اليابان رغم دينها البلد الصحي الاول

مروان إسكندر
النهار
30112018

تفيد الاحصاءات المتوافرة من صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تشمل عضويتها جميع البلدان المتقدمة، أن الدين العام في اليابان يساوي 240 في المئة من حجم الدخل القومي. ان نسبة الدين هذه الى الناتج القومي هي الاعلى في العالم ومع ذلك لا نسمع تحذيرات ونصائح واقتراحات لبرامج اصلاحية من الهيئات الدولية.

ليس دين اليابان هو المشكلة في هذا البلد الذي يبلغ مستوى دخله القومي بالقوة الشرائية المستوى الثالث في العالم وذلك بعد الصين والولايات المتحدة. وتعتبر اليابان من انجح بلدان العالم في معالجة النفايات وتبني سياسات الحد من التلوث. والمشكلة الرئيسية لليابان هي انخفاض عدد الولادات عن عدد الوفيات. فهي تواجه تراجع عدد سكانها عامًا بعد عام، علمًا بان صحة اليابانيين من أفضل المستويات في العالم ونسبة المسنين – أي من يتجاوزون 65 سنة – تفوق الـ35 في المئة، وهذا الامر يعني مبدئيًا ان طاقات الانتاج تتدنى. والواقع هو عكس ذلك، أي أن الانتاجية ترتفع، ومستويات الدخل هي من الاعلى في العالم، وصادرات اليابان سواء منها السيارات، السفن، الادوات الالكترونية، معامل تكرير النفط، الادوية، القطارات الكهربائية السريعة والاستثمارات الخارجية، هي من الافضل عالميًا…والسؤال تالياً، ما دام معدل البطالة دون أربعة في المئة، ومستويات التعليم جيدة، والبلد لا يشكو من التضخم، فأين هي المشكلة وما هي وسائل التصدي لها؟

المشكلة الرئيسية ان نسبة المسنين في اليابان هي الاعلى في العالم، والانجاب دون الوفيات، فهنالك نقص متواصل في عدد السكان. وبما ان نسبة المسنين مرتفعة، وجب على اليابان التوسع في الاعتماد على الوسائل الالكترونية لخفض الاعتماد على الايدي العاملة، واصبح من الواضح ان كل مولود جديد في اليابان منذ سنوات وحتى تاريخه يتوقع ان يبلغ المئة سنة على الاقل.

في اعتقادنا أن الحياة المديدة في اليابان تعود الى ثلاثة اعتبارات وممارسات. اولاً، هوس اليابانيين بالنظافة، فهم في غالبيتهم يستحمون يوميًا مرتين، والى حد بعيد يعتمدون على التنقل بالدراجات الهوائية أو وسائل النقل المشتركة، وللمسافات البعيدة يعتمدون على القطارات الكهربائية السريعة.

ثانياً، الغذاء الذي يقبل عليه اليابانيون يحتوي بنسبة كبيرة على الاسماك وعلى الارز ونادرًا ما يقبلون على اللحوم التي ترتفع اثمانها الى حد جنوني.

ثالثاً، وهذا تفسير لا يعجب سكان منطقتنا، ان اليابانيين لا يعتنقون ايًا من الديانات المعروفة لدينا. فالإيمان في اليابان الذي تعتمده غالبية السكان هو عقيدة الشنتو  التي تتمثل في قواعد الحياة المنتظمة سواء التعامل بلطف مع الغير، الابتعاد عن الغش والسرقات، التزام ساعات العمل، وتخصيص وقت للرياضة الجسدية والنفسية. واليابانيون، بعد الحرب العالمية الثانية التي واجهتهم بالقنبلة الذرية التي دمرت مدينتين صناعيتين وتسببت بمقتل 300 الف شخص صيف 1945 في فترة قصيرة، وأدت الى استسلام اليابان صيف 1945 للقوات الاميركية، ابتعدوا لهذا السبب بالذات عن تصعيد المواقف تجاه أي دول في محيطهم وسمحوا للقوات الاميركية بأن تستمر في قاعدة اوكيناوا .

الغذاء الخفيف، النظافة، نسب تلوث خفيفة جدًا، الابتعاد عن الاحتقان، التزام عقيدة الشنتو التي تستند الى قواعد اخلاقية وتعاليم تشدد على اللطف وحسن التصرف في التعامل، هي اسباب النجاح الياباني، اضافة الى ان اليابان كانت من أولى الدول التي نجحت في تطبيق وسائل التحقق من فاعلية العمل باعتماد وسائل الانضباط الالكترونية واتقان انتاج المنتجات الالكترونية على اختلاف الانواع والقدرة على الاستعمال المفيد.

بعد كل ذلك، تواجه اليابان مشكلة الرفض المبدئي لاستقبال العمالة الاجنبية، خصوصاً ان أول تدفق بعد الحرب العالمية الثانية كان من كوريا، لكن كوريا حققت نجاحات اقتصادية ومستوى ازدهار لا يشجع شبابها على الهجرة. واليابانيون مبدئيًا لا يمنحون جنسيتهم لمواطنين أجانب إلا في حالات نادرة.

ولكن كيف تعالج اليابان مشكلة التقدم في السن وزيادة عدد المسنين بين المواطنين؟

– ثمة ميل الى رفع سن التقاعد الى 75 سنة وما يزيد وتوسيع استعمال الادمغة الالكترونية لتسهيل عمل المسنين.

– تأمين خدمات العناية بالمسنين وذلك بإنشاء مراكز توفر العناية الصحية من جهة والتسلية الذهنية أو الرياضة من جهة أخرى. واصبح هنالك عدد من المختصين بالعناية بمن يعانون أمراض النسيان.

– زيادة نسبة الاناث العاملات في مختلف مجالات الانتاج وقد أحرزت اليابان تقدمًا ملحوظًا على هذا الصعيد.

– تطوير صناعات الادوية وتأمينها باسعار معقولة لمن يحتاجون اليها، ولا سيما منهم المسنين.

– الاسهام في تصدير خبرتهم بالعناية بالمسنين في مجتمعات تحتاج الى هذه العناية. وبالفعل هنالك شركات يابانية تؤمن العناية بالمسنين في الصين. والصينيون الذين عانوا الاحتلال والقسوة خلال الحرب العالمية الثانية، تجاوزوا الحذر والبغض إما نتيجة الوفيات وإما الحاجة الملحة الى هذه الخدمة.

ولا بد من القول إن امتداد السن بالصحة والعافية والذي يبدو كأنه مشكلة في اليابان، اصبح يحسّن آمال المسنين الصينيين ويسهم في تخفيف الاحتقان بين البلدين. ولعل هذا من الأوضاع النادرة والمطمئنة في عالمنا اليوم واملنا في لبنان زيادة العناية بصحة اللبنانيين.

اعتقال كارلوس غصن، استناداً الى ادعاءات عن تهربه من اعلان مداخيل تساوي 44 مليون دولار مدى خمس سنوات وعن ارتكاب مخالفات ينكرها هو، وراءه المدير العام لشركة “نيسان” الذي أشرف كارلوس غصن على تدريبه وترقيته، وثمة ما يدعو الى التساؤل عما اذا كانت هنالك اسباب مواطنية يابانية لتحميله اعباء قد تكون مفبركة انما تسببت بتوقيف الرجل في اليابان واقالته من رئاسة شركة “رينو” في فرنسا.

لقد نشرت جريدة “الفايننشال تايمس” في عددها الصادر في تاريخ 2018/11/24 تقريرًا مفصلاً عن قضية كارلوس غصن، وفي رأي واضعي التقرير ان السبب الرئيسي لتوقيفه هو شعور اليابانيين بان شركة “رينو” التي حققت نصف ارباحها العام الماضي من شركة “نيسان” تحوز حقوقاً لا تتناسب مع اتفاق الشركتين. ويشدد واضعو التقرير على ان السبب الحقيقي هو شعور اليابانيين بعد انقاذ كارلوس غصن شركة “نيسان” ان الوقت حان ليصادروا من جديد قرارات الشركة ولو على حساب التشهير بمنقذها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*