الرئيسية / مقالات / الهواء المسموم في رئة لبنان

الهواء المسموم في رئة لبنان

كيف لمجتمع – وأقول هنا مجتمع لا دولة – أن يتصرّف بشكل منطقي فيما يملأ الهواء المسموم كل مفاصل حياته. هناك فعل تطهّر ذاتي في لبنان هو الثورة السلمية الجارية. عبرها يمارس اللبنانيون (عدد كبير جدا منهم ومن نخبهم) فعلَ محاولةِ تطهيرٍ للمناخ السياسي الموبوء عبر إعلان الانتفاض على طبقة سياسية كانوا يشعرون أنها سجنتهم داخل نمط وشعارات وممارسات زبائنية في الشأن العام. التطهّر هنا إذن، يعادل التحرر.

في فيلم سكورسيزي الأخير:”الرجل الإيرلندي” (ذي أيريش مان – بطولة روبرتو دي نيرو وآل باتشينو) يطرح سكورسيزي مسألة علاقة جزء من السياسة الأميركية بالمافيا. يقدمها في البداية على أنها وثيقة جدا حتى على مستوى بعض الرؤساء، لكن الفيلم ينتهي بانتصار حاسم للقضاء الأميركي.

للفيلم مستويات كثيرة: التديُّن والإجرام، الخيانة الشخصية، النقابات والمافيا، الحياة العائلية للقتلة المحترفين. لستُ في واردها الآن. لكن فيلم سكورسيزي الأميركي جداً يمكنه أن يثير شهية المشاهد اللبناني السينمائيّة في موضوع البعد المافيوي للسياسة حتى لو كان ذلك في الفيلم يحدث في سياق مختلف .

أحاول أن أعثر على تفسير لجاذبية الفيلم. إنه البعد الإجرامي للحياة العامة. وهنا جوهر ما آلت إليه السياسة اللبنانية. فهؤلاء المتجمِّعون في ساحات المدن منذ 17 تشرين الأول يعلنون بصوت واحد، بصوتٍ واحد فعلاً، استنكارهم للفساد المريع الذي بلغته الحياة العامة بقيادة هذه الطبقة السياسية بالذات الآتي عدد من رموزها من الحرب الأهلية مباشرةً وسجلها الدموي، بل سجلاتها الدموية. بصوتٍ واحد ضد الفساد الذي يلمس المنتفضون أنه أصبح قاتلاً.

لبنان ليس دولة قانون بالمعايير العملية والجادة لدولة القانون. وإلا لكانت السجون اللبنانية ستمتلئ بعدد من السياسيين. الثورة المدنية الجارية تقف عاجزةً عن إحداث أي اختراق في مكافحة الفساد. هو في الحقيقة عجز شبه شامل من حيث عدم القدرة على صَدْم الحياة السياسية بما يكفل تغيير قواعدها أو بعضها.

وأرجو أن لا أكون مبالغاً إذا قلت إن الانفصام الحاصل في لبنان بين الثورة الجارية والحياة السياسية هو نفسه الانفصام الحاصل بين الدولة والقانون. فعندما تظهر قوى اجتماعيةٌ ضخمةٌ كتلك التي عبّرت عنها حشود الحراك المدني، عاجزةً عن إحداث هذا الاختراق.

هناك “خطأٌ ما في القصيدة” كما يقول محمود درويش.

ما هو إذن هذا “الخطأ” في “قصيدة” الثورة؟

في فيلم سكورسيزي ينتهي الإجرام في السجون. إنها دولة القانون التي تضع نصاباً مستقيماً للخلل مهما كان كبيراً كما “يقول” الفيلم. لذلك تصب هذه الملاحظة كما أعتقد في تعريف الفراغ السياسي الحالي المتعب الذي تعيشه في لبنان الثورة المدنية السلمية الراقية. وهو متعب طالما هي عاجزة عن تغيير قاعدة واحدة من قواعد لعبة سياسية مغلقة. مع ضرورة الاعتراف الموضوعي بأن تسمية الدكتور حسان دياب ما كان يمكن أن تحصل لولا اضطرار الطبقة السياسية بفعل حراك 17 تشرين الأول إلى البحث عن إسم مختلف عن السائد. لكن هذه نتيجة أولية لم تصبح بعد ثابتة وسنرى هل سيسمح النظام الطائفي بترئيس الحكومة للدكتور دياب؟! وسيكون من الخطأ أن يلعب الحِراك ولو عن غير قصد لعبةَ النظام الطائفي بإسقاط دياب.

السؤال دائماً في هذا المناخ – الفراغ المسموم: هل هي قوة النظام السياسي الذي اعتبره البعض رغم تبعيته وتفككه “أقوى نظام سياسي في العالم العربي” من حيث القدرة على الاستمرار أم هو ضعف الثورة؟ السؤال يجب أن ينتقل سريعا إلى هذا المستوى. فعلينا أن نفهم لا قوة الثورة وحدها بل ضعفها أيضاً، وأساساً.

اضف رد