الرئيسية / مقالات / النموذج “الريتزي” لاستعادة أموال الفساد في العالم الثالث

النموذج “الريتزي” لاستعادة أموال الفساد في العالم الثالث

فندق الريتز كارلتن الرياض

لفت نظري في الآونة الأخيرة تجدد الاستشهاد وبشكل واسع، خصوصا خلال أحداث الجزائر والسودان والأزمة الاقتصادية في لبنان، بعملية فندق ريتز الشهيرة في مجال الدعوة في بعض الصحافة العربية، والإشارة إلى ذلك في الصحافة الدولية، إلى ضرورة اعتمادها في دول أخرى غير السعودية كأسلوب لإرغام كبار الأثرياء على التخلي عن الأموال المشكوك بمدى شرعية حصولهم عليها…

فرغم مرور عام ونصف العام على حصولها هل أصبحت عملية ريتز نموذجاً تحريضيّاً في دول عديدة تتجدّد الدعوة لها بحيث يعود إليها كُتّاب سياسيون بشكل دوري في العالم الثالث عندما تنكشف أزمة اقتصادية سياسية ناتجة عن خلل بنيوي في مسار هذه الدولة أو تلك؟ هؤلاء الكتاب السياسيون من فئتين: غاضبون من حجم الفساد في بلدانهم أو يائسون من إمكان مكافحته عبر الوسائل “السلمية” العادية. أما المواطنون الداعون إلى “الريتزية” على مواقع التواصل الاجتماعي فهم، من فئات وطبقات ومهن مختلفة، فهم غاضبون وغاضبون فحسب.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شخصية مختلَف عليها عالميا وعربيا. ولا شك أن مقتل الصحافي جمال خاشقجي قد أساء إلى صورته إساءة خطرة جدا لأن ذلك وضعه في مواجهة الصحافة الغربية الرئيسية بينما لا تحظى ضحايا كثيرة في دول أخرى بهذا المستوى من الاهتمام الإعلامي الغربي، وجعله مبكرا في وضع يشبه بعض أوضاع حُكّامٍ من العالم الثالث.

لكن ما يدفعني إلى أن أعود إلى موضوع محمد بن سلمان هو الكثافة، أحيانا المركَّزة وأحيانا العابرة، التي تجري فعلا فيها مؤخراً في الصحافة العربية والدولية ومواقع التواصل، وهي متنوعة الاتجاهات، العودة إلى عملية فندق ريتز التي احتجز فيها محمد بن سلمان عدداً كبيراً من كبار أثرياء المملكة، أمراءَ ورجالَ أعمالٍ وحتى موظفين، تبيّن أنه أرغمهم على التنازل عن أرقام كبيرة من ملكياتهم في ما ظهر كأنه “استعادة” لأموال جنوها من فائض البترو دولار وهذا جزء من فائض غير مسبوق في التاريخ المالي العالمي. نحن نتحدث هنا عن ما يفوق المائة مليار دولار كما صرح الأمير بن سلمان نفسه لقناة تلفزيون أميركية وبعض المصادر السعودية الرسمية يقول 107 مليار بل حتى أكثر. مائة مليار يعتبر ابن سلمان أن الذين أرغمهم على ذلك حصلوا عليها أساساً من عمليات فساد مستمرة منذ السبعينات من القرن المنصرم وهم بذلك أكبر لا أثرياء العالم العربي فقط بل العالم. إنهم من وجهة نظر متّهميهم أكبر “لصوص” أو مستفيدي أو فاسدي أو مستغلّي الثروة العربية الأهم في القرن العشرين إلى اليوم؟… لا تهم التسمية أو الصفة التي لم يترك الإعلام الرسمي السعودي مجالا لتخفيفها أو تحسينها كتسمية بمجرد أنه كرّسها علناً كعملية مكافحة فساد. طبعا لا نعرف بالضبط من ظهر بريئا ومن ظهر متهما أو مدانا بين المحتَجَزين لكننا نتكلم بشكل عام في السياق الذي تكشّف بداية ثم أعلنته رسميا السلطات السعودية من حيث أعداد المحتَجَزين ثم لاحقا الأموال المستعادة.

حفرت عملية فندق ريتز مكانها الفريد في التاريخ السياسي. لا شيء يشبهها في الشكل والحجم. لذلك في الآونة الأخيرة وقد مرّت سنة وبضعة أشهر على حصولها تتأكّد فرادتُها، بل تأثيرُها في الثقافة السياسية، نعم الثقافة السياسية، من كون أنه بات من المألوف عندما تواجه دولة متعثرة أو حتى عادية أزمة اقتصادية في العالم الثالث فإن كثيرين من الناشطين وحركات الاعتراض فيها يدعون إلى استخدام نموذج عملية فندق ريتز لاستعادة أموال منهوبة من بيئة الفساد في هذه الدولة أو تلك. راجعوا مواقع التواصل في الأسابيع الأخيرة وحتى اليوم وكم جرت هذه الدعوات “الريتزية” ولا تزال في وعن دولٍ مثل العراق والسودان والجزائر ولبنان وغيرها.

جاءنا الواقع كالرواية، بل أغنى من الرواية في غير المتوقع. ويثبت مع الوقت أن أنجح الروايات المعاصرة هي التي تحاول اللحاق بالواقع. في “مدن الملح” ذهب عبد الرحمن منيف إلى قلب التكوين الاجتماعي للثروة السعودية المذهلة الناشئة في الأربعينات والخمسينات، أما في نتاجات المرأة السعودية فالكاتبات السعوديات عندهن الرواية هي عملٌ كشف سوسيولوجي حتى لو استخدمه بعض الكُتاب الرجال باسم امرأة – راوية في سياق فانتازي طائفي أو جنسي(من فانتازيا)، لكني أتحدث عن كتابات نسائية جادة في الرواية وعلم الاجتماع (ناهيك عن الشعر والفن التشكيلي)…

هذا المجتمع السعودي المعروف جدا، المجهول جدا، بسبب متانة النظام ومحافظته الاستثنائية في مجتمع مسلم متعدد و محافظ عميقاً بالأساس. جاء التركيز على هذه النتاجات النسائية في سياق ما بعد أحداث 11 أيلول وتركّزِ الأنظار على المجتمع السعودي والاهتمام الغربي بتقديم النزوعات الليبرالية فيه كما بالتوازي النقد الغربي لعناصر المنهج التربوي في مدارسه. (يجب أن نذكر ولو سريعا أن للعديد من الأمراء، خصوصا الجيل الجديد من خريجي الجامعات، مساهمات ثقافية متفاوتة من ضمن جيل جديد أوسع في المجتمع السعودي وكبير الإمكانات الأكاديمية والثقافية).

طه حسين في محاضرة أخّاذة له في تونس قال إن مجتمع الحجاز في العهد الأموي استلزم من الحاكم الأموي في دمشق أن يتعمّد إغداقَ الأموال وبالتالي الرفاهية على الطبقة الأريستوقراطية الحجازية لكي يبعدها عن المطالبة السياسية بالسلطة باعتبارها، قرشيين وأنصارا، مصدر الشرعية السياسية.

محمد بن سلمان ذهب في اتجاه معاكس: قال للطبقة الحاكمة، والأرجح، بل المؤكد، باتفاق عالي المستوى مع جهات عليا في الغرب: يكفي الثراء غير الطبيعي. النظام والعائلة في خطر بل الكيان السعودي برمته في خطر. لنُعِدْ توزيع الثروة على مجتمع متزايد الأعباء والمتطلبات والحاجة للتغيير.

أخذ كثيرون على محمد بن سلمان أنه “واحدٌ منهم”. لكن ما المانع أن يقرر “الواحد منهم” وضعَ حدٍ “لهم”. هذا هو التاريخ وهذه هي الفرادة ولذلك خطَّ حدثُ ريتز “ثوريّته”. وفي زمن ينكشف فيه كم آذى فساد البورجوازية الطفيلية، حتى لو كانت أحيانا ذات أصول أريستوقراطية وغالبا ليست كذلك، مستقبل دول وشعوب بكاملها، سيكون ريتز بن سلمان ماليا، كقلعة الخديوي محمد علي عسكريا، سابقة من المهم أن تعقبه إصلاحات ليبرالية حقيقية… وإلا ذهب هباءً.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد