الرئيسية / مقالات / الهرب من الحقيقة… في بيروت وطهران

الهرب من الحقيقة… في بيروت وطهران

هناك عبارة يبدو مفيداً التوقّف عندها في الخطاب الأخير لحسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله”. دعا نصرالله أميركا إلى  البدء بـ”رفع العقوبات عن إيران”… في حال كانت تريد بالفعل مساعدتها في مجال مكافحة وباء كورونا.

كلّ ما في الأمر أنّ هذا ليس وقت الخلط بين الدوافع الإنسانية والسياسة. العواطف والمبادرات الإنسانية شيء والسياسة شيء آخر. لكنّ المشكلة مع إيران أنّها تكلّف أدواتها العربية وغير العربية مناشدة أميركا مساعدتها حفاظاً منها على كبريائها وهروباً من الأسباب التي أدّت الى العقوبات.

إقرأ أيضاً: أبعد من تمثال.. لبنان مستعمرة إيرانية


عرضت الإدارة الأميركية مساعدة إيران في مواجهة وباء كورونا من منطلق إنساني. أمّا العقوبات الأميركية التي تصاعدت في السنوات الثلاث الماضية، خلال مرحلة شهدت تمزيق دونالد ترامب للاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني، فهذا ملفّ مختلف، وهو مرتبط بالسياسة أوّلا وبشروط أميركية واضحة ومحدّدة، معروفة جيّداً، ثانياً وأخيراً. ملخّص هذه الشروط عودة إيران دولة طبيعية لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى عبر ميليشياتها المذهبية.     

يمكن اعتبار كلام الأمين العام لـ”حزب الله” بمثابة تأكيد، لا لبس فيه، فحواه أنّ العقوبات الأميركية أثرّت بشكل جدّي في إيران. في نهاية المطاف، ليس هناك ما يدعو إلى طلب رفع العقوبات الأميركية من دون امتلاك شجاعة مواجهة مجموعة من الحقائق بدءاً بسؤال في غاية البساطة: لماذا كانت العقوبات الأميركية على “الجمهورية الإسلامية”؟

يعبّر حسن نصرالله عن السياسة الإيرانية التي تتفادى طلب رفع العقوبات مباشرة. ترفض إيران ذلك نظراً إلى أنّها تعرف تماماً ما المطلوب منها في حال كانت تريد بالفعل أن تكون دولة طبيعية من دول المنطقة بعيداً عن وهم مشروع توسّعي لا يوجد أساس يمكن أن يستند إليه كي يحقّق نجاحاً ما. الّلهم، إلّا إذا كان النجاح من وجهة النظر الإيرانية يتمثّل في نشر البؤس والخراب والفقر والتخلّف على كل صعيد وفي كلّ مجال. من الطبيعي الوصول إلى هذه الخلاصة في الحكم على التجربة الإيرانية عندما تطلب إيران مساعدة بقيمة خمسة مليارات دولار من أجل مكافحة كورونا، في حين ممنوع على لبنان الدخول في مفاوضات جدّية مع الصندوق لأسباب مرتبطة بمصالح “حزب الله”.

ضمن هذا المنطلق، ليس كلام حسن نصرالله عن رفع العقوبات الأميركية، في سياق مساعدة إيران بمواجهة وباء كورونا، سوى محاولة أخرى لتفادي الواقع المتمثّل في أنّ إدارة دونالد ترامب قرّرت التكشير عن الأنياب الأميركية لا أكثر ولا أقلّ.

لعلّ أخطر ما يمرّ فيه لبنان، لبنان الذي عرفناه طوال مئة عام، هو ذلك الإصرار على الهرب من الحقيقة. هناك حقيقة لا جدل في شأنها، اسمها ازدهار لبنان. ما الذي جعل لبنان مزدهراً في مرحلة ما؟ الجواب بكلّ بساطة لأنّه كان بلداً منفتحاً على العالم، على الغرب تحديداً، من جهة، ويتمتّع باقتصاد حرّ عنوانه الثقة بنظامه المصرفي من جهة أخرى.

الثابت الوحيد أنّ مزيداً من الأضرار ستلحق في لبنان في غياب من لا يزال مصرًّا على الهرب من الحقيقة أكان في بيروت المهزومة أو طهران المنتصرة

عندما تغيب هذه الحقيقة عن حسن نصرالله وغيره، يصبح من السهل الكلام الذي لا فائدة منه عن رفع العقوبات عن إيران وعن أهمّية الوحدة الوطنية والتضامن في الداخل اللبناني من أجل “مقاومة” كورونا.

عاجلاً أم آجلاً، سيتبيّن أنّ الكلام عن الوحدة الوطنية، يبقى كلاماً، وأنّ الخطابات القريبة من مواضيع الإنشاء في الصفوف الابتدائية التي يلقيها رئيس الجمهورية ميشال عون ليست أكثر من كلام صالونات. ما الحاجة إلى الوحدة الوطنية إذا لم تكن هناك مراجعة في العمق تشمل الهيمنة التي يمارسها “حزب اللّه” على القرار السياسي اللبناني في ظلّ رغبة حكومة حسّان دياب في تغيير طبيعة لبنان، خصوصا طبيعة نظامه الاقتصادي؟

لا شكّ أنّ “حزب الله” حقّق انتصاراً كبيراً على لبنان واللبنانيين. إنّه انتصار إيراني قبل أيّ شيء آخر. ستكون نتيجة هذا الانتصار مزيداً من الضربات القويّة يتلقاها البلد في غياب أيّ توازن سياسي على الصعيد الداخلي، في ظلّ الوضع الراهن لرئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء والحكومة ككلّ. الثابت الوحيد أنّ مزيداً من الأضرار ستلحق في لبنان في غياب من لا يزال مصرًّا على الهرب من الحقيقة أكان في بيروت المهزومة أو طهران المنتصرة.

لا يزال في بيروت من يظنّ أنّ لبنان ورقة إيرانية وأنّه يكفي طلب حسن نصرالله برفع العقوبات الأميركية عن إيران كي ترتعد فرائص “الشيطان الأكبر”. ولا يزال في طهران من يرفض الاعتراف بالهزيمة أمام “الشيطان الأكبر”، وأنّ من الأسهل الدخول في مفاوضات مباشرة مع واشنطن بشروطها بدل الاستمرار في المكابرة التي لا طائل منها…  

اضف رد