“النهار”- بيروت في البال: هكذا كان المحجر الصحّي البحري في الكرنتينا أيام زمان!

صورة عامة للمحجر الصحي في الكرنتينا ( الصورة للإعلامي زياد عيتاني).

“في زمن وباء الطاعون، كانت بيروت لا تزال محاطة بسور تُقفل أبوابه أثناء الليل، وكانت شوارعها ضيقة وأرصفتها رديئة، مغطاة بالقمامة ومختلف القاذورات التي يقذف بها الناس من منازلهم وحوانيتهم ولا يكنسها أو يجرفها أحد، وتفوح منها رائحة كريهة”، هذا أبرز ما جاء في التفاصيل التاريخية التي كشفها المؤرخ عصام شبارو، نقلاً عن بعض ما جاء في مضمون اثني عشر تقريراً نشرت في مجلة وزارة الشؤون الداخلية للأعوام الثلاثة 1847-1849، وعُرفت باسم “تقارير طبيب روسي أُرسل إلى الشرق”، وهو فعلياً الطبيب الروسي أرتيمي ألكسيفتش رافالوفيتش، الذي زار بلاد الشام ومنها بيروت، والذي جاءها من أجل داء الطاعون، الذي ظهرت أولى حالاته في بيروت الخميس 15 نيسان 1841”.

جانب من المحجر الصحي ( الصورة للإعلامي زياد عيتاني).

ويكمل شبارو سرده لتفاصيل ما ورد في تقارير رافالوفيتش، مشيراً إلى أن “النقص المحسوس في المدينة يتمثل في عدم وجود مياه صالحة للشرب فيها، والمياه المستعملة يتم نقلها على الحمير من ينابيع بعيدة عن المدينة، وهي مياه غالية الثمن، فاترة، تميل إلى الملوحة وطعمها غير لذيذ”.

50 مصاباً

لقطة عامة للكرنتينا في ذلك الوقت ( الصورة للإعلامي زياد عياني).

كيف بدأ الوباء في الانتشار؟ ذكر رافالوفيتش في أحد تقاريره، والتي نقلها المؤرخ شبارو، أنه “على الرغم من تقاطر الناس القادمين من كل اتحاد الشام إلى بيروت، كان عدد المصابين بعدوى الوباء لم يزد عن الخمسين شخصاً توفى منهم ثلاثون، ويعود ذلك إلى وجود المحجر الصحي البحري “الكرنتينا”.

ووصف شبارو نقلاً عن أحد تقارير الطبيب رافالوفيتش أنه “كان يوجد ثلاثة محاجر صحية في بلاد الشام، واحد برّي في غزة يستقبل الأشخاص والبضائع الواردة بطريق البرّ من مصر عبر صحراء سينا، واثنان بحريان في يافا وبيروت لا يوجد غيرهما على طول الساحل البحري”.

وصف المحجر

في وصفه للمحجر الصحي في بيروت، نقل شبارو معلومات عن زيارة الطبيب رفالوفيتش بيروت، السبت 29 أيار 1847، أنه “كان يقع في بيروت على رأس صخري منبسط داخل في البحر، تغسله المياه من ثلاث جهات”، قال: “أما الجهة الرابعة فيفصلها عن الشاطئ سور حجري قليل الارتفاع، مطلي بالكلس”.

ونقل شبارو تفاصيل ما تضمنه تقرير رفالوفيتش عن التقسيم الداخلي للمحجر الذي يتألف من مبان حجرية عدة “ذات طابق واحد لا تشابه في ما بينها”، مشيراً إلى أنه “في الجناحين الطويلين المتقابلين ست وعشرون غرفة للمسافرين، وهي غرف عالية جداً تتسع كل منها لخمسة مسافرين، فيما الأجنحة المنفصلة الأخرى فتضم أربع عشرة غرفة أيضاً، وهي غير محاطة بأي شباك”.

صورة أخرى لبعض الزوار والعاملين في المحجر ( الصورة للإعلامي زياد عيتاني).

جناح المسافرين والأغنياء

“أما المبنى الصغير ذو الطابقين”، وفقاً للمصدر عينه، “فيضم خمس أو ست غرف لأبناء العائلات الغنية”، مشيراً إلى أنه “بجانب جناح المسافرين بنيت مستودعات للبضائع لا يفصلها عن الحجر أي أسوار، منها اثنا عشر مبنية من الحجر، أبوابها ونوافذها واسعة تغطيها الشبابيك الخشبية، وفيها توضع البضائع المستوردة من مصر، والقابلة لنقل العدوى مثل الأرز والجنفيص القطني”.

ولفت إلى أنه “خُصص أحد هذه المستودعات للاستعمال كمستشفى لمعالجة الطاعون عند الضرورة، وهو يتسع لثلاثين شخصاً”، مشيراً إلى أن “نوافذه صغيرة لا تكفي للتهوية، ولا توجد فيه ولا في مباني النزلاء بيوت خلاء منفصلة، وهذا ما يعرقل مراقبة الأشخاص الخارجين من مختلف الغرف لقضاء حاجتهم الطبيعية”.

“وفي وسط الباحة”، وفقاً له، “بئر تزوّد المحجر بالمياه الصالحة”. ووصف أحد “أجنحة المسافرين للنزلاء بأنه كان “يضم بناء حمّام لتغيير الملابس، وخزانة لتخزين الأمتعة، أما الحمّام الآخر فموجود في الهواء الطلق، لكن أحداً لا يستعمل أياً من الحمّامين”.

مقابلة النزلاء…

عن إمكانية المقابلات، ذكر أحد تقارير رفالوفيتش، وفقاً لشبارو، أنه “كان يوجد غرفة مخصصة لهذه الغاية حيث يتمكن فيها الزوار من مقابلة النزلاء، وأقيم خارج السور جناحان ملاصقان له على جانبي البوابة، ويسكن في أحدها الناظر العثماني ويُستعمل الثاني كمساكن للحراس”.

صورة من صفحة ” تراث بيروت” رجال في مركز الحجر الصحي (الكرنتينا) في بيروت. اسكتش للرسام الفرنسي مونفور عندما كان نفسه يخضع للمراقبة داخل هذا المحجر سنة ١٨٣٧

وتوقف عند الجهاز الإداري “في المحجر الصحي الذي كان يتألف من الناظر العثماني والطبيب دوبروفلسكي البولوني، ومراقب مستودعات السلع، ومهمته الإشراف على تفريغ البضائع في المستودعات وفتحها وتطهيرها، وكاتب، إضافة إلى ستة من الحراس الدائمين، يتلقى كل واحد منهم راتباً شهرياً قدره مئة قرش (تعادل 20 روبل روسي ورق)، وعندما يغصّ المحجر بالمسافرين النزلاء، تتم الاستعانة ببعض الحراس بصورة مؤقتة لقاء أربعة قروش في اليوم الواحد”. ولفت إلى أن “المدير العام للمحاجر الصحية الثلاثة كان محمد أفندي، والمفتش الطبي الدكتور بيستالوتشي يقيمان في بيروت، ويجتمعان يومياً في مكتب في المدينة على شاطئ البحر لتصريف الأعمال”.

وصف بيروت وأهلها

المباني الحجرية الصغيرة تتوزع فيها اجنحة نزلاء المحجر ( الصورة للإعلامي زياد عيتاني).

وتوقف شبارو عند زيارة الطبيب الروسي رفالوفيتش، مشيراً إلى أن “الأمواج البحرية كانت تغسل أساسات البيوت المبنية على شاطئ بيروت مباشرة، والمدينة محاطة من جهاتها الجنوبية والجنوبية الشرقية، برمال عميقة بنية غامقة اللون، قابلة للتمدد باتجاه المدينة بصورة خطيرة…”.

اللافت أنه “في تلك العام 1847، كانت صحة البيروتيين جيدة نسبياً في المدينة، ونشاط تجارتها يعطي هذا الانطباع الجيد”. وذكر أن “الحالات المرضية عادية، لا تتعدى حالات الإسهال الصيفي لتناول أنواع الفاكهة الطازجة، والحمى الصفراوية التي تظهر في المناخ الحار، والروماتيزم، وإصابات التهاب الغشاء المخاطي والمعدة بسبب الرشوحات الناتجة عن التعرض للتيار الهوائي، الذي يعتمد الأهالي إحداثه في بيوتهم عبر النوافذ للتخفيف من درجة الحرارة، وهي عادة يحبها أهالي الشرق…. وكان طبيب المستشفى العسكري يضم بين 70 و80 سريراً عثمانياً يحمل رتبة أميرالاي أي قائد لواء”.

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*