الرئيسية / home slide / النفوذ الإيراني والانتفاضة… ولو قُمعت

النفوذ الإيراني والانتفاضة… ولو قُمعت

11-10-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

روزانا بومنصف

مشهد عام من إيران (أ ف ب).

مشهد عام من إيران (أ ف ب).

لا تحظى الاحتجاجات في ايران بالتغطيات الاعلامية التي حظيت بها الانتفاضات الشعبية في الدول العربية في ما سمي بثورات #الربيع العربي. ولكن كل هذه الثورات ونتائجها هي امام النظام الايراني من اجل استخلاص النموذج الذي يمكن اعتماده علما انه سبق لهذا النظام ان واجه انتفاضات متعددة عبر القمع الممنهج الذي كان يضع حدا لها بعد اسابيع باثمان باهظة جدا . كل النماذج التي انتهت اليها ثورات الربيع العربي حملت في طياتها مخاطر كبيرة لم تنج منها حتى تونس التي تردد لوقت طويل ان التحول الديموقراطي فيها جرى بسلاسة كبيرة ولكن التطورات الاخيرة ساهمت في تعديل الكثير من هذه التوقعات. هناك خط تجاوزه بقوة النظام السوري الذي ذهب الى درجة تدمير بلاده واستدعاء قوى اجنبية عدة اليها في مقابل قمع الانتفاضة التي لم يحسن استيعابها ولا معالجتها . وحين تواجه ايران الشباب الايراني المتطلع الى حرية القرار واستقلاليته بعيدا من الضغوط والقمع بالعنف القاتل ، تساهم في رأي مراقبين في تبرير القمع الذي تمارسه اسرائيل ضد الفلسطينيين الاعداء لها فيما ان اداء ايران هو ضد مواطنيها وليس ضد اعدائها . وهذا سرى تماما على ما تأكد لمراقبين ديبلوماسيين في تهجير النظام السوري الملايين من السوريين وما وفره تبعا لهذه الخطوة من ذرائع محتملة لاسرائيل لتهجير الفلسطينيين من ارضهم كذلك على ما يخشى ولا يزال كثيرون . اذ كسر تهجير الاسد لمواطنيه ومساومته المستمرة على اعادة البعض منهم تحفظات ان لم يكن محرمات او موانع قوية كانت موجودة قبل ذلك على تهجير جماعي للفلسطينيين يمكن ان تلجأ اليه اسرائيل في اي وقت من الاوقات تحت اي ذريعة امنية وجودية .

ومع ان غالبية المراقبين بدوا واثقين في الاحتجاجات المستمرة في ايران منذ اكثر من ثلاثة اسابيع بقدرة النظام على قمعها واخمادها، فان الدلائل التي عبرت عنها بالغة الاهمية ولها تأثيرها الكبير على امتداد النفوذ الايراني في المنطقة حتى لو كانت التنظيمات الموالية لها في لبنان او العراق او اليمن وحتى سوريا تمسك باوراق قوية يصعب اهتزازها او اضعافها توازيا مع الاحتجاجات الايرانية المنددة بحكم المرشد الايراني علي خامنئي. وبالنسبة الى هؤلاء يمكن الاستدلال على مدى المخاوف التي تساور النظام في ايران من تمادي الاحتجاجات وتمددها ما دام لم يخف مخاوفه من الانتفاضة اللبنانية قبل ثلاث سنوات في 17 تشرين الاول 2017 والتي تزامنت مع انتفاضة في العراق عدتهما ايران موجهتين ضد نفوذها والتنظيمات الموالية لها ولذلك كانت الرد عنيفا جدا ازاءهما في بيروت كما في بغداد. ولاحقا ترجم الاعتراض العراقي نفسه في انتخابات تشريعية ساهمت في خسارة التنظيمات العراقية الموالية لايران الاكثرية النيابية التي تسمح لها بالتحكم بمسار الامور فدخل العراق في حال شلل سياسي قاتل نتيجة رفض الموالين لايران تقبل الخسارة والتعامل معها . في لبنان ايضا خسر ” حزب الله” اكثريته النيابية وهو على وشك الخسارة ولو النسبية في ايصال رئيس جديد للجمهورية باعتبار انه لا يزال يمسك باوراق كثيرة تمكنه من التحكم بالامور ومسارها الى حد كبير . ولكن تحديد الخسائر يبقى ربطا بضغوط تتصل بمدى القدرة على تحمل المسؤولية في تواصل الانهيار وعدم امداده بالاوكسجين الذي يسمح له بالبقاء .وهذا كان عاملا مهما بين جملة عوامل اخرى في المرونة ازاء التفاوض مع اسرائيل عبر الولايات المتحدة كوسيط على ترسيم الحدود واقتسام الثروات البحرية . وبات واضحا الاتجاه الى أن ينسب الى ” حزب الله ” الفضل في مساعدة لبنان على تحقيق نتيجة إيجابية إذا تم التوصل إلى اتفاق واظهار دوره الايجابي في توفير المقومات لاعادة نهوض البلد بعدما ساهم اداءه في العقد الاخير ولا يزال في مراكمة الاقتناع بانه احد ابرز الاسباب المباشرة لوصول لبنان الى ما وصل اليه .

ومع انه من المبكر بالنسبة الى هؤلاء الجزم بمنحى اقتراب الاحتجاجات الايرانية التي توسعت الى مناطق ومدن عدة وشملت مختلف الطبقات الاجتماعية مما سمي ثورات الربيع العربي ، الا انها شكل من اشكالها قياسا الى خاصية كل بلد وظروفه . وهناك اهتمام كبير بمدى انعكاس ذلك على طبيعة النفوذ الايراني وامتداداته في المنطقة وهل يبقى بالقوة نفسها التي يعبر عنها او يمكن ان يلجأ الى التشدد اكثر في اطار مخاوفه من ان اظهار اي مرونة ستعد ضعفا له وتسمح بانقضاض خصومه على نقاط ضعفه لاستثمارها سياسيا. يمكن قراءة ذلك في رفض الحوثيين في اليمن تمديد الهدنة التي انتهت مبدئيا في 2 من الشهر الحالي وارفاقهم هذا الرفض المندد به من الامم المتحدة والولايات المتحدة كذلك بتوجيه تهديدات الى كل من المملكة السعودية والامارات العربية . كما يمكن قراءة ذلك في استمرار التعثر السياسي في العراق من دون افق سياسي . وهو ما بات متوقعا اكثر فاكثر مع صعوبات اضافية بالنسبة الى اجراء انتخابات رئاسة الجمهورية في الوقت الذي يشكل ابقاء الحكومة الحالية بتعديلات لا تهز هيكليتها السياسية المبنية على وجود ” حزب الله” وحلفائه فقط في الحكومة مكسبا لن يفرط به الحزب ما لم يضمن ما يريده في المرحلة المقبلة من دون خسارة كبيرة له في انتظار ما يمكن ان تساوم عليه ايران لا سيما بعدما دخلت الانتقادات الغربية الى القمع الذي تمارسه ضد المحتجين حيز فرض عقوبات جديدة على كيانات ومسؤولين في ايران . ولذلك فان انجاز الترسيم اذا انتهى في الايام او الاسابيع القليلة المقبلة، على رغم اهميته للاطراف المعنية به مباشرة اي لبنان واسرائيل والولايات المتحدة ، يثير تساؤلات عن اثمان او مكاسب ضمنية للحزب وايران في اتاحته في وقت متحول وحساس لايران في المنطقة لا سيما في ظل صمت لافت جدا ازاء المفاوضات للعودة الى الاتفاق النووي وجموده .