الرئيسية / أخبار الاقتصاد / الوضع المالي والاقتصادي: اقتراحات المعالجة

الوضع المالي والاقتصادي: اقتراحات المعالجة

تركز المذكرة ادناه على حلول جذرية لتحديات كبيرة اذا تحققت في عام تمهد للاصلاح الكبير.

أولاً، خطة الاصلاح المالي التي تفصل في 34 صفحة بالانكليزية “خطة Lazard” غير مقنعة لانها تستند الى مؤازرة صندوق النقد الدولي وتوافر مساعدات “سيدر”.

ثانياً، تهمل الخطة امكان سد عجز الكهرباء الذي كان اصل البلاء المالي وشكّل 52 في المئة من الدين العام الاجمالي.

ثالثاً، تلقي عبئاً على المودعين الكبار مع الوعد بالتعويض يوما ما.

لذا، نعتبر الخطة المعروضة من قبلنا افضل بكثير. هنالك Haircut حالياً في ترصيد حسابات بالدولار بالعملة اللبنانية مع خفض بالقيمة الفعلية ما بين 40 و60 في المئة.

بات وضع لبنان بالغ الصعوبة على مستوى توافر المال لتغطية جميع حاجات الدولة والمواطنين. وشحّ المال يقلص الدورة الاقتصادية ويساهم في توسيع البطالة واحساس المواطنين بالضيق، ولذلك ينبغي علينا التصدي للتحدي بجرأة ومن دون التباس.

استنادا الى ما نحن فيه، أعرض لبعض الخطوات التصحيحية من دون مساومة لا تؤدي سوى الى تعميق المشكلة، وابدأ بموضوع الودائع لدى المصارف.

أولاً- ان الثقة بلبنان كمركز للاعمال والنشاط اقليمياً تقلصت، والثقة بالمصارف تبخرت لاكثر من سبب، منها فترات الاغلاق وتقنين السحوبات، ومن ثم حصرها بالليرة اللبنانية، الامر الذي يؤدي الى خسارة اصحاب الودائع بالدولار والتي توفَّر لهم بالليرة قياساً على مجريات الامور في الاسواق ما بين 40 و60 في المئة من قيمة ودائعهم.

الامر الاكيد انه لا يجوز ومن غير المقبول التعرض لحسومات على اصل الودائع سواء اكانت بالليرة اللبنانية ام بالعملة الاجنبية وخصوصا الدولار.

ان اي انتقاص مباشر لحقوق المودعين يزيل الثقة بالمصارف اللبنانية حتى انقضاء هذا العقد على الاقل حينما يمكن ان يكون تحققت لنا منفعة من تطوير حقول الغاز والنفط اذا وُجدت، ويجب ان نذكر ان انخفاض اسعار النفط الذي يلحقه انخفاض في اسعار الغاز قد يؤخر الاقبال على الترخيص الثاني المفترض انجازه. انخفاض اسعار النفط والغاز ليس انخفاضا دائما وقد يتبدل قريبا.

يجب التفكير هنا بما حدث عام 2008 على الصعيد العالمي. في تشرين الثاني من عام 2008 ظهر ان “بنك ليمان”، وهو اساسا بنك للاعمال وادارة الاموال، افلس في الولايات المتحدة عن ميزانية تفوق الـ 600 مليار دولار. وقبله كان بنك بريطاني قد افلس وميزانيته 150 مليار جنيه، واضطر بنك بريطانيا المركزي الى شرائه في مقابل 150 مليار جنيه.

تواترت افلاسات البنوك في الولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا وايطاليا وبلجيكا، واضطرت السلطات النقدية الى انقاذ البنوك والشركات الصناعية الكبرى وشركات التأمين والادخار في الولايات المتحدة، وبلغت تكاليف انقاذ المؤسسات الاميركية 5.6 تريليونات دولار، والمؤسسات البريطانية والاوروبية 6 تريليونات دولار، واستوجبت مصاعب اليونان مساعدات على مستوى 330 مليار أورو او 360 مليار دولار.

استطاعت المصارف اللبنانية استقطاب اموال من سويسرا وانكلترا وايطاليا والولايات المتحدة وفرنسا بلغت 24 مليار دولار خلال سنة 2008، وقد ساهمت هذه الاموال في تعزيز قدرات المصارف اللبنانية، وارتفعت الودائع بنسبة 20-25 في المئة خلال سنتين.

في المقابل وبسبب توافر المعونات السخية تمكنت البنوك الاميركية من تصحيح اوضاعها، ولم نشهد قسوة في معاملة المصرفيين سوى بالنسبة الى رجل يُدعى مادوف، خسر معه مودعون ومنهم بنك استثمار لمصرفي لبناني 1.2 مليار دولار من مجموع خسارة مادوف التي بلغت 64 مليار دولار، وهو يقضي في السجن عقوبة لمدى الحياة، وابنه الاكبر الذي يعمل معه اختار الانتحار.

بعد عشر سنين على ازمة 2008 تعافت البنوك الاميركية والاوروبية، بل ان مصرفين سويسريين، اي Credit Suisse وUnion de Banques Suisses اصبح لديهما فائض يغنيهم عن تقبّل اي ودائع، وباتت سويسرا ببنوكها الصغيرة والكبيرة تحتوي على 30 في المئة من الاحتياط النقدي العالمي.

تدفق الودائع الى مصارف لبنان عام 2008 سرعان ما تآكلته مصاعبنا وبدأنا نواجه جمودا في جميع الودائع بل انتقاصا فعليا مع اعلان زيادة مجمل ودائع المصارف بـ1-2 في المئة سنويا، وحيث ان هذه الارقام كانت تدرج على اوضاع المصارف بتاريخ 31/12/2015 وحتى 31/12/2019 كانت الودائع تنقص ولا تزيد وعجز ميزان المدفوعات يرتفع، وقد لجأنا الى رفع الفوائد على الدولار سواء للايداع في مصرف لبنان ومن ثم تغطيته لحاجات الدولة وبعض مشاريع توسيع اسطول “الميدل ايست”.

الدول الاوروبية والولايات المتحدة استوعبت ازمة 2008 لان عملاتها مقبولة عالميا، سواء الدولار، الجنيه، الفرنك السويسري او الأورو، في حين استطعنا استيعاب ازمة “بنك المدينة” الذي قدرت خسائره من قبل مديرَين عُيّنا من مصرف لبنان بما يزيد على 300 مليون دولار، وتصدى مصرف لبنان لهذا العجز لان المالك الاساسي عدنان ابو عياش كان قد حوّل الى “بنك المدينة” ومصرف تابع له مليارا وثلاثمئة مليون دولار.

عملية تأمين ودائع زبائن “بنك المدينة” لا تزال مستمرة، علما بان المودعين حازوا اموالهم، لان موجودات البنك العقارية والسيارات تم استردادها، وتوافر بعض السيولة، وشملت الموجودات العقارية عشرات الشقق لسيدة كانت تعمل مساعدة لعدنان ابو عياش المقيم في السعودية، كما شملت 321 سيارة بيعت في مزاد علني كانت بينها سيارة “فيراري” مسجلة باسم ابن شقيق السيدة وله من العمر 8 سنوات. والمستفيد الاكبر كان رستم غزالة الضابط السوري الذي اشرف على الوجود العسكري والاستخباري في لبنان، والذي سحب ببطاقة Credit Card له ولابنه 43.5 مليون دولار.

لبنان اليوم لا يستطيع معالجة مشكلة مثل التي عالجها بالنسبة الى “بنك المدينة”، ولهذا السبب وكي نستمر في الاستفادة من العمل المصرفي الناجع والناجح، لا بد لنا من الابتعاد عن اقتطاع اي مبلغ لاي مودع والاستمرار في استنزاف اصحاب الودائع بالدولار بتوفير سحوبات محدودة بالليرة اللبنانية بحسب السعر الرسمي الذي يعني خسارتهم بالفعل على الاقل 40 في المئة من قيمة الوديعة.

ثانياً – يجب محاسبة المصرفيين الذين تجاهلوا اصول العمل المصرفي وتجاوزوا مستويات الاقراض الحصيفة وركزوا نشاطهم على اقتناص عمليات تمويل للاستحواذ على اسهم مصارف او شركات تجاوزت تسهيلاتها الاصول المتبعة من المصرفيين الحريصين على حقوق المودعين او القانون احيانا.

لا بد من العودة الى القرارات التي اتخذها المدعي العام المالي القاضي علي ابرهيم بتجميد اصول المصارف المخالفة، واموال واملاك رؤساء مجالس ادارة عدد من المصارف ومديريها العامين حتى تتوضح حقوق اصحاب الودائع.

ان معالجة الازمة المالية لا يمكن انجازها قبل ثلاثة اشهر، وبالتالي علينا البدء بمعالجة ازمة الثقة بلبنان، فنحن لا نستطيع التمتع بنظام اقتصادي يمكّن اللبنانيين من الدراسة في الخارج، او العلاج او الاستجمام، او انشاء مجمعات سياحية وصحية، او تقديم خدمات دولية كما يفعل مقاولون ناجحون، او اصحاب اختصاص في برامج المعلوماتية المتقدمة ما لم نستعد صفة الاقتصاد الحر. وكي نتوصل الى هذه النتيجة لا بد من ان نحرك استثمارات وتوظيفات على مستوى 20 مليار دولار خلال سنة.

مؤلفة كتاب The Big Nine اي الشركات الكبرى التي تقولب برامج الذكاء الاصطناعي ومنها ثلاث شركات في الصين اسست إحداها شركة Google في الولايات المتحدة، وهي اكبر الشركات الاميركية الست وتحوز حصة فيها تساوي 22 في المئة، اي الحصة الكبرى، والصينيون يعتبرون انهم ينافسون الاميركيين على تحقيق الانجازات الكبرى في مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي، وهم يستعملون نجاحاتهم في مساندة حاجات ونجاحات بضعة بلدان افريقية من اهمها زامبيا، تنزانيا، جمهورية الكونغو الديموقراطية، الحبشة، الصومال، كينيا والسودان. ونشير الى ان كينيا باتت تسبق لبنان بمستويات المعيشة، وان الحبشة حققت اعلى معدل نمو في افريقيا العام المنصرم، وقد اصبحت الصين الدولة الاساسية للاستثمار في افريقيا، وحازت احتكار 75 في المئة من ثروات الليثيوم المادة الضرورية لانتاج البطاريات للسيارات التي تعمل على الكهرباء، والعالم مقبل على جيل من السيارات يسير على الكهرباء والبطاريات الحديثة.

الصين تعمل على ان تحتل المركز الاول صناعيا وتجاريا في العالم. وبعد ازمة كورونا تعززت حظوظها بالنجاح في مساعيها، ولديها اهتمام بتعزيز مرفأ طرابلس، وتشغيل مطار رينه معوض، وانجاز سفارة واسعة في منطقة بعبدا وتسهيل تمويل المستوردات من الصين، ولبنان يستورد بما يعادل 1.5 مليار دولار سنويا منها.

يمكننا التوصل الى اتفاقات مع الصين تكفل انجازها سوراً لحماية مرفأ طرابلس ومطار رينه معوض، وانجاز حقل لانتاج الكهرباء على مستوى 400 ميغاواط في البقاع على اراض يملكها مصرف لبنان، ويضاف الى ذلك تأسيس بنك برأس مال 5 مليارات دولار يحوز من تاريخ انجازه القسم الاكبر من تمويل التجارة مع الصين التي يمكن توسعها في منتجات الغذاء والدواء والالبسة والاحذية الخ. واذا استطعنا استقطاب بنك الصين الوطني – اكبر بنك في العالم – نؤمن للبنوك اللبنانية خدمات انجاز تحويلاتها لمعظم بلدان العالم.

اذا استطعنا التوصل الى اتفاقات مع الصين على الامور المذكورة يمكن توقع النتائج المالية الآتية:

– انفاق 400 مليون دولار على شراء ارض للسفارة في منطقة بعبدا وانجاز اعمارها خلال عامين.

– انجاز حماية السور المواجه للبحر في مرفأ طرابلس وتجهيزه بافضل وسائل التفريغ والتحميل الالكترونية ولن تقل الكلفة عن 500 مليون دولار والعمل ينجز في سنة او اقل.

– تشغيل مطار رينه معوض وانجاز اتفاق لتشغيله مدى 20 عاما في مقابل رسوم لن تقل عن 30 مليون دولار سنويا.

– تأسيس بنك برأس مال قدره 5 مليارات دولار.

نقوم خلال التفاوض مع الصينيين ببيع احتياطنا الذهبي الذي يخص المواطنين قدر ما يخص الدولة في مقابل 5.6 مليارات دولار، وهذا الامر يحتاج الى موافقة مجلس النواب بنسبة ثلثي الاعضاء، ولا شك في ان النواب الذين صادقوا على موازنات تحقق عجزاً سنة بعد سنة وتتجاوز الارقام المبدئية يدركون مسؤوليتهم ويختارون مساعدة لبنان واللبنانيين على تجاوز الازمة الطارئة.

كذلك يمكن اذا شئنا بيع الذهب من الصين لان الصينيين يبتاعون الذهب منذ سنوات، كما يمكن تشجيع بنك الصين الوطني على التأسيس في لبنان وتملّك ربما 4 او 5 بنوك متوسطة الحجم وذات ميزانيات موثوق بها.

خطوات تخصيصية ممكنة ومفيدة

تصوُّر الحكومة اشتمل على امكان حضّ نسبة من كبار المودعين على المساهمة في شركة وطنية تملك على سبيل المثال:

– مؤسسة كهرباء لبنان وتحويلها الى شركة مساهمة حقيقية.

– طيران الشرق الاوسط.

– شركة استثمار مطار بيروت.

– شبكات الهاتف الخليوي والانترنت.

– شركة الريجي (استثمار التبغ والتنباك وربما بعد القوننة زراعة الحشيشة وتصنيع ادوية).

– الصندوق السيادي حين تأسيسه بعد اكتشاف النفط والغاز.

بحسب تقديري انه يجب خلال المحادثات مع الصينيين بدء محادثات مع شركات اختصاصية بانتاج الكهرباء وتسويقها لتملك موجودات مؤسسة كهرباء لبنان واعادة صياغتها وقوانينها، فهذه المؤسسة كانت ولا تزال المسؤولة عن معظم العجز الحالي.

عام 2011، وبمراجعة معمقة، اثبتت سيدة تحوز منحة لدراسة موضوع الكهرباء في دراسة قدمتها في جامعة ستانفورد، استخلصت بنهايتها ان عملية اصلاح هيكلية ادارة شؤون الكهرباء شبه مستحيلة لانها مسيسة تماما، وهي كانت تحوز منحة من الوزير محمد الصفدي الذي ابدى رغبة مع الرئيس نجيب ميقاتي في حيازة وتطوير محطة قائمة على مقربة من طرابلس على البحر وتأمين مدها بالغاز للانتاج كما توسيع طاقتها، لكن المسعى كان من دون جدوى.

تحويل مؤسسة كهرباء لبنان الى شركة مساهمة خاضعة لادارة تقنية فعالة، يساهم في خفض العجز خلال سنة الى ما دون المليار دولار وازالته كليا في ما بعد، وهذه قضية ملحة من دون النظر الى الاعتبارات السياسية وآخر مظاهرها المازوت الملوث الذي استورده الوزير الجديد.

ثانية المؤسسات المرشحة لتخصيص سريع هي “الريجي” لان ادارتها شفافة وواضحة ومحددة من قبل شركات التبغ العالمية الكبرى التي تصنع في معامل “الريجي” للتصدير وساهمت في كبح تأثير التهريب من سوريا بزيادة دخل “الريجي”، ويجب في هذه الحال ان يكون التملك الاجنبي جزئيا وهذا ما يطلبه كبار مديري شركات التبغ العالمية.

تخصيص شركات الهاتف الخليوي والانترنت عملية ممكنة بسرعة وبعوائد مجزية، وقد بدأت خدمات الهاتف الخليوي من شركات خاصة، وفي حينه اصر الرئيس اميل لحود على استعادتها، ومن ثم تعاقد على تشغيلها من قبل الشركات الخاصة لحساب الدولة الوزير الحالي دميانوس قطار.

اضف رد