النشيد الوطني العراقي و«العنصرية»

مروان ياسين الدليمي 
القدس العربي
10042019

دائما كان الفن بكل صياغاته الشكلية وفي المقدمة منها الموسيقى، يعبّر عن وجدان الإنسان بشكل مطلق منذ أن واجه قدره على كوكب الأرض، لأن رسالته تسمو في دلالاتها فوق الحدود والحواجز والمتاريس التي طالما كدَّسها محترفو السياسة، ليتاجروا بالموروثات والقيم الثقافية المختلفة والمتنوعة للشعوب، تعزيزا ودعما وتكريسا لمصالحهم الفئوية والذاتية.
نقف مسحورين أمام ما أنجزته مخيلة الفنان من عوالم وشطحات غريبة لم يغب الواقع عن أن يكون باعثا ومحفزا لها، لا نسأل عن جنسيته ولا عن دينه، دهشتنا منبعها فرادة ما أنجزه من عمل فني، تجلت بما اجترحه من أنغام وإيقاعات وألوان توغل فيها بين مسامات جلدنا بدون جواز سفر على اختلاف ألواننا.. الفن يلمس مناطق سريّة فينا لن نتمكن نحن من الإمساك بها والوصول إلى حالة النشوة من خلالها، وكأنه كاشف للغيب وفاضح لأسرارنا الذاتية، فينطق بما يدور من هواجس ومشاعر في دواخلنا، وعلى اختلاف لغاتنا تتفاعل وتتواشج مشاعرنا الإنسانية في صوره المبتكرة وتتهاوى جدران الهويات الفرعية المتحجرة التي صنعتها مصالح ونوايا صناع الخرافات من الساسة ورجال الدين.
هذه الأيام تتعالى ضجة مفتعلة لتغيير النشيد الوطني العراقي، تقف خلفها نوايا أقل ما يقال عنها ليست طيبة، واستثني بهذا الخصوص بعض الفنانين المبدعين، الذين قدموا نماذج جديدة للنشيد، وأجزم أن رغبتهم في أن تكون لهم بصمة فنية خالدة في ذاكرة العراقيين، هي التي دفعتهم إلى المشاركة في حفلة التهريج هذه، ومؤكد أنه ما من صلة تجمع نواياهم الفنية النبيلة مع تلك النوايا السوداء التي يخفيها أنصاف المثقفين والفنانين من أتباع زعماء الطوائف.
لو لم يكن هذا النشيد من أجمل الأناشيد لما ردده أغلبنا، أفرادا وجماعات وشعوبا، وما يزال نجوم الغناء يتسابقون من خلاله لاستعراض إمكاناتهم الصوتية وتقنياتهم في الأداء، إلاّ أن «بعض» المؤدلجين، في مقدمتهم من يُحسبون على اليسار والعلمانية، والبعض الآخر من دعاة الطوائف، يسعون وبقوة ومنذ عدة أعوام لأجل تغييره، لمجرد أن مؤلف النص إبرهيم طوقان فلسطيني والملحن محمد فليفل لبناني. بمعنى أن دافعهم إلى التغيير عنصري.

ماذا لو أن موتسارت أو بيتهوفن أو هاندل أو أي ملحن آخر من صنف هؤلاء العظماء قد تبرع ولحَّن النشيد الوطني العراقي، هل سننجرف إلى منزلق الداعين إلى تغييره لأنهما لا يحملان الجنسية العراقية؟

أي منصف وعارف في الشعر ما أن يقرأ كلمات النص سيجدها تفيض بالمعاني الإنسانية، ولا تحمل بين دلالاتها أي انحياز وتكريس لنبرة دينية أو قومية أو طائفية، أما البناء اللحني فيكتسب شرعيته الجمالية من حرص نجوم الطرب على غنائه في حفلاتهم الخاصة والعامة. يؤسفنا أن ينزلق من يحسبون على النخب المثقفة إلى هذا السعير المحموم الداعي إلى الحكم بالإعدام على النشيد الوطني العراقي، ولا غرابة في ذلك طالما نحن في زمن عنصري بامتياز. ماذا لو أن موتسارت أو بيتهوفن أو هاندل أو أي ملحن آخر من صنف هؤلاء العظماء قد تبرع ولحَّن النشيد الوطني العراقي، هل سننجرف إلى منزلق الداعين إلى تغييره لأنهما لا يحملان الجنسية العراقية؟ ماذا لو أن كلمات النشيد كتبها الشاعر ت. س. أليوت أو والت ويتمان، هل سنتخندق ضدهما لأنهما يحملان جنسية أجنبية؟
تأتي الدعوة المحمومة لتغيير نشيد «موطني «ضمن السياق العام للمشهد السياسي في العراق، ابتدأ من الأعوام التي أعقبت احتلاله عام 2003 حيث تمضي الأحداث مسرعة بكل عناوينها في مسار تهديم الثقافة والقيم الوطنية والإنسانية من بعد أن تشكلت عبر قرون بفعل إنجازات فردية وجماعية شهدت عليها حضارات سومر وأكد وآشور والعباسيين والأمويين وتظافرت فيها جهود أبنائه من السريان والمسلمين والعرب والكرد والتركمان والإيزيديين والصابئة. بتأسيس دولة المكونات بديلا عن دولة المواطنة نجح دعاة الهدم في تفريغ الثقافة العراقية من محتواها الإنساني، وإشاعة ثقافة لا تنتج إلا صور التوافق والتالف والتعايش مع الفوضى داخل المجتمع فتشظى إلى خنادق متقابلة تتمترس فيها الأصوات الداعية إلى العنف والكراهية، وعميت بصيرة الكثير فسقطوا في بركة التفسير الطائفي المسبق لكل شيء، واشتبك الزمن في وجدانهم حتى أنهم ما عادوا يفرزون بين الماضي والحاضر، فصار الماضي بكل التباساته وخرافاته حاضرا وبقوة ، أما الحاضر بكل ما يحمله من أحلام وإشراقات وتطلعات واحتياجات وحرمان فقد تأجل موعده إلى أن يظهر صاحب الزمان. إذا ما شاعت ثقافة القداسة على كل ما لا يستحق التقديس ووقفت خلفها مؤسسات رسمية ووظِّف لأجلها كتبة وأقلام وفنانون يمارسون دورا ثقافيا مكملا لهذا الخطاب في أشعارهم ومسرحياتهم وأطروحاتهم الأكاديمية، فلا غرابة أن يُغيَّبَ الوعي الجمعي وتُقدَّم القرابين لشياطين يتنكرون مرّة بالعمامة وأخرى بثياب العسكر أو بآخر صيحات الموضة، وفي كل مرة يظهرون فيها على المنابر يدفعون عامة الناس بخطاباتهم إلى كهوف التاريخ وبقعها المعتمة ليكونوا وقودا في حرب عبثية رموزها خليط عجيب وغريب من القادة والأئمة والخلفاء والسلاطين، وفي حقيقة الأمر ما كانوا إلا مجرد أشباح وأوهام أنتجتها مخيلة مريضة، هي حروب لا جدوى منها سوى مزيد من الدم والكراهية والحقد والعنصرية، بينما يقف الشياطين المعاصرون بلحمهم وشحمهم على المنابر والمنصات وشاشات الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي يتلقون من جمهورهم آيات الإعجاب والتبجيل والتقديس.
إنها حرب تستهدف الأرض والماء والإنسان والفنون والأدب والعلم والمعرفة، حرب على كل شيء من أجل لاشيء وليست حربا تقتصر على النشيد الوطني، وخلفها تقف كتيبة من صغار الكتاب والمثقفين والفنانين ليس لهم مجد ولا إنجاز، يهدفون من خلالها أن يضيفوا سطرا آخر في سجلهم الذي بدأ مع اللحظة التي دعوا فيها الغزاة الأمريكان لاحتلال بلدهم بذريعة إسقاط النظام السابق، فكانت الكلفة باهظة بسقوط الدولة وتفخيخ جسد الثقافة بما يحملونه من سموم.
ختاما نستذكر كلمات الشاعر إبراهيم طوقان، لنزيح ما علق من غبار على مشاعرنا :
مَوطني
الجلالُ والجمالُ والسَّنـاءُ والبهـاءُ في رُبـاك
والحيــــــاةُ والنّجـــــــاةُ والهـناءُ والرّجاءُ في هـواك
هل أراك سالماً مُنعّـماً وغانماً مُكرّماً
هل أراك فـي عُلاك تبلغُ السّماك
مَوطني
الشبابُ لن يكلَّ همُّهُ أن تستقـلَّ أو يبيد
نستقي من الرّدى ولن نكون للعـدى كالعبيد
لا نُريد ذُلّنا المؤبّدا وعيشنا المُنكّدا
لا نُريد بل نُعيد مجدنا التّليد
الحسامُ واليراعُ لا الكلامُ والنزاعُ رمزنا
مجدُنــــــا وعهدُنــــــــا وواجبٌ إلى الوفا يهزُّنا
عِزُّنا غايةٌ تُشرف ورايةٌ تُرفرفُ
يا هَنَاك في عُلاك قاهراً عِداك
مَوطني

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

العنصريةالنشيد الوطني العراقيمروان ياسين الدليمي

التعليقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*