الواقع الاقليمي سيحتم متغيرات جذرية

على رغم المسؤولية التي تقع على عاتق الرئيس سعد الحريري في ممارسة تصريف الاعمال حتى تأليف الحكومة الجديدة، تقر مصادر سياسية بان ابتعاده عن الواجهة بسفره الى الخارج نزع من الافرقاء السياسيين الذين اضحوا خصوما سياسيين ورقة تحميله عبء العرقلة الحكومية بل كشف جملة امور يمكن ان يستفيد منها لو شاء من بينها: ان ما يواجهه رئيس الحكومة المكلف حسان دياب من عرقلة خصوصا من جانب رئيس الجمهورية وفريقه يظهر ان هناك تعايشا صعبا لاي رئيس حكومة مع هذا الفريق على رغم اعتبار البعض ان دياب يحاول ان يحظى بدعم طائفته من خلال مواقفه المتصلبة. ويعود ذلك الى ممارسة للحكم تتجاوز صلاحيات رئاسة الحكومة كما كان الامر خلال الحكومة السابقة ما حدا برؤساء الحكومات السابقين وسواهم الى رفع الصوت اعتراضا. ثانيا ان العرقلة الحكومية تتأتى من فريق السلطة بالذات فيما عانى الحريري لاشهر في تأليف الحكومة المستقيلة تلبية لمطامع وطلبات استئثارية كانت سببا في وصول البلد الى ما وصل اليه. وقد ساهم كشف الفضيحة المتعلقة بعدم تسديد لبنان اشتراكه في الامم المتحدة مما حرمه التصويت في الجمعية العمومية في زيادة المسؤولية التي يتحملها فريق رئيس الجمهورية وتحديدا وزير الخارجية الذي شكا منه الحريري ولم يعد يقبل بتوزيره. فعلى رغم التراشق الاعلامي بين وزارتي الخارجية والمال حول تبادل الاتهامات بالمسؤولية على هذا الامر، فان الموضوع لا يعود الى شهر او شهرين بل الى سنتين كان يمكن ان يستفيد الوزير جبران باسيل من اي فرصة لفضح تقاعس وزارة المال في حال كانت هي مسؤولة خصوصا ان انشغالاته الكبيرة لم توفر معارضة توزير الناجحين في الخدمة المدنية مثلا. وهذه الفضيحة في حد ذاتها تشكل بحسب المصادر السياسية احد ابرز النماذج الملموسة عن ادارة سياسة خارجية غير سليمة ستسجل في خانة باسيل الذي كان يتحرك بصلاحيات واستقلالية مطلقة متجاهلا اي موقف او تضامن حكومي او مساءلة. ويطاول هذا الموضوع بالذات موقع رئاسة الجمهورية على خلفية انه يتحمل مسؤولية خسارة لبنان قدرته على التصويت في الجمعية العمومية للامم المتحدة في وقت كان لبنان رائدا في حجز موقعه باكرا لدى المنظمة ومشاركا في وضع شرعتها لحقوق الانسان.

ويتفرج الافرقاء السياسيون على الكباش بين رئيس الجمهورية وفريقه ورئيس الحكومة المكلف على خلفية وجود اقتناع بان حسان دياب ليس هو رجل المرحلة لانه يحتاج مع اي فريق من الاختصاصيين والتكنوقراط الى وقت للالمام بالملفات وادارتها فيما ان مؤسسات الدولة واداراتها باتت ممسوكة من خلال التعيينات في الفئة الاولى وسواها من التيار العوني وهو الذي يتحكم بمفاصل الدولة. وخلال الانتفاضة التي انطلقت منذ 17 تشرين الاول حتى الان كان يمكن تأليف حكومة انقاذ كان بلغ عمرها شهرا او شهرين حتى الان تضع الخطط اللازمة للانقاذ المالي والاقتصادي وتدير الاوضاع لمدة ستة اشهر. لكن تأجيل الاستشارات النيابية الملزمة من جهة والشروط والشروط المضادة الت الى مشروع حكومة لا يتفق اهل الحل والربط على تفاصيلها. لا بل ينسب الى احد المراجع ان الرئيس المكلف يعتقد انه يستطيع الحصول على ما لم يحصل عليه الحريري نتيجة رغبة الرئيس عون في عدم التعاون معه بعد الان لمطالبة الحريري في ابعاد باسيل عن الوزارة، لكن الامر اثار غضب هذه المراجع خصوصا انه ترك لباسيل ان يشكل الحكومة ما دفع بالرئيس نبيه بري الى اطلاق مواقف تفرمل الاندفاعة الحكومية حتى لو ان الرئيس المكلف انتفض مصرا على مطالبه او شروطه. وتقول المصادر السياسية المعنية انه راحت السكرة المتصلة بابعاد الحريري والاتيان باستاذ جامعي بعيد من عالم السياسة وجاءت الفكرة خصوصا ان التطورات الاقليمية فرضت نفسها بقوة على الواقع السياسي. وتعتقد هذه المصادر ان الرئيس المكلف يستقوي خصوصا ان ما يمكن ان يحصل عليه يعد مكسبا له وهو الذي ليس له حيثية شعبية او طائفية فيما يمارس ضغطا على رئيس الجمهورية التي باتت الكرة الاقتصادية والمالية في ملعبه بعدما اتى بحكومة تحتاج الى ادارة سياسية غير موجودة في الواقع والاحزاب ستتحكم بها لا سيما ان هذه الاخيرة ستقتصر على التحالف الشيعي العوني.

في اي حال فان مرور ثلاثة اشهر على انطلاق الانتفاضة التي اربكت كل الاحزاب وخلطت الاوراق ولو انها غدت متعثرة ولم تعد بقوتها السابقة لعب دورا سلبيا جدا في غير مصلحة الفريق الحاكم. اذ ان لا وجود الى من يطمئن اللبنانيين باي خطاب من اي نوع علما ان لا ثقة لدى هؤلاء بالمسؤولين جميعهم على رغم المكابرة بالاستمرار في لعب ادوار قيادية كما لو انه لم يحصل شيء. فالبلد في حال سقوط حر فيما يرى قريبون من الحكم ان تعدد الطباخين من حوله يحرق الطبخة ويشوش امكان اتخاذ اي خطوة مجدية. تقول المصادر السياسية المعنية ان توقعات اللبنانيين المتشائمة ازاء قدرة الحكومة على القيام بخطة انقاذية يعني انه تم الحكم مسبقا على مسار السنوات القليلة المقبلة وعجزها عن اصلاح ما حصل فيما ان الانتفاضة كانت فرصة لاعادة النظر في اسلوب حكم راكم الخصومات السياسية ولم ينجز الكثير علما ان المسألة التي باتت تتطلب اعادة نظر في المرحلة المقبلة تتصل بدور ´حزب الله” ايضا. فهذا كله بات على المحك بحيث لا يمكن استمراره كما في السابق والتطورات الاقليمية الاخيرة عامل مؤثر وكبير في تغيير محتمل ولو ان المسألة تحتاج الى المزيد من الوقت.

rosana.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*