الرئيسية / home slide / النبطية المدينة اللبنانية الغارقة في أسرار التاريخ

النبطية المدينة اللبنانية الغارقة في أسرار التاريخ

منذ 13 ساعة

عبد معروف
القدس العربي
31102021

تعتبر مدينة النبطية، واحدة من أشهر مدن جنوب لبنان، نظرا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وما فيها من معالم أثرية وسياحية وحضارية، وقربها من القلاع والحصون التاريخية والأثرية، وإطلالتها على مناطق واسعة داخل فلسطين المحتلة.
تقع في منطقة تتوسط مدن وقرى سلسلة جبال لبنان الجنوبي، وهي حلقة وصل بين الساحل والجبل والداخل، تبعد حوالي 70 كلم عن بيروت وتطل عليها قلعة الشقيف التاريخية من جانب، وترنو إلى الساحل اللبناني من بعيد من جانب آخر، إنها النبطية المدينة الغارقة في أسرار التاريخ، قديمه وحديثه.
ويعود تاريخ مدينة النبطية إلى عهود ومراحل زمنية موغلة في القدم، فقد مرت بعصور حجرية عدة، أقدمها العصر الحجري المشطوب، وقد دلت على ذلك الحفريات التي وجدت فؤوسٍا حجرية وأدوات مصنوعةٍ من الحجر الضراني على عمق سبعة أمتار يعود تاريخها إلى ما بين 8 آلاف و15 ألف سنة قبل الميلاد.
ومرّت النبطية بالفترة النّيولونية والتي تدل عليها عدة مغاور، أشهرها مُغر محلّى، شمال المدينة ومغارة عش الغراب في حي البياض، وعلى تلة الخريبة تم العثور على بقايا مدينة بيزنطية تقدر مساحتها بحوالي 35 دونمًا. وتوجد فيها خزانات مياه تحت الأرض ورؤوس أعمدة قديمة وعملات نحاسية مختلفة وبقايا زجاجية وفخارية تعود إلى عهد إله الجبل «الجبلس» في الحقبة البيزنطيّة. وعلى مقربةٍ من عين الضّيعة هناك قبر النورية والتي كانت أرضًا لمعبدٍ قديمٍ على عمق 1.5 مترٍ من سطح الأرض والتي وجد فيها بقايا فُسيفساء ملوّنة. أما في وادي فخر الدين شمال غرب النّبطية، أكتشف طريق مرصوف يعتقد أنه جزء من الطريق الرّوماني المُقدّس الذي سار عليه السّيد المسيح من الجليل الأعلى في فلسطين إلى صيدون.

قوافل الأنباط التجارية

وتذكر كتب التاريخ أن قوافل الأنباط التجارية – والتي كان مركزهم مدينة بترا في الأردن – أخذت تغدو وتعود بين مناطق الداخل وساحل صيدا ومرفئها البحري وأقاموا في المكان الذي حمل اسم النبطية محطة قوافل تجارية، ثم أماكن للسكن بصورة مؤقتة، ثم استوطنوا بصورة نهائية في المكان فأطلق على المنطقة التي استوطنوا فيها بالنبطية فيما بعد.
وتعلم سكان النبطية القديمة من الأنباط أعمال الفلاحة والزراعة والري، وأقام السكان مزارعهم في مناطق عين الجمل وعين قبيس ووادي فخر الدين وفي المرتفعات الغربية والشرقية، وفي النبطية الفوقا وخراجها كانت الإقامة للمزارعين الذين مارسوا أعمال الفلاحة والزراعة، ثم تعززت تلك الأساليب بعدما توطنت قبائل عاملة في النبطية والجنوب اللبناني بشكل عام، وأعطت اسمها لتلك الربوع ليصبح جبال عاملة ثم يختصر باسم جبل عامل، وما يزال.
كما مرت النبطية بالعصر الفينيقي والروماني ثم البيزنطي، ويتبين ذلك من خلال ما تواجد من مغاور وكهوف في الحي الغربي والشرقي والجنوبي، وبعض القطع الأثرية من أجران ضخمة وأحجار الرحى والمدافن والنواويس، وكذلك العثور على أجزاء من الطرق المرصوفة في وادي فخر الدين.
في كل حال تحقق من خلال تلك المكتشفات بما لا يقبل الشك أن الأجيال البشرية التي تنتمي إلى العصور التاريخية القديمة، قد تواجدت وعاشت في النبطية وما حولها، وفي العصر الفينيقي كان في جوار النبطية مركز لهم، اتخذ منه ملك صيدا تبنيت مصيفا يقصده للراحة صيف كل عام، وعُرف فيما لاحقا باسم كفرتبنيت، وفي محلة الخريبة المطلة على النبطية من جهة الغرب، عثر على بعض الفخاريات والخزف الملون تعود إلى العهد الفينيقي، ويعتقد بأن الطريق الروماني «المقدس» الذي سار عليه السيد المسيح من الجبل إلى صيدون، يقع في خراجها، وقد عثر على بقايا من تلك الطريق في وادي فخر الدين الواقع في الشمال الغربي من المدينة.

حاضرة جبل عامل

وكانت النبطية في العصور الوسطى تمثل حاضرة جبل عامل وقاعدة بلاد الشقيف أو المملكة الشقيفية التي كانت تتبع لواء صفد، وفي العصر العثماني كان حكام النبطية الصعبيون يتخذون النبطية وقلعة الشقيف مركز حكمهم على البلاد، وفي نهايات القرن التاسع عشر أصبحت قائمقامية صغيرة، وخلال الحرب العالمية الأولى خضعت للحكم العثماني، وبعد الانتداب الفرنسي أُتبعت لقضاء صيدا، وبعد الاستقلال استمرت كذلك، وفي سنة 1953 أصبحت قائمقامية تابعة لمحافظة جنوب لبنان، وعام 1975 أنشئت محافظة جبل عامل قاعدتها النبطية.
استمرت النبطية بصمودها بفعل أهلها وتصميمهم على البقاء رغم شراسة الاعتداءات الإسرائيلية بدءاً من العام 1974م مروراً باجتياح آذار/مارس 1978 واجتياح حزيران/يونيو 1982 مروراً بحرب الأيام السبعة في تموز/يوليو 1993 وحرب عناقيد الغضب في نيسان/إبريل 1996 ثم حرب تموز/يوليو 2006 حيث قدمت النبطية عشرات الشهداء والجرحى، بالإضافة إلى الخسائر المادية التي قدرت بملايين الدولارات وتهجير عشرات العائلات التي تهدمت بيوتهم.

أصل اسمها

أصل تسمية النبطيّة روايتان، إحداهما ما أشار إليه الشيخ سليمان ظاهر في مقالة له في مجلّة «العرفان» (المجلّد الثامن، الجزء التاسع، حزيران 1923) من «أنّ النبطيّة نسبة إلى نبط (الأنباط) والذين تركوا حضارة عريقة في مملكة بترا، جنوب شرق الأردن». وهو ما يؤكّده د. يوسف مروّة الذي قال: «الدليل أيضاً في المعاجم أنّ الجرامقة قوم من الأنباط، وبلدة الجرمق القريبة من النبطيّة فيها آثار تدلّ على أنّها من الأنباط». وأضاف «في العصر المملوكي كانت النبطية عبارة عن سوق تجاريّة، أي أنّ سوق الاثنين فيها قديمة تعود إلى عهد المماليك».
أمّا الباحث علي مزرعاني، مؤلّف كتاب «النبطيّة ذاكرة المكان والعمران» فلفت إلى أنّ الاعتقاد السائد أنّ تسمية النبطيّة استُمدّت من اللغة العربيّة وهي تعني نبط الماء، أي تفجّر وسال، وذلك لوجود ينابيع مياه عديدة فيها، وأضاف مزرعاني إنّ عمر الوجود البشري في النبطيّة يعود إلى حوالي 2000 عام قبل الميلاد. وتابع: «دلّت الآثار الموجودة في المدينة على قدم استيطانها السكني، أقدمها العصر الحجري المشطوب الذي يعود تاريخه إلى حوالي الألف الثامن قبل الميلاد، وآثاره عبارة عن أدوات وفؤوس حجريّة». ويشير مزرعاني أنّ الرحّالة إدوار روبنسون الذي زار المنطقة في العام 1852 دوّن في كتابه «يوميّات في لبنان»: «وصلنا النبطيّة، وهي قرية كبيرة في وادٍ فسيح خصب، أو حوض تنزح مياهه للشمال الغربي إلى الزهراني».
ولفت مزرعاني إلى أنّه مع الفتح العربي الإسلامي عام 634 م، استوطنت قبيلة عاملة اليمنيّة جنوب لبنان، حيث عُرفت المنطقة لاحقاً بجبل عامل وقاعدته النبطيّة. وتابع: «بعد بناء قلعة الشقيف بالقرب منها، بدأت الدساكر بالانتشار في محيط القلعة وعلى الطرقات المؤدّية إليها، وخاصّة في وادي النبطيّة الذي كان ممرّاً قديماً وطبيعيّاً للقوافل، ولوجود عيون مياه متفرّقة فيه ووجود أراضٍ خصبة للزراعة، ما دفع العديد من السكّان إلى الاستقرار. وقد ازداد الاهتمام بالمنطقة بعد سيطرة المماليك، فجعل الملك الظاهر من النبطيّة نيابة كدمشق، ومن ثمّ اتّخذت أسرة آل صعب المعروفة بالصعبيّة مركزاً لتجمّع العشائر العامليّة في عهود الإقطاع التي توارثت الحكم فترة العهد العثماني».

سوق الاثنين

شهدت مدينة النبطية نشاطا اقتصاديا ملحوظا خلال الحكم العثماني وأدت إلى تنشيط الحركة التجارية بسبب توافد التجار الأجانب، ومنها انطلقوا بتجاراتهم إلى الداخل في جبل عامل تحديدا، واستتبع ذلك توطيد النفوذ التجاري للطليان والفرنسيين في سائر البلاد والنبطية خصوصا، الأمر الذي نتج عنه ازدهار اقتصادي وتجاري ونهضة عمرانية بين 1851 و 1864 فنمت الثروة في النبطية وفي مناطق أخرى في جبل عامل وكان للقطن والتبغ العاملي سوق رائجة في مصر وغيرها من البلدان، مما أدى إلى ازدهار سوق النبطية التجاري، فبات من أهم الأسواق الشعبية في جبل عامل وجنوب لبنان على الإطلاق، حيث يتوافد إليه الناس كل نهار اثنين من الجهات القريبة والبعيدة ويجتمع فيه بين الخمسة والستة آلالاف نسمة، بين بائع وشار، وكان الوافدون من كل المذاهب والأجناس، وبانتهاء يوم السوق يبدأ الناس بالمغادرة حيث لا يبقى أحد من تلك الجموع. والجدير ذكره ان سوق الاثنين في النبطية قد مضى عليه مئات من السنين وما يزال يُعقد حتى اليوم.
اعتمدت النبطية منذ زمن طويل على العمل التجاري والزراعي، وشكّل سوقها حركة محورية في دخلها الاقتصادي حيث كان يؤمه معظم سكان المنطقة والكثير من أهالي جبل عامل، فاتسعت نشاطاتها عبر تجارها الذين توسعوا في عملهم المتنوع، فقدموا خدمات مزدوجة للسكان بتأمين حاجاتهم وتحسين مستوى المداخيل، وعلى الصعيد الصناعي عرفت النبطية بعض الصناعات عبر النحاسين والحدادين لآلات الحراثة والزراعة وكذلك الصاغة وصناعة الأحذية، وارتبطت بتلك الصناعات حركة عمالة شملت العديد من الأيدي العاملة المحلية، أما اليوم ونظرا للحالات الصعبة والانهيار المعيشي الذي يتعرض له لبنان، فقد تراجع العمل التجاري والصناعي عما كان عليه في العقود السابقة، واضطر العديد من شبابها إلى الهجرة والانتشار في أرجاء عالم الاغتراب.
ازدهرت مدينة النبطية في القطاع الزراعي واتساع المساحات الزراعية منذ زمن بعيد رغم رقعتها الجغرافية الضيقة وتلالها المنحدرة، ففي القرن التاسع عشر أدخل أحد الوافدين إليها زراعة التبغ فكان الميرزا ابراهيم قد علم المزارعين زراعة التبغ التركي، ومن النبطية عُممت زراعته في القرى العاملية، وقد نتج عن تلك الزراعة الواسعة محاصيل درت مداخيل مريحة للمزارعين والعمال، وكان الركيزة الأساسية في الحركة الاقتصادية السنوية.
كان عدد السكان في النبطية خلال القرون الغابرة يكاد لا يزيد عن مثيلاتها من البلدات في جبل عامل وجنوب لبنان، فأحيانا كان يصل إلى بضع آلاف ويزيد وينقص تبعا للظروف الاقتصادية والأمنية، وقد تميزت النبطية خلال العصور الوسطى بحالة من السيولة السكانية، وبعد الفتح العثماني بدأ عدد السكان بالتزايد ليصل في النبطية إلى ثلاثة آلاف، وخلال العقود الأولى من القرن الماضي كان العدد أقل من خمسة آلاف نسمة. واليوم فإن عدد السكان المسجلين فقط حوالي مئة وعشرين ألف نسمة، يتوزعون في أحيائها القديمة، كحي السراي والبياض والميدان والمسيحيين، والأحياء الجديدة في كفرجوز والرويس والمسلخ وعين قبيس وكسار زعتر وخلة الهوا وتلة فخر الدين وتول وغيرها، وأصبحت المدينة بمثابة نبطية كبرى تشمل النبطية الفوقا وميفدون وشوكين وزبدين وحبوش وكفررمان.
تتميز النبطية بكثرة مغتربيها في المهاجر وخاصة في أفريقيا الغربية، وليس مبالغة إذا ما قلنا بان من النادر ان تخلو أسرة واحدة في النبطية من مغترب واحد على الأقل وهناك شباب أسر بكاملها في الاغتراب. وتشير كتب التاريخ إلى أن مدينة النبطية في جنوب لبنان، لها جذور في عمق التاريخ، وموغلة في القدم، وتروي معالمها وآثارها التاريخية حكايات عصور من الزمن.