بعض المعطيات المحوطة بالمأزق الحالي لمسار تأليف الحكومة، وهو ليس اكثر حدة من العقدتين الدرزية والمسيحية اللتين بدوتا في مرحلة ما مستعصيتي الحل ثم سلكتا طريقهما الى تسوية ما، تعكس في الواقع فرصاً جدية لحل متاح:

موقف كهذا ضمر سلفاً، منذ اليوم الاول للتكليف، انه وحده يمثّل السنّة في الحكومة بالمقاعد الستة. لكن مطالبة الثنائي الشيعي بتوزير احد النواب السنّة الستة سمعها الحريري ايضاً من اليوم الاول، واكثر من مرة من رئيس المجلس نبيه برّي. بيد انه تجاهلها. في الفترة الاخيرة عزا اهماله هذا المطلب وعدم اخذه على محمل الجد تأكيده انه سمع من برّي يقول له «بتنحل. لكن عالج اولاً العقدة المسيحية». فهم ان العقدة السنّية وهمية، غير جادة. تركها الى ان انفجرت في وجهه في 29 تشرين الاول، وهو على اهبة التحضير لاصدار مراسيم حكومته. ما عنته عبارة رئيس المجلس آنذاك ان من السهل التفاوض عليها، اكثر منه ان الطلب يسهل الاستغناء عنه او مجرد مناورة.
ثانيها، لا جدال في ان الحكومة لن تبصر النور ما لم يكن في عدادها احد النواب السنّة الستة، وليس حتماً احد ما من خارجهم. رغم تفرّق ثلثيهم (4/6) على كتل برّي وحزب الله والتكتل الوطني، ولم يبقَ خارج الستة الا اثنان مستقلان فعلاً، الا ان وضعهم في صدارة المواجهة مع الحريري يرمي الى تأكيد كسر احتكاره الزعامة السنّية، ومنحهم شرعية سياسية تمثل الثلث السنّي. وتبعاً لحجم التمثيل السنّي في كتلته النيابية (17/27 نائباً) يمثل رئيس حكومة تصريف الاعمال ثلثيه ليس الا.

توزير احد الستة تكريس لشرعية الثلث السنّي المعارض

ليس مصادفة القول ان ما يجبهه الحريري الآن سبقه اليه النائب السابق وليد جنبلاط، ابان العقدة الدرزية، اذ وجد الشريك الجديد في عاليه والشوف التيار الوطني الحرّ يقاسمه التمثيل الدرزي في الحكومة، ويرفع لواء توزير النائب طلال ارسلان او مَن يمثله الى حد التدخل في شؤون الطائفة، من ثم إبراز تأثير التيار داخل الثنائية الدرزية التاريخية. ها هو الهاجس نفسه يقيم في بيت الوسط.
ثالثها، وقوف حزب الله وراء الاصرار على توزير احد النواب السنّة الستة الى حد احجامه عن تسليم الرئيس المكلف اسماء وزرائه الثلاثة في 29 تشرين الاول، وتسبّبه نهارذاك في تعذّر صدور مراسيم الحكومة الجديدة، حمّل المأزق بعداً اضافياً ثقيلاً، سواء باشاعة انطباع بأن الحزب ينتزع لنفسه مقعداً سنّياً مموّهاً داخل الحكومة بلافتة احد النواب الستة، او بادخاله الى الاعراف المحدثة لتأليف الحكومة سابقة رفض تسليم لائحة وزرائه ما لم يُستجب طلبه. اكثر من تأويل رافق هذا التصرّف غير المألوف، بالقول انه تدخّل في الصلاحيات الدستورية للرئيس المكلف تأليف الحكومة وليس رئيس مجلس الوزراء لأن لا رئيس لمجلس الوزراء بعد، او بالقول انه بات يقبض على فيتو يوازي توقيعي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف لاصدار مراسيم الحكومة. وهو بذلك، بالممارسة، يتحوّل الى شريك واقعي فعلي في التأليف.
من غير المستبعد الاستفاضة في تأويل هذا الفيتو الى حد الذهاب الى القول انه طراز جديد من «المثالثة» في تأليف الحكومة هذه المرة، بعد المثالثة في التوقيع على الليرة من خلال قصر وزارة المال على شيعي، والمثالثة في تساوي مقاعد الوزراء الموارنة والسنّة والشيعة في الحكومات.
رابعها، رغم الحجة المقنعة للبعض في رفض موقف حزب الله، يمكن ايضاً التقليل من نفخ ظاهرة ليست جديدة على الحياة السياسية والدستورية اللبنانية منذ اتفاق الطائف، في الحقبة السورية وبعدها وصولاً الى عام 2008 وما بعده، عندما دخل التيار الوطني الحرّ للمرة الاولى في الحكومات المتعاقبة. ليس سراً، مع السوريين وبعيداً منهم بعد جلائهم عن لبنان في حكومة 2005، ان رؤساء الكتل الكبيرة كالرئيس نبيه برّي والرئيس رفيق الحريري ثم خلفه الاول بالوكالة الرئيس فؤاد السنيورة فخلفه الثاني بالاصالة نجله سعد والنائب السابق وليد جنبلاط وزَّروا مسيحيين هم اعضاء في كتلهم النيابية او حلفاء لهم.
امكن ابصار هذه الظاهرة في الحقبة السورية بذريعة المقاطعة المسيحية، وشقت طريقها ايضاً بعد مغادرة السوريين على غرار الحكومة الاولى للسنيورة عام 2005. آنذاك ستة وزراء مسيحيين سمّاهم تيار المستقبل في حصته، ووزير مسيحي لجنبلاط، فيما لم يُعطَ شركاؤه المسيحيون في قوى 14 آذار سوى ثلاثة مقاعد فقط (بيار الجميل ونايلة معوض وجوزف سركيس) من الحصة المسيحية في حكومة الـ24.
قد يكون ما يفعله حزب الله «نوستالجيا» الى المرحلة المنصرمة تلك. بيد ان وزرها، انها المرة الاولى يتناول التوزير مقعداً سنّياً مناوئاً للحريري ويراد انتزاعه منه غصباً عنه.