الرئيسية / home slide / “النهار” و4 آب: فعل مقاومة مستمرة ولو “باللحم الحي”

“النهار” و4 آب: فعل مقاومة مستمرة ولو “باللحم الحي”

04-08-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

روزانا بومنصف

الدمار في مكاتب “النهار” بعد انفجار المرفأ (نبيل إسماعيل).

في زيارة اخيرة لسفير دولة مؤثرة في بيروت ، اخرج هذا السفير من احد ادراج مكتبه نسخة من صحيفة ” النهار “التي صدرت في تاريخ 5 آب اي في اليوم التالي لانفجار #مرفأ بيروت وقد حملت الصفحة الاولى كاملة صورة الانفجار كما العدد الكامل الذي غابت عنه المقالات والاخبار العادية لتفرد الصفحات كلها للانفجار . وهو قد احتفظ بها حتى الان لرمزيتها الصارخة في التعبير ليس عما اصاب بيروت واللبنانيين من جرائه والذي اصاب العالم باسره بصدمة لا مثيل لها ، بل وتأريخ “النهار ” لهذا الانفجار الكارثي على رغم الاصابة الجسيمة التي نالتها بشرا وحجرا . هذا ليس جديدا في يوميات الصحيفة ، فهذه هي ” النهار” وما جسدته ولا تزال . لم ينل الانفجار من الصحيفة وقد دمر كل المبنى الفاخر الذي رمز من ضمن ما ترمز اليه “النهار” من عودة لألق بيروت ووسطها الحيوي الجميل وروحها العبقة بارادة الحياة . انما باتت تقاوم في 4 آب، وهو عيدها التسعين اليوم ما هو ابعد بكثير من الهرم الذي قد يعتقد كثر انه يصيبها او اصابها كما يصيب الناس ما يؤثر على استمراريتها وانتاجيتها نتيجة المتغيرات التكنولوجية الحديثة التي واكبتها الصحيفة بجرأة وبراعة مستندة الى تاريخها العريق في مواكبة كل المراحل والتحولات من دون كلل . هي تقاوم خصوصا ومنذ ٤ اب تاريخ انفجار مرفأ بيروت الذي تصادف ذكراه الثانية اليوم، واقعا خطيرا يتمثل في الاقرار قسرا بان ما لم تحركه هذه الكارثة في ضمائر المسؤولين واخلاقياتهم والحد الادنى من مشاعرهم الانسانية قد يكون اصبح عصيا على الكلمة وصناعة الاعلام تحريكه . كان الاستعصاء على انتفاضة اللبنانيين ضد السلطة وادارتها للبلد ليكون مفهوما لا سيما بعدما اقترب لبنان من ديكتاتورية مقنعة تمنع المساس بمواقع السلطة او تغييرها، ولكن انفجار المرفأ بمآسيه والذي لم يحمل مسؤولا واحدا لا على زيارة الاهالي الثكالى او الابنية المنهارة ولا على الاستقالة من منصبه ولا على تحمل المسؤولية او حتى القبول بتحميل اي من ازلامه الوكلاء في المرفأ المسؤولية اظهر ان الكلمة قد يكون مات بعض روحها كذلك، اقله في لبنان الذي لم يعد يقيم مسؤولوه وزنا لما قام عليه هذا البلد او ان هذا ما يريده من يدفع ب” النهار ” وما ترمز اليه الى ان تكون نموذجا عما يدفع اليه لبنان.

0 seconds of 0 secondsVolume 0%

استمرار “النهار” في التاريخ الحديث على الاقل والذي تفوق بقوة على كل النضال الذي خاضته الصحيفة على مدى عقود، ومنذ اغتيال جبران تويني تحديدا في ١٢ كانون الاول 2005 بما عنى ذلك من قرار بتدمير “النهار” وانهائها كان فعل المقاومة الذي كان انطلق في الواقع مع ارغام النظام السوري الرئيس رفيق الحريري على التخلي عن اسهمه في الصحيفة التي كانت تقود حملة اخراج سوريا من لبنان ولم يكن يتحمل النظام السوري لا كتابها ولا سياستها ولا تأثيرها فيمنع دخولها الى اراضيه ولاحقا امكان الاطلاع عليها عبر الانترنت . كانت “النهار” وفق تاريخها الاكثر قدما اول ما يرغب في الاطلاع عليه الرئيس المصري حسني مبارك في صباحه الباكر كما يروي البعض وكذلك الامر الى قادة عدد من الدول العربية . فتاريخ “النهار” كان تاريخ مقاومة فعلية في اثناء الحرب وما بعدها ولكن ومع غياب عميدها الراحل غسان تويني يصعب فعلا قياس ان كان تاريخها المديد عرف مراحل اكثر قسوة حتى زمن مقاومة الانتداب والاحتلالات المختلفة الميليشاوية وغير الميلشياوية من تلك التي يشهدها لبنان اليوم من تدمير لا يطاول كل مؤسساته بل كل مرتكزاته ايضا بما فيها اعلام الكلمة الحرة حيث توازي ” النهار” الارزة التي تتوسط العلم اللبناني ، بما يعنيه ذلك من انها تستمر قلب لبنان وروحه ورمزه الذي لا يستطيع احد سلبهما منها . فاحب ما كان على قلب اصحاب ” النهار” التي لا تزال تستقبل زوار لبنان من الديبلوماسيين الكبار والصحافيين والباحثين من العالم اجمع ، المفاخرة بذلك المشهد الذي يقبع مبناها في قلبه ويجمع في وسط بيروت الجوامع والكنائس المتقاربة كصورة صادقة ليس عما تعبر عنه الصحيفة بتنوع كتابها وتعدديتها فحسب بل عما يعبر عنه البلد بعيدا من غوغائية السياسيين واصطفافاتهم الانقسامية المدمرة وجهلهم احيانا كثيرة وعدم وجود رؤى وطنية مستقبلية لديهم في الحد الادنى .

يخاف من يمسك بالسلطة الكلمة الحرة والرأي الموضوعي المصوب للاداء . بات غالبيتهم يهرب من مواجهة الصحافة الحرة ويستعيض عن المؤتمرات الصحافية بمونولجات يحدثون انفسهم امام الكاميرا وكانهم امام مرآة بحيث لم يعد يتحملون اسئلة صحافية تحرجهم بالحقائق والوقائع او تنتقدهم او تؤدي الى انزلاقات غير مسموحة لهم بل يعمدون الى سلاحهم و هو خطابات موجهة متوترة كأن البلد في زمن بروباغاندا حربية دائمة . وافسح تطور وسائل التواصل الاعلامي اللجوء الى تغريدات بعبارات مقتضبة تستدرج دفاعات وتأييدات مسبقة من جيوش الكترونية تقمع اي رد فعل موضوعي او استفهامي او اي تعليق حيادي بدلا من حوارات هادفة ومصححة تعتمدها وسائل الاعلام التي يراد لها ان تكون ابواقا اعلامية بروباغندية بحت . من هنا المقاومة الحقيقية لمنع تفريغ الكلمة وصوت الرأي العام الذي تمثله “النهار ” من مضمونه ، مقاومة باللحم الحي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .