الهوية والذاكرة

 


عبد الرحيم جيران
Jan 19, 2018
القدس العربي

تُثار في صدد علاقة الهوية بالذاكرة أسئلة مُحيِّرة لا نستطيع في ضوئها إلّا أن نتحيَّز ضمن خطٍّ فلسفيّ مُحدَّد؛ من ضمن هذه الأسئلة: أتُعَدُّ الذاكرة محدِّدة للهوية أم أنّ فاعلية الهوية غير مشروطة بها؟ ألَا تكُون هوية ذاكرتي ـ إذا كنت أمتلك هوية مُسبقة جوهرانيّة ـ من صنف هذه الهوية الجوهرانيّة؟  حين أستذكر أو أتذكر وفق ما هي عليه ذاكرتي من قوّة وضعف ألَا تكُون هوية ذاكرتي ـ في هذه الحالة ـ من هويتي بوصفي كائنًا ذا تكوين بيولوجيّ ـ فيزيولوجيّ مختلف عن تكوينات غيري من البشر؟ وإذا ما أصيبت ذاكرتي بعطب تامّ أو جزئيّ هل تظلّ هويتي كما هي؟ ألَا ينسحب ضعفها على معرفتي أناي؟ وإذا كانت هويتي هي نتاج استذكار تجاربي الشخصيّة الماضية (لوك) ووعيي بها فكيف يُمكِنُ أن تكُون تامّة وغير مشكوك فيها إذا كنت لا أستذكر كلّ تجاربي، وأنسى بعضها (جيفري أندرو باراش)؟
نحتاج في الإجابة عن الأسئلة أعلاه إلى التركيب بين ثلاثة تصوّرات: أ ـ تصور لوك التجريبيّ الذي يربط تحديد الهوية الفرديّة بالذاكرة، وهي تختزن التجارِب التي يمرّ بها الفرد بما  يعنيه هذا من وعي؛ ب ـ تصوّر برغسون الذي يرى في  الذاكرة وسيلة لحفظ الحياة من طريق كونها تجعلنا نتفادى الأخطار بفعل اختزانها التجارِب التي تُخبرنا عمّا هو مُهدِّد للحياة، وما هو ليس كذلك؛ ج ـ تصوُّرنا الذي يتأسّس على كون الهوية تتحدّد في نهاية المطاف بالتجربة التي هي نتاج التوتّر بين التصوّر (التطلّع) والتحقُّق. ومُفاد هذا التركيب أن الذاكرة تُعَدُّ بمثابة الضامن المرجعيّ لوحدة الذات بما هي عينها، وبما هي استمرار غير مُتقطِّع؛ فهي ـ إذن ـ خطٌّ مرجعيٌّ تُحدِّد الذات نفسها (وتُعيد تحديد ذاتها) قياسًا إليه حين تتعرض للاضطراب؛ ومن ثمّة فالذاكرة تُمكِّن الذات من إعادة تنظيم نفسها قياسًا إليها في الزمان؛ وهذا التنظيم وإعادته تامّان بغاية تلافي الأسوأ، وبغاية الحفاظ على البقاء وتحسينه بفعل اشتغال التجارُب (حوار التجارِب في ما بينها) الذاتيّ أو التجارُب بين ـ الذاتيّ. وينبغي فهم استمرار الأنا ـ في هذا النطاق ـ خارج كلّ تصوّر جوهرانيّ يجعل منها ماهية  ثابتة ومُسبقة؛ وجعل هذا الاستمرار استمرارًا لفعل الذاكرة في اجتذاب التجارِب الشخصية إليها واختزانها. وكلُّ تعطّل لهذا الفعل يجعل من تعرّف الذات نفسها (الهوية) فعلًا مستحيلًا أو على الأقلّ غير مُتأكَّد منه. إنّني لا أعرف نفسي كما أنا في إطار تحديد أوليّ دائم، ولكن في إطار إعادة تحديدي ـ من قِبَلِي ـ وفق ما تجعلني الذاكرة أتلمَّسه من فروق بين تجاربي الشخصيّة، ومن فروق بين تجاربي الشخصيّة وتجارب الآخرين، وردود أفعالهم التي أختزنها (الأخلاق)؛ وردود أفعالهم المتوقَّعة من قِبًلِي بحكم تجاربي الماضية معهم. ويحدث تعرّفي نفسي ـ في هيئة استمرار ما جرّبته واختزنته ذاكرتي ـ بوساطة فِعْلَيِ الذاكرة معًا: الاستذكار الذي يحدث عن قصد، والتذكّر الذي يحدث عن غير قصد. لكن لا يُعَدُّ كلّ ما أتذكّره أو أستذكره مُحدِّدًا لهويتي؛ فالأفعال المُؤثِّرة المُفضية إلى التحوّل والانقلابات هي التي يُعَدُّ استذكارها أو تذكّرها مُتَّصلين بتحديد هويتي؛ أمّا استذكار الأفعال العادية أو تذكّرها فليسا بمُحدِّدين لهويتي، إمّا لأنّها أفعال تزول بزوال الميل إليها (هواية الصيد مثلًا)؛ وّإمّا لأنّها تدخل في باب المشترك مع الآخرين (التدخين مثلًا).
وينبغي ـ في إطار فهم اتّصال الهوية بالذاكرة ـ التنبّه إلى معضلة ما ينفلت في أثناء فعل الاستذكار؛ التي حُلَّت بافتراض وجود الآخرين الذين يُمكِنُهم تذكيري به (جيفري أندرو باراش)، وبالاستنجاد بالتحليل النفسيّ من طريق اعتماد اللاوعي. لكنّ ما ننساه أو ينفلت من الذاكرة يبقى متعيِّنًا في خانة غير المستمرّ، والحال أنّ الهوية ظهور مستمرٌّ في الواقع، وليست غيابًا؛ فالذي بُتِرت ساقه لا يفقد هويته بفعل غيابها من جسده، وإنّما يُعيد تحديد هويته بوساطة تجربته فقدان هذا العضو منه؛ وهي تجربة الانقلاب والتحوّل المؤثران في الحياة. ولا تكُون الذاكرة مُحدِّدة للهوية إلّا في حالة استمرار فاعليتها، لا في انتفائها. وعلينا أن نفهم أنّ اللاوعي لا يكُون فاعلًا إلّا في انبثاقه في هيئة أثر، وليس في حالة كمونه، والأثر مرتبط بالظهور، حتّى ولو كان في هيئة التفاف أو هيئة انتقال. ويُضاف إلى هذا أنّ عدّ الهوية إعادة تحديد للذات في الحياة هو تعبير عن كونها تقوم على نوع من التصفية المستمِرَّة أو الانتقاء لعناصرها داخل مسير من التكوُّن الهوياتيّ استنادًا إلى خطّ مرجعيّ ماثل في فعل الذاكرة. وهكذا يُستغنى عن عناصر من التجربة نظرًا لكونها غير مُلائمة للحفاظ على الذات وللبقاء الجيِّد.
وإذا كانت الذاكرة تُوفِّر الخطّ المرجعيّ الذي يُعاد بوساطته تحديد الذات في نطاق التجارُب، وكانت في الوقت ذاته تُمكِّن من انتقاء عناصر من التجربة المختزنة قصد الحفاظ على البقاء الجيِّد فإنّ وظيفتيها هاتين لا تتمّان إلّا في نطاق التوتّر بين التطلّع والتحقّق؛ حيث يصير سؤال الكينونة (من أنا)  مندرجًا في صلب التجربة المختزنة في الذاكرة بوصفها مكوّنة من المحقَّق ومن غير المحقَّق؛ فهذا الأخير يُشكِّل جزءًا لا يستهان به من هويتي أيضًا، إذ ليست هويتي ما أنا عليه فحسب، بل أيضًا ما لم أكنه في الماضي. لا تُعدُّ الهوية ـ إذن ـ متّصلة باستذكار ما كنت عليه بالفعل وحسب، بل باستذكار الفوْت بعدِّه ما لم أكنه، أو ما لم أفعله في زمانه اختيارًا أو اضطرارًا، وظل حاضرًا في هيئة أثر له صبغة ندم أو حسرة. إنّ التوتُّر بين التصوّر (التطلّع) والتحقُّق هو من طبيعة فعل الاستذكار؛ ويتّخذ هيئة صراع نفسيّ داخليّ بين وضعيْن مُؤسِّسيْن للهوية: وضع ما عليه الذات ـ الأنا في الحاضر الذي لم ينتم بَعْدُ إلى الذاكرة، ووضع ما كانت تتطلَّع الذات ـ الأنا إليه في الماضي، ولم يتحقّق. وقد يكُون غير المحقَّق دالًّا على الهوية الحقّة غير المنجزة (أن أكُون شاعرًا مثلًا)، ويكُون المحقَّق في الحاضر غير المرضي للذات عديم الجدوى في تمثيل الهوية الحقّة. وفي هذه الحالة يطرح سؤال ما إذا كانت الذاكرة عزاء لهوية لم تتحقّق في الواقع. تقوم الذاكرة ـ في هذا النطاق ـ بدور تقويميّ للهوية كما هي في الحاضر. وقد يؤشِّر التوتّر الحادّ بين التطلّع والتحقّق ـ من طريق استحواذ الذاكرة ـ على هشاشة الأنا وهويتها المزدوجة الدالّة على الانفصام.

٭ أديب وأكاديمي مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*