الرئيسية / أضواء على / الهوى اللبناني في سينما مصرية.. تتجاوز الخطوط الحمر

الهوى اللبناني في سينما مصرية.. تتجاوز الخطوط الحمر

 كمال القاضي 
القدس العربي
15112019

دائماً ما تثير السينما اللبنانية، الجدل لدى الجمهور المصري، فما من فيلم عُرض في أحد المهرجانات أو خارجها إلا وأعقبته عاصفة من الاحتجاج والرفض، والقائمة السينمائية مليئة بنوعيات كثيرة كان لها نصيب الأسد من الدعاية والدعاية المضادة، وربما كان المثال الأقرب لهذه النماذج، التي خلقت حالة نقدية ساخنة فيلم «سكر بنات» للمخرجة نادين لبكي الذي استقبله الجمهور المصري ما بين مؤيد لحرية الإبداع بغض النظر عن جنسية المصنف الفني، والمتحفظ على ما ورد من أفكار ومعاني تضمنتها بعض المشاهد التي عكست ثقافة المجتمع اللبناني التحررية.
وظلت الحالة التي خلقها الفيلم عالقة بالأذهان لفترة طويلة، ومثلت إلى حد ما اضطراباً في العلاقة بين قطاع من الجمهور المصري وبعض الأفلام اللبنانية، خاصة العاطفي منها، حيث اقترن في الأذهان، كمفهوم غريب ربط بين الحرية الإبداعية والإباحية كتفسير للمشاهد الجريئة، وبناءً على ذلك استمر سوء التفاهم قائماً، إلى أن تم الالتفات لتجارب سينمائية أخرى، غيرت الصورة السلبية المستقرة، كان من بينها فيلم «زنار النار» عن الحرب اللبنانية في ثمانينيات القرن العشرين، وقد أحدث الفيلم تأثيراً إيجابياً كبيراً، وأثار تعاطف الغالبية العظمى من الجمهور المصري مع الشعب اللبناني، على خلفية ما عاشه من الأهوال والمعاناة جراء الحرب. والغريب أن « زنار النار» كان سابقاً في إنتاجه على «سكر بنات»، ولكنّ تأخر عرضه في مصر جعله الثاني في الترتيب من حيث المشاهدة والتقييم.
وفي ما يخص الأزمات التي سببتها الأفلام ذات الخلفية الفكرية المتحررة، يأتي فيلم «دنيا» للمخرجة اللبنانية جوسلين صعب في المقدمة، فقد عُرض هذا الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في عام 2006 خارج المسابقة الرسمية، ولأنه كان معنياً بمناقشة المعنى الشمولي لفكرة الحب بمفاهيمه المتعددة، العاطفية والحسية والصوفية، انطلاقاً من مرجعية ثقافية تهدف إلى البحث في التاريخ عن أصل الحب وعلاقته بالأدب والشعر والإبداع، وصلة كل ذلك بدورة الحياة الطبيعية للإنسان.

يعد فيلم «دنيا» تجربة إبداعية تُدرج ضمن التجارب الاستثنائية التي تم إنتاجها وتقديمها لتكون خلطة فنية مصرية بمكسبات طعم لبنانية، لولا أن النجاح لم يحالفها.

ويتخذ الفيلم من التراث العربي القديم نماذج إبداعية لابن عربي وبشار بن بُرد وحكايات ألف ليلة وليلة، وثائق وسندات لتقدمية العرب واستنارتهم في التعامل مع أوجه الفن والإبداع، للدلالة على أن حاجز الخوف شيء مستحدث، حسب وجهة نظر المخرجة اللبنانية، التي قدمت الرؤية السينمائية كاملة كتابة وإخراجاً، ولكي يكون الكلام علمياً غير مُرسل اعتمدت جوسلين في تناولها للفكرة على ذاكرة أستاذ جامعي مثقف أدى دورة المطرب محمد منير، يعكف على البحث والتنقيب في أمهات الكتب التراثية، عامداً إلى تأكيد حرية الفكر وتخليص العقل من عقدة الخوف، دافعاً بهذه القناعة في اتجاه الأسئلة التي تثور داخل رأس الطالبة الجامعية حنان ترك عن مفهوم الحرية والمعنى الحقيقي للحب بكل دروبه وأشكاله.
وترتبط أحداث الفيلم ببعض القضايا العصرية ذات الطابع الشرقي الخالص مثل قضية ختان الإناث، التي تقف منها المخرجة موقف الرافض، وتعتبر الختان عدوانا سافرا على جسد الفتاة وجريمة تُرتكب يومياً ضدها، وسط صمت المجتمعات العربية والشرقية، وبينما يُطرح هذا المفهوم بشكل صريح، يأتي الدفاع المستميت عن حرية الجسد واعتبار الرقص حق مُكتسب للمرأة في التعبير عن نفسها وملكاتها الفنية الخاصة.
ولعل هذه الأطروحات الجريئة من جانب المخرجة اللبنانية الفرنسية، هي التي أفقدتها تعاطف الجمهور المصري مع فيلمها، ويُعتقد أن رد الفعل الاستنكاري جاء نتيجة خلط الكاتبة والمخرجة بين حقها في طرح القضايا الخلافية بشكل مجرد، واتجاهها للإدانة، واستخدامها لدلالات يُفهم منها تأييدها لرأي المستشرقين السلبي في عادات وتقاليد المجتمعات العربية، ووجهة نظرهم المبنية على الاتهام والتجني بشكل مُطلق.
ومن دواعي الرفض المُعلن من جانب الجمهور أيضاً أن المخرجة فشلت في صياغة أفكارها بشكل فلسفي يتناسب مع ما أشارت إليه في بداية الفيلم حول العلاقة الإبداعية بمفهوم الحب كمعنى راق ومقبول، كما أنها خرجت بما طرحته من رؤى حسية عن الإطار التعبيري الرمزي وركــــزت على الجــــوانب الغريزية، فأفسدت العمل وأخلت بمعايير الاختلاف والخلاف في وجهات النظر.
ويعد فيلم «دنيا» تجربة إبداعية تُدرج ضمن التجارب الاستثنائية التي تم إنتاجها وتقديمها لتكون خلطة فنية مصرية بمكسبات طعم لبنانية، لولا أن النجاح لم يحالفها.

٭ كاتب من مصر

اضف رد