النجوم تودّع صانعها… سيمون أسمر “ما رح إزعل”

رحل المخرج اللبناني #سيمون_أسمر عن عمر 76 عاماً، بعد صراع طويل مع مرض الكلى الذي تحدّاه بعد كلّ انتكاسة صحيّة، وكان يخرج منها أقوى كأنه “مبلّش من جديد” كما كان يردّد دوماً، مستأنفاً نشاطه، وفي باله وابل من الأفكار التي لم تنضب يوماً.

أسمر والحقبة الذهبية

حمل أسمر لقب “صانع النجوم” بامتياز. ومن أشهر البرامج التي فتّحت العيون عليه برنامج “استوديو الفن” الذي عُرض أولاً على قناة (7)، ليتوقّف بعدها بسبب اندلاع الحرب الأهلية، إذ أراد أن يرتاح من المرور على الحواجز يومياً تحت القصف للوصول إلى “تلفزيون لبنان”.

لاقت بصمة أسمر التي رسّخها في البرنامج تفاعلاً غير مألوف لدى الجمهور اللبناني، خصوصاً بعد تخريجه دفعة من أهم الفنانين في لبنان، أمثال ماجدة الرومي ومنى مرعشلي ووليد توفيق وعبدالكريم الشعار ونهاد فتوح وغيرهم، فجاء العرض من المؤسسة اللبنانية للارسال “LBC” لإعادة ضخّ هذا الكم من المواهب والفنانين بعرض البرنامج عينه على شاشتها، وهو عرض قوبل بالموافقة من أسمر، لا سيّما أنه كان قريباً من منزله، لتكرّ سبحة تخريج فنانين وإعلاميين باتوا في الصف الأول لبنانياً وعربياً، محققين النجومية والشهرة أمثال: نوال الزغبي، وائل كفوري، عاصي الحلاني، راغب علامة، عبد الغني طليس، معين شريف، إليسا، مايا دياب، ميريام فارس، نيشان، جيزيل خوري، زياد برجي، مايا نصري، فارس كرم، نضال الأحمدية، عبدو ياغي، ربيع الخولي، ماري سليمان، زين العمر، نقولا سعادة نخلة، جان ماري رياشي، غسان صليبا، ليليان أندراوس، رودي رحمة وغيرهم…

عرّفنا أسمر إلى أبرز الوجوه الاعلامية التي قدّمت البرنامج، ففي العام 1972 قدّمت البرنامج الصحافية صونيا بيروتي، وأيضاً مادلين طبر في العام 1980 وكلود خوري في العام 1988 وهيام أبو شديد في العام 1992، وبعدهنّ ملكة جمال لبنان السابقة نورما نعوم في العام 2011.

“بيضل اسمي سيمون أسمر، وما بيتغيّر شي”،

أفلح سيمون أسمر في تحقيق رسالته الكامنة في نقل مركز الثقل الفني من مصر إلى لبنان، والمحطات التلفزيونية شاهدة على اختيارها لبنان مركزاً لتصوير أهم البرامج، لتكرّ السبحة لدى أسمر في عشرات الأفكار التي قدّمها في أهم المحطات. وأسّس لحركة فنية كان يفتقر إليها اللبنانيون خصوصاً بعد الحرب الأهلية، فجاءت مرفّهة تحمل لهم نفساً فنياً عرّفنا على فناني الزمن الجميل.

خلال تكريم بعض السياسيين الذين مروا ضيوفاً على فقرة برنامج “دار الفنون”.

حروب الفن

اعتمد أسمر مساراً في حياته العملية على قاعدة “عدم دعمي لأشخاص نابع من علمي المسبق بأنّ الشخص لا يستحق الدعم”، واندلعت الحروب الفنية، خصوصاً بعد إنشاء مكتب “استدويو الفن” الذي دفع ببعض الفنانين إلى الانتفاض على أسمر، ملوّحين بأنّ العقد الفنّي الموقّع معهم كان “يخنق” الفنان ويلزمه تسليم مستقبله للأسمر لأمد طويل، إلا أنّ هذا الكلام، ومن وجهة نظره، كان يفسّر بأنّ له نظرة أكثر دراية في ما يتعلق بمفهوم النجومية: “لقد ساعدت الجميع وكنت أسعى خلفهم لكي ينجحوا”.

دراسته

درس تخصص “صناعة النجوم” في فرنسا على مدى أربعة أعوام تضمّنت كل ما له علاقة بالفنون والالكترونيات وهندسة الصوت وإعداد الفنانين قبل أن يتم “اصطياده” من جانب “تلفزيون لبنان” حينها، وينطلق في رحلة صناعة النجوم. هو من المخرجين القلة في ذلك الوقت الذين أحبّوا بشغف مجالاً أيقظ فيه الاهتمام بالتفاصيل التي تشمل الثياب وطريقة المشي والتصرّف أمام الكاميرا والكلام وتسريحة الشعر ونوعية الأغنية وطريقة الإعلان والإعلام عنها، وعن المغني، وصولاً إلى اسم الفنان الذي عمد إلى تغييره واستبداله باسم فنّي طنّان. فأفلح في التربّع على عرش الإخراج التلفزيوني لأنّه كان يرى أنّ “الاخراج ليس مجرد “تكبيس أزرار”، بل هو إحساس عالٍ بكل ما نراه من خلال عدسة الكاميرا”.

أسمر والعائلة

تزوّج من ندى كريدي في العام 1977 ورزقا ثلاثة أولاد هم وسيم، كريم، وبشير. لطالما كان يعتبر أنّ أفضل الأوقات التي يمكن أن يمضيها كانت مع ندى وأولاده الثلا. بنى لأبنائه “بيوتاً قريبة ومتصلة ببيتي، ليظلوا الى جانبنا، نستطيع رؤيتهم “اذا مش كل يوم”، مرة في الاسبوع على الاقل”. وكُتب له أن يشهد على فرحة ابنه كريم الكبيرة في أيار الماضي.

سيمون أسمر الإنسان

يُسعد أسمر في إحدى المقابلات بالكشف عن أنه كان يمسح الغبار خلال فترة عمله في تلفزيون لبنان، معبّراً عن فخره بماضيه، وقال في حلقة “المكتب الثاني” على “أم تي في”: “طفران ومكسور بس روحي الإيجابية محافظ عليها… وما رح ازعل ولا انتحر”.

جوائز عدّة

نال أسمر أكثر من عشرين جائزة في لبنان ومختلف أنحاء العالم، منها “أفضل مبدع تلفزيوني” عام 1994 وجائزة “مفتاح سيدني” في أوستراليا في العام عينه. وقدّمت له موسوعة جائزة العام الدولية في العام 1997 وفي عام 2003 ولمناسبة مرور 44 عاماً على خدماته في مجال الفنّ كرّمته لجنتا تخليد عمالقة الشرق و”أصدقاء سيمون أسمر”.

انتكاسة مادية وسجن

في العام 2013، أوقفته دورية في قوى الأمن الداخلي تنفيذاً لمذكرة توقيف صدرت في حقه من قاضي التحقيق في جبل لبنان بجرم إصدار شيكات من دون رصيد بمبلغ كبير وصل الى 500 ألف دولار أميركي. وبُعيد توقيفه، عملت السلطات الأمنية على التحقيق معه للاشتباه في ضلوعه بجريمة قتل، لتُصدر حينها عائلته بياناً تؤكد براءته، مشيرة حينها الى أنّها “لن تَدخُل في أيِّ سجالٍ من أيّ نوع كان مع أحد بالردّ على الاتهامات العشوائية، لأنّ التشهير بأي إنسان من دون دليل ثابت، ليس عملاً شجاعاً، بل هو عمل جبان”.

أمضى أسمر 10 أشهر في السجن، استراح فترة وجيزة وعاد إلى نشاطه الذي لم يلقَ ترحيباً هذه المرة من كثير من النقاد، خصوصاً بعد تجربته في “ديو المشاهير” التي اعتبرت بمثابة توقيع على نهايته المهنية.

إلا أنه بعد هذه الفترة السوداء، أكد: “ما نصبت عالعالم. بيتي بيسوى 6 مليون دولار، وبعد ما انباع حتى سدّد ديوني”، كاشفاً أن رجل أعمال ساعده بتسديد جزء من ديونه “وانا عطيت شيكات وما قدرت دفعتهن”.

الانتكاسة التي لم تمرّ على خير

نذر أسمر حياته لأجل الخروج بإبداعات وأفكار جديدة لبرامج لم يُكتب لها النجاح لو لم تحمل اسمه. قال الراحل في مقابلة سابقة مع “النهار” ردّاً على ما إذا كان يشعر بالملل بعد كل هذه الأعوام من العمل المتواصل: “كأني بعدني مبلّش، أعمل كأنه نهاري الأول، وطالما الصحة جيدة، الحماسة موجودة، خصوصاً أنّ التلفزيون هو بحد ذاته تجدّد دائم”. وعن تجربة المرض، قال: “علّمتني أن أعيش حياتي من دون النظر الى الوراء، علمتني إرادة العيش والحياة… وألا أنتظر شيئاً من أحد… “ما حدا مجبور بحدا”، ليردّد بعد كل انتكاسة: “قطوع ومرق”، غير أنّ هذه المرة “ما مرق”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*