الرحباني مع أخويه، فهو ظاهرة مختلفة في السلوك والموسيقى علماً أن هناك مئات من الألحان في الجوارير لم يتسن له نشرها”.

وخلص فروخ إلى القول: “هناك عمل ضخم مسؤوليته تقع على ولديه لنبش أعماله غير المنشورة وتوزيعها أوركسترالياً ونشرها للعامة”.

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel