الرئيسية / أضواء على / النساء يكسرن معاقل الذكورية بقيادتهن الأوركسترا في أنحاء العالم

النساء يكسرن معاقل الذكورية بقيادتهن الأوركسترا في أنحاء العالم


هل أن أحد المعاقل الأخيرة التي كانت قاصرة على الرجال في عالم الموسيقى قد بدأ في التهاوي؟

الأحد 2019/04/07
لندن العرب
https://alarab.co.uk

لا شيء يكسر رغبة المرأة في النجاح (قائدة الأوركسترا جوانا مالويتز )

نجحت عدة أسماء نسائية من مختلف أنحاء العالم في اجتياح أحد المعاقل الذكورية الصرفة، ألا وهي قيادة الأوركسترا. وعلى الرغم من أن هذا الشغف ليست له حدود في ظل وجود مجموعة من العراقيل، إلا أن عددا متزايدا من النساء يطمحن بجد إلى الإشراف على مسارح عالمية.

 لندن – “يجب على من يريد قيادة الأوركسترا أن يدير ظهره للجمهور”، إلا أن عددا من النساء طبقن هذه الحكمة مع تعديل طفيف يقر بأنه “يجب على من تريد قيادة الأوركسترا أن تدير ظهرها لفكرة أن هذا مجال ذكوري صرف”. ورغم أنه إلى وقت قريب، حيث كانت هناك أمثلة لقائدات الأوركسترا من النساء قليلة ومتباعدة مع بعض الاستثناءات البارزة: مثل الأسترالية سيمون يونغ، التي كانت في ذلك الوقت المديرة العامة للموسيقى في أوبرا ولاية هامبورغ، والأميركية مارين ألسوب التي كانت رئيسة أوركسترا بالتيمور السيمفوني، إلا أن عدد النساء في هذا المجال ظل ينمو باستمرار.

وقطعت النساء خطوات كبيرة في عالم الموسيقى ويشغلن الآن عددا كبيرا من المناصب الموسيقية الكلاسيكية العليا في جميع أنحاء العالم.

وعندما أطلّت قائدة الأوركسترا المكسيكية ألوندرا دي لا بارا في أول ظهور لها في مهرجان أسبوع موتسارت للموسيقى في النمسا في يناير الماضي، كانت إشادة النقاد بالحدث دون حدود.

ووصفتها الألمانية سودويتش تسايتونغ بأنها “قائدة أوركسترا كاريزمية”، وتساءلت عن المدة التي سوف تمضي قبل أن تلتقطها علامة تجارية ألمانية للتسجيلات الموسيقية.

وتعمل في الوقت الحالي قائدة الأوركسترا (38 عاما)، والمعروفة بأسلوب قيادتها الجسماني والغريزي الذي لا يحتاج إلى تفكير كثير، مديرة موسيقية لأوركسترا كوينزلاند السيمفوني في مدينة بريسبان بأستراليا.

وتعتبر ألوندرا دي لا بارا واحدة من بين عدد متزايد من النساء الطموحات اللائي يشرّفن المسارح في أنحاء العالم.

وهذا ما يطرح سؤالا هاما وهو: هل أن أحد المعاقل الأخيرة التي كانت قاصرة على الرجال في عالم الموسيقى قد بدأ في التهاوي؟View image on Twitter

سقوط أحد المعاقل الذكورية

تم توجيه هذا السؤال مرات كثيرة إلى قائدة الأوركسترا جوانا مالويتز “هل يمكن لامرأة قيادة أوركسترا فاجنر؟ أليس ذلك متعبا للغاية؟”. وكانت إجابتها التي أثبتتها عمليا وهي نعم، حيث قادت أوركسترا “ذا فلاينج دوتشمان” في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن و”داس رينجولد” و”جويتردايمرونج” في أوبرا لاتفيا الوطنية في العاصمة ريغا. وفي مدينة إرفورت في ألمانيا، حيث كانت المدير الموسيقي الأصغر في أوروبا، وقادت أوركسترا “داي مسترسينجر فون نورنبرغ”.

وبعد ذلك ومنذ وقت قريب، وبصفتها المديرة العامة للموسيقى في مسرح نورنبرغ الحكومي، قادت أوركسترا أوبرا بعنوان “الحرب والسلام” للروسي سيرجي بروكوفييف والمأخوذة من رواية تحمل نفس الاسم للأديب والروائي الروسي ليو تولستوي.

كما تقود أوركسترا فوبرتال السيمفوني حاليا امرأة، وهي قائدة الأوركسترا البريطانية جوليا جونز، وكذلك أوركسترا نيو لوزيتز الفيلهارموني بقيادة البولندية إيوا ستروسينسكا.

وكانت الأوكرانية أوكسانا لينيف، وهي واحدة ممن يرعاهم القائد الرئيسي المنتظر قريبا لأوركسترا برلين الفيلهارموني كيريل بيترينكو، مسؤولة حتى وقت قريب في أوبرا جراتس. وقررت الآن بدء مسيرة مهنية حرة، ومن المتوقع أن تصبح اسما كبيرا في عالم الموسيقى.

وفي الوقت نفسه، سوف تصبح ألسوب القائدة الرئيسية الجديدة لأوركسترا إذاعة فيينا السيمفوني في سبتمبر المقبل، وهي أول امرأة تتولى هذه المهمة.

وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فقد قالت ألسوب إنها تشرّفت بتولي المنصب في فيينا، التي ظل الأوركسترا الفيلهارموني الأساسي بها يرفض التحاق النساء به كعازفات حتى عام 1997.

وأضافت “فخورة جدا بأن أكون أول امرأة تحصل على هذا المنصب، لكنني صدمت بأننا في هذا العام، وفي هذا القرن ولا نزال نحتفي بما يسمّى (أول امرأة)”، وأشارت إلى أنها تأمل في أن يأتي وقت قريب لا تحمل فيه الأخبار عبارة “أول امرأة”.

وأكدت أنها ترى في تعيينها قائدا أساسيا لأوركسترا راديو فيينا السيمفونية “فرصة لمحاولة دفع هذه القضية إلى الأمام”، كما أنها تأمل بأن يكون منصبها دافعا لخلق المزيد من الفرص لأكبر عدد ممكن من النساء في مثل هذه الأدوار، فضلا عن إمكانية تغيير مشهد الموسيقى الكلاسيكية للأجيال القادمة.

ونجحت المهاجرة الجزائرية زاهية زيواني، في أن تكون أول امرأة قائدة أوركسترا في فرنسا ولم يتأخر الاعتراف بقيمتها الفنية وبدورها كمثال يحتذى به وحصلت من الحكومة الفرنسية على وسامي استحقاق، الأول كان سنة 2008 وهو وسام جوقة الشرف برتبة فارس والثاني سنة 2014 وهو وسام الاستحقاق للفنون.

وكانت موهبة زيواني، التي ولدت في عائلة من المهاجرين الجزائريين في فرنسا، ولم يكن شيئا يؤهلها لتصبح قائدة أوركسترا، لكنها لفتت انتباه الروماني سيرجيو سيليبيداش عندما كانت في السابعة عشرة، والذي كان يعتبر من كبار قادة الأوركسترا في القرن العشرين، وبعدما رآها تدير أوركسترا، اختارها لمتابعة دروس مع نحو عشرة أشخاص آخرين انتقاهم لكنه حذرها “في صفي لم تصمد أي امرأة أكثر من 15 يوما”، إلا أن زاهية صمدت.

وصرحت زيواني سنة 2014 بأن “الأصعب في الحياة اليومية في مجال قيادة الأوركسترا هو أني امرأة وشابة”، مضيفة “كل مراكز المسؤولية في مجال الموسيقى في فرنسا يتولاها رجال”.

وهناك أيضا الأميركية كارينا كانيلاكيس، التي سوف تصبح قريبا القائدة الرئيسية لأوركسترا راديو هولندا الفيلهارموني؛ والليتوانية ميرجا جرازينيت تيلا، التي خلفت أندريس نيلسونز كمديرة للموسيقي لأوركسترا مدينة بيرمنغهام السيمفوني؛ وأخيرا وليس آخرا، الأميركية كارين كامينسك، التي كانت المديرة العامة للموسيقى في أوبرا هانوفر حتى موسم 2015-2016، وأصبحت الآن قائدة أوركسترا حرة ناجحة.

لقد تغيرت الأمور كثيرا على مدار العشرة أعوام إلى العشرين عاما الماضية، وفقا لما تقوله مالويتز وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمواقف.

وتعتقد مالويتز أن أحد أسباب ذلك هو التأثير المتزايد للمشهد الموسيقي المبكر، حيث كانت للمجموعات بنية أقل هرمية. وغالبا ما تحصل المجموعات الموسيقية في المراحل المبكرة على القيادة ليس من قائد استبدادي على منصة، بل من زميل لهم، مثل عازف التشيلو النمساوي قائد الأوركسترا نيكولاس هارونونكورت، الذي توفي في عام 2016.

وأكدت مالويتز، التي عملت أيضا كقائدة لفريقها الخاص “أوكسنتور”، وفي طريقها لتصبح مديرة عامة للموسيقى “يمكن للمرأة أن تفعل ذلك أيضا”.

وعلى المرء فقط أن يلقي نظرة على نسبة النساء اللائي يدرسن قيادة الأوركسترا في المعاهد الموسيقية لمعرفة أن هناك شيئا ما يتغيّر.

وفي كليات الموسيقى في ألمانيا، في الفصل الدراسي الشتوي 2016-2017، كان 42 بالمئة من دارسي قيادة الأوركسترا من النساء. وقبل عشرة أعوام فقط، كانت النساء يمثلن 27 بالمئة فقط من الدارسين.

ومع ذلك، فإن نسبة النساء اللائي يتولين القيادة في 130 فرقة موسيقية محترفة في ألمانيا لا تزال أقل من ذلك بكثير.

وفي الوقت نفسه، فإنه بشكل متزايد يتم توجيه سؤال لمؤسسات الموسيقى الكبرى مثل مهرجان سالزبورغ عن السبب وراء عدم قيامها بتقدم المزيد من قائدات الأوركسترا النساء.

وعندما واجه ماركوس هينترهاوزر، المدير العام للمهرجان هذا السؤال في الآونة الأخيرة، قال إنه متأكد من أنه سيكون هناك المزيد من النساء في القريب العاجل على المنصة، مضيفا “لا بد لي من الشعور بأنني وجدت كوكبة فنية مثالية.. هذا ليس شيئا يختص به جنس بعينه”.

وكما قال نيكو كيربر المسؤول عن أرشيف النساء في مجال الموسيقى في فرانكفورت، فإنه يبدو أن زمن “القمع الشديد للنساء في مجال المهن الإبداعية” قد بدأ في الانتهاء.

رحلة كفاح

لم تكن الطريق معبدة حيث عانت ولا تزال عدد من المنتميات إلى هذا العالم من نقص عدة امتيازات مقارنة بزملائهم الذكور، حيث قادت نساء أوركسترا نيويورك “الفيلهارمونية” على سبيل المثال في أغسطس الماضي، كفاحا من أجل الحق في ارتداء السراويل.

وتضم الأوركسترا، التي تتخذ قاعة دافيد جيفن في مركز لينكولن بمانهاتن مقرا لها، 50 عضوا من الذكور و44 من الإناث. لكن على الرغم من موقعها في واحدة من أكثر المدن المتقدمة في العالم، إلا أنها تعتبر آخر فرقة موسيقية عريقة في الولايات المتحدة من بين 20 فرقة سيمفونية محترفة، حيث لا يُسمح للنساء بارتداء السراويل في الحفلات الأكثر شهرة.

وقالت ليلاني ستيريت عازفة البوق الفرنسية لصحيفة نيويورك تايمز “نحن نرغب في رؤيتها وقد تغيرت، وفي وقت قريب. التغيير لا ينحصر فقط في السماح بالسراويل، ولكن أن يكون هناك بيان موسع لما يعنيه أن يرتدي المرء ملابسه”، فمن الصعب حقيقة العزف على بعض الأدوات في ثوب أو تنّورة.

وفي الوقت الذي تبحث فيه الغربيات عن المساواة في اللباس والأجور تحاول العربيات شق طريقهن متحديات مجتمعاتهن المحافظة، حيث قاد عشق الأفغانية نجين كبالواك من كونار في شرق أفغانستان، للموسيقى، في عام 2016، إلى العيش في دار للأيتام هربا من أشقائها وأعمامها الذين هددوها بالضرب.

وقالت كبالواك، التي تقود أوركسترا “زهرة”، وهي فرقة تضم 35 فتاة في معهد الموسيقى الوطني الأفغاني تستخدم آلات موسيقية أفغانية وغربية، “بخلاف والدي كان كل أفراد الأسرة ضدي. قالوا ‘كيف لبنت من البشتون أن تعزف الموسيقى؟ خاصة في قبيلتنا التي لا تسمح حتى للرجل بعزف الموسيقى”.

وأضافت “سيقولون إنه في الإسلام لا يُسمح للنساء بالذهاب إلى المدرسة، ليس فقط لتعلم الموسيقى ولكن لدراسة أي شيء. لكن هذا ليس صحيحا، فالمرأة لها حقوقها الخاصة وهؤلاء الناس بحاجة إلى التثقيف”.

وتابعت “موسيقانا ليست هي الطريقة الوحيدة لتثقيف أصحاب هذا الفكر، لكنها بالتأكيد إحدى الطرق”.

ووفقا لهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”، قالت كبالواك في مارس الماضي على هامش حفل لها في المملكة المتحدة، “أجد الأمر أسهل بكثير عندما أقود الفرقة لعزف الموسيقى الأفغانية، نحن على دراية بها لذلك نقدمها بسهولة أكبر”.

وفي تونس صنعت الفنانة التونسية أمينة الصرارفي مجدا مختلفا، حيث تشرف على أول فرقة موسيقية نسائية، لا في بلادها فقط، بل وفي العالم العربي أيضا.

وقالت نجلة الموسيقار التونسي الراحل قدور الصرارفي الذي لعب دورا أساسيا في تطوير الموسيقى التونسية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، في تصريحات سابقة لـ”العرب”، إنها طمحت في العام 1992 إلى تحقيق حلمها ببعث أوركسترا نسائية.

وأوضحت “في البداية تركز اهتمامي على التنسيق بين كل العازفات اللاتي انتسبن إلى الفرقة، وجلهن متخرجات في المعهد الوطني للموسيقى، وقد ركزنا جهودنا على إحياء الأغاني التونسية التي اشتهر بها كبار الفنانين والفنانات، وفي الحفلات التي كنا نقدمها كنا نسعى دائما إلى أن نضيف إلى الأغاني القديمة ما يجعلها أكثر جمالا وعذوبة، وكان هدفنا ابتكار كتابة جديدة للموسيقى التونسية والعربية من خلال تحديث المدونة الكلاسيكية، وخلق نمط جدّي ينسجم مع الأجيال الشابة المنجذبة إلى الموسيقى الغربية، وهذا ما أكسبنا شهرة سريعة لدى الجمهور التونسي والعربي”.

اضف رد