النموذج الإيراني معدلاً لقمع المنتفضين!

تذكر زيارة قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني لبغداد مجددا في عطلة الاسبوع المنصرمة على اثر تقديم رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي استقالته بالزيارات التي كان يقوم بها غازي كنعان او من ينتدبه نظام الوصاية السورية للبنان من اجل ادارة الوضع الداخلي المتفاقم فيه. وهي الزيارة العلنية الثانية لسليماني على الاقل في ظل تصاعد حركة الاحتجاجات واحراق القنصلية الايرانية في النجف وعجز الوصفة الايرانية عن التصدي للعراقيين عبر استخدام العنف بمنع الاحتجاجات او وقفها. اذ ان النموذج الذي قدمته طهران اولا في دعم النظام السوري بأثمان باهظة ادت الى تدمير سوريا كما النموذج الثاني الذي قدمته في قمع التظاهرات الايرانية السابقة قبل عام وكذلك التظاهرات الاخيرة التي قامت في مدن ايرانية متعددة رفضا للقرار الحكومي برفع اسعار المحروقات لم ينجح في العراق ولم ينجح في لبنان ايضا ولو ان مؤيدين لـ”حزب الله” ولحركة “امل” قدموا اكثر من مرة عروضا ميدانية لما يمكن ان تذهب اليه الامور في حال استمرار الانتفاضة على الارض اي محاولة استخدام العنف ولو تحت مسميات مختلفة دفاعا عن “المقاومة” وعن مكتسباتها السياسية ايضا. ومع ان المنتفضين في لبنان لم يذكروا سلاح الحزب في اي من مقارباتهم المطلبية والاجتماعية في الاساس والتي ادت الى مطالب سياسية فان استهداف الطبقة السياسية التي تقوم راهنا على اكثرية نيابية وحكومية من الحزب وحليفه المسيحي المتمثل في موقع رئاسة الجمهورية وتياره السياسي شكل تحديا مهما لسلطة الحزب ولامساك ايران بالقرار السياسي اللبناني في غالبيته. وقد ساهمت المراوحة القاتلة في التجاوب او تلبية مطالب المنتفضين في كسب الوقت ولالتقاط الانفاس وفق ما برز في عودة الوجوه الاستفزازية التي رفضها الشعب الى وضع الاطر العملية للحل المرجو عبر حكومة جديدة تحفظ المكتسبات وتتجاوز المطالب الشعبية وتحاول ان تبقي القديم على قدمه. ولا يشكل الوضع الانهياري على الصعيدين الاقتصادي والمالي اي هاجس حقيقي امام محاولة المحافظة على النفوذ وعدم اهتزازه. اذ انه سبق اطلاق تحذيرات كثيرة من الانهيار حين فرض الفراغ في رئاسة الجمهورية لمدة عامين ونصف العام تأمينا لانتخاب الرئيس ميشال عون باعتراف الطرفين المعنيين اي الحزب وعون نفسه، كما ان الهاجس الانهياري كان موجودا حين تم تعطيل تأليف الحكومة الحالية المستقيلة لمدة 9 اشهر من دون ان يهتز فريق السلطة لما قد يذهب اليه الواقع اللبناني اقتصاديا وماليا وحتى ابان حادث قبر شمون مطلع الصيف المنصرم. ففي كل هذه المحطات لم يرف جفن الاكثرية في السلطة ازاء الاحتمالات الخطيرة التي يواجهها لبنان في الوقت الذي اظهر الحزب وعلى لسان امينه العام السيد حسن نصرالله انه مرتاح كحزب لكل الاحتمالات على غير ما يمكن ان تتجه اليه الدولة اللبنانية.

تقول مصادر ديبلوماسية ان الضغوط الخارجية المتصلة بضرورة احترام مطالب المنتفضين وتلبيتها تعمل على الحؤول دون ان تذهب الامور او يدفع بها في لبنان الى مآل النموذج الايراني والذي تم اعتماده في بغداد بسهولة اكبر في بيروت نظرا الى واقع الصراع في العراق من ضمن الطائفة الشيعية بين من يدافع عن سيادة العراق وحرية قراره ومن تحركه ايران في اطار امساكها بالقرار العراقي. وقد ابدت دول غربية تفهمها لما قد يذهب اليه الحزب او يظهر استعداده للذهاب اليه تحت وطأة مخاوفها من الوضع الامني وما يمكن ان يؤدي اليه ذلك كما من انهيار الوضعين المالي والاقتصادي وانعكاساته على الدول الاوروبية في شكل خاص. لا بل ان واشنطن الضاغطة في اتجاه تلبية مطالب المنتفضين ايضا سايرت الدول الاوروبية في مخاوفها من لجوء الحزب ومعه ايران الى الخيارات الامنية الخاصة المرفوضة لكنها في المقابل لم تبد حماسة بل على العكس اظهرت ممانعة ازاء تضخيم واقع الحزب وكذلك الامر بالنسبة الى حلفائه لجهة الابقاء على مكاسبه السياسية ايا كان الثمن. فما حصل شكل تهديدا كبيرا لنفوذ الحزب وايران في لبنان كما في العراق واظهر عدم قدرة حتى الان على قمع الانتفاضتين كما جرى بالنسبة الى الانتفاضات العربية علما انها في لبنان على الاقل لم تطاول التركيز على اسقاط النظام وجرى اختراق الانتفاضة باكثر من موقع الى درجة استيعابية كبيرة حتى لو لا تزال مستمرة. لكن حصل اهتزاز كبير بخسائر كبيرة حتى الان ولاحقا على الارجح ويتوقع ان يكون لذلك انعكاساته مع انتقال طهران من موقع الهجوم الى موقع الدفاع على غير ما كانت حالها في الاعوام القليلة الماضية. وهذا لا يمكن الاستهانة به من دون امكان الجزم بانكسار ايران لكن هناك الكثير في صحنها راهنا عدا عن التأزم الخطير في لبنان والعراق المهدد لنفوذها والذي يزعزع الاسس التي تعمل على تدعيمها في سوريا. فمضي ايران في خفض التزاماتها في الاتفاق النووي ينذر باعادة تفعيل الآلية الآيلة الى اعادة الملف الايراني الى مجلس الامن واحتمال فرض العقوبات الدولية عليها مجددا خصوصا ان روسيا الحليفة لايران لا تخفي قلقها وفق المعلومات من الخطوة الايرانية الاخيرة في خفض ايران التزاماتها ومن الخطوة التالية او المرحلة الخامسة المرتقبة في السادس من كانون الثاني المقبل. وتجاوز ايران الخطوط غير القابلة للعودة عنها سيضع الاوروبيين ايضا في موقع صعب بحيث يتعذر التوصل الى اي شيء قبيل الانتخابات الرئاسية الاميركية في تشرين الثاني المقبل. ومن هنا الطمأنة الاوروبية لايران في لبنان الى حد كبير عبر حكومة تكنوسياسية تراعي “حزب الله” الذي لا يكتفي بضمان حصته بل يريد ضمان حصة حلفائه وعدم الضغط عليهم لانهم جزء من معادلة سيطرته ونفوذه في البلد.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*