الرئيسية / أضواء على / الناشط السياسي والاجتماعي اللبناني لُقمان سْلِيم: “الثورة الجيليّة” تجاوزت “اتفاق الطائف” وتريد الخروج من النظام الطائفي

الناشط السياسي والاجتماعي اللبناني لُقمان سْلِيم: “الثورة الجيليّة” تجاوزت “اتفاق الطائف” وتريد الخروج من النظام الطائفي

حاورته: رلى موفّق 
القدس العربي
03112019

يُصنَّف الناشط السياسي والاجتماعي المستقل لُقمان سْلِيم، ابن حارة حريك في الضاحية الجنوبية من بيروت، حيث مقر الأمين العام لـ”حزب الله” على أنه من أشرس المناوئين لـ”الحزب” الذي يرى أن استيلاءه على مقدرات الدولة ومنعها من النهوض، وتحوّله إلى راعٍ وحارس وموزّع للفساد هو إحدى أبرز الشرارات التي آلت إلى ولادة الثورة وإلى الانهيار الاقتصادي.

 ومن موقع إيلائه التاريخ الاجتماعي والسياسي في لبنان كبير الاهتمام، يذهب سْلِيم إلى قراءة “حراك 17 أكتوبر” بما يحمله من عوامل قوَّة وعوامل ضعف، فصحيح “أننا أمام مشهد الساحات والتشبيك والحوار بينها، ولكننا إذا حفرنا قليلاً تحت السطح ووصلنا إلى لحظة انتصار ما، فسنجد بعض مَن هم في الساحات، في المقلب الآخر”. محذراً من أنه “إذا لم نبدأ بالإعداد منذ هذه اللحظة للجمهورية الثالثة سوف نخسر جميعاً، وأول الخاسرين هم المسيحيون”.

تلك القراءة تنطلق من أن ثمة سرديتين للحراك: سردية السلطة التي تحصر ما يجري بأنه أزمة اقتصادية مالية، وسردية أخرى تنصت فعلياً إلى الساحات، وترى أزمة وجودية وانتفاضة “جيليّة” ذات بعد اجتماعي وليس فقط اقتصادي حيث يكتشف جيل جديد الشأن العام وحقه في أن يكون له صوت ودور، وحق النقض.

وتحدَّث عن جيل من اللبنانيين أصبح “أَسَنّ” من “اتفاق الطائف”، ولم يعد بالإمكان التكلم معه عن المناصفة، فهو يريد الخروج من النظام الطائفي برمته، لافتاً إلى “أهمية الإبقاء على المشتركات بيننا وتأخير الخلافات العميقة، لأن طرحها اليوم يخدم السلطة”، من دون أن يستبعد عودة البعض منهم إلى “ملكوت السلطة” إذا رأوا أن الحراك يضعف، مؤكداً أن الانهيار هو الحليف الموضوعي للثورة الشعبية، لأنه إذا شكَّل “حزب الله” “حكومة غزة” فلا أحد سيعطيه مالاً، وإذا عادوا وعوّموا النظام كما هو، فإن مانحي “سيدر” لن يضعوا مالاً في “بيت مال الفساد اللبناني”.

وهنا نص الحوار:

* فاجأت “ثورة 17 أكتوبر” الجميع، وأربكت السلطة والقوى المُمسكة بالساحة اللبنانية، هل فاجأتك من موقعك كناشط في الميدان السياسي وفي المجتمع المدني؟

** إذا أجرينا صورة شعاعية للساحة اللبنانية، سنرى عشرات من الأفراد، ولكننا سنرى أيضاً عشرات من المجموعات التي تتفاوت حجماً، وتشمل كل الساحات، كانت تلتقي خلف أبواب مغلقة وتتكلم وتُناقش وتُبدي امتعاضها. أنا لا أقول إنهم هم الذين قاموا بالثورة، ولكن كان هناك شيء من الانتظام بهواجس مشتركة، بمعنى أنه لا نستطيع نسيان نضال مجموعات البيئتين أو الذين عملوا على نزاهة القضاء، وتُرجِمَ تحركهم بإنشاء “نادي القضاة”. هذه الناس عملت على نشر المواطنية وغيرها من خلال جمعيات صغيرة، وليس صحيحاً أننا انطلقنا من فراغ، كانت هناك “حالة تخمير”، بحاجة إلى شرارة لإيقاد كمية البارود المجتمعي.

الشرارة جاءت من خلال أَمرين، الأول هو وصول البلد إلى حافة الانهيار الاقتصادي، وهو المُعترف به اليوم، ولكن بالنسبة لي أحد العوامل الأساسية ليس فقط إفلاس الدولة اللبنانية، وإنما ما تعانيه دويلة “حزب الله” من وضع اقتصادي مُزرٍ تحاول نسبه إلى العقوبات على إيران منذ إلغاء الاتفاق النووي، ولكنه يتجاوز ذلك إلى العلاقة بوضع استثمارات إيران في مجموعة من الحروب، في اليمن وسوريا وتدخلها في أفريقيا. إفلاس الدويلة كعامل ثانٍ انعكس أيضاً على جمهور “الحزب” كما أن فشل الدولة انعكس على كل الناس. وعلى عكس قول نصر الله في خطابه الأخير الذي يعكس حجم القلق والذي اضطر إلى تطمين جمهوره مالياً، فإن “حزب الله” يهتز كبنية بمقدار ما تهتز الدولة.

على كل، هناك من يقول إن ثلاثة أشياء لا يمكن التنبؤ بها: الزلازل، الأزمات المالية الكبرى والثورات. يمكن القول إن هناك شيئاً يتحرّك، ولكن لا يمكن التنبؤ بهذه الشرارة الصغيرة التي ستُشعل الوضع.

* وما التسمية التي تُطلقها على الساحات؟

** صراحة أنا لا أحب تسمية ما يجري من أحداث بـ”الثورة”، لأن الثورات تُحيل إلى ثورات أخرى، ولا أحبّذ تسميتها بـ”الربيع” لأننا سبق وعشنا “ربيعاً” في بيروت، ولكن أُفضِّل تسميتها بـ”الحراك” لأن الناس تتحرّك، وهذه التسمية عامة ومفتوحة على كل الاحتمالات. بتقديري أن هناك حراكاً يهزّ لبنان، ولكن خلف هذا الحراك مجموعة انتفاضات وثورات صغيرة. صحيح أننا اليوم نتكلم عن الساحات والتشبيك والحوار بينها، إنما إذا حفرنا قليلاً تحت السطح، سنكتشف أنه إذا وصلنا إلى لحظة انتصار ما، سوف نجد بعض مَن هم في الساحات، في المقلب الآخر.

مثلاً هناك سرديتان في هذا الحراك، الأولى سردية السلطة التي تقول إن لبنان يعاني من أزمة اقتصادية مالية ولها الأولوية، وليس هناك شيء آخر، وهناك سردية أخرى تنصت فعلياً إلى الساحات، وتقول بأن لبنان يعيش اليوم أزمة وجودية، ويُعيد تعريف نفسه، وأن ما نراه في الشارع عبارة عن انتفاضة “جيليّة” أي أن هناك جيلاً جديداً يكتشف الشأن العام وله الحق في أن يكون له صوت ودور، وحق النقض، وبهذا المعنى هناك جانب اجتماعي مثلما يوجد جانب اقتصادي. بين هاتين السرديتين، وحسب تقديري، ليس هناك حوار حقيقي. سأعطي مثالاً على ذلك، إذا تكلمنا عن الانتخابات النيابية سواء أكانت مبكرة أم لا، وصارحنا أصدقاءنا المسيحيين بأننا نريد أن ننتخب وفق قانون يُحرِّرنا جزئياً من القيد الطائفي، وأن يُخفَّض سنّ الاقتراع إلى 18 عاماً وعلى أساس أن لبنان دائرة انتخابية واحدة، سنجدهم يعترضون على ذلك!

* هذا معناه أنهم سيرجعون إلى هواجسهم الأقلوية؟

**صحيح. في تقديري أهم شيء في هذا الوقت أن نُبقي على المشتركات بيننا، صحيح أنه توجد خلافات عميقة، لكن علينا أن نستأخرها، لأن طرحها اليوم يخدم السلطة، وفي هذا الإطار لا أستبعد أن يعود البعض منهم إلى “ملكوت السلطة” إذا رأوا أن الحراك يضعف.

* أمين عام “حزب الله” رغم وصفه الحراك بالعفوي والصادق، إلاّ أنه أَلبسه لبوس المؤامرة في محاولة لحرفه، انطلاقاً من مقولة أن أمريكا تعمل منذ سنوات للوصول إلى هذه الحالة؟

** إذا كان “حزب الله” أو مَن هم وراءه يقصدون أن هناك من يحاول إغناء الحراك بالبند السيادي، وأن يدين دور “حزب الله” في استقرار لبنان، فأنا أول شخص يُرحب بفكرة “المؤامرة”. هل لبنان أصيب بالفقر نتيجة زلزال أو فيضان؟ وهل الانهيار الاقتصادي الذي نحن على وشكه نتيجة كارثة طبيعية أم هو نتيجة سياسات داخلية قائمة على الفساد والزبائنية، وخارجية قائمة على أن الدولة مُصادرة عملياً ومُستولى عليها. أنا لا أفصل بين المطلبين، ولو أن البعض يفصل بينهما مجاملة وممالأة، أنا أعتبر أن “حزب الله” من خلال استيلائه على مقدرات الدولة ومنعها من النهوض، وتحوّله إلى راعٍ وحارس وموزّع للفساد هو أحد أسباب الأزمة، فكيف يمكن إصلاح لبنان من دون التصدي للأسباب العميقة.

“الحزب” يقوم بعملية “غسل للأدمغة” وتعطيل للحواس الإدراكية لجمهوره حتى يتقبَّل هذه الخطابات، وحوّله إلى آلات ناطقة أو مكررة لما يقوله مسؤولوه. أثناء وجودي في إحدى وسائل النقل المشترك سمعت أحد مناصري “الحزب” يقول لرفاقه بأنه رأى “اللوبي الصهيوني” في صفوف الحراك! يجب أن يكون من أهدافنا إعادة تحرير العقول وليس فقط تحرير الدولة.

*إطلالات نصر الله تحمل نَفَس ترهيب الساحات من باب أنه لا يزال يضبط شارعه وأنه لو نزل لكان…  هل يمكنه الذهاب لتكرار سيناريو “7 أيار” 2008 لقلب المشهد؟

**الأمر حاصل. فمنذ يوم الاثنين، 21 تشرين الأول/اكتوبر يُمارس حزب الله “7 أيار” جديدة، لكن هذه المرَّة “بالمفرَّق” من خلال استعمال العنف اللفظي أو اليدوي كما شهدنا، أو استخدام أجهزة الأمن اللبنانية أو بعضها لقمع بعض الساحات الرخوة، ولترويع المتظاهرين والمحتجين وبث الفتنة الطائفية والشقاق بين الجيش اللبناني وبعض مناطق السنَّة في لبنان. منذ اليوم التالي لانطلاق الحراك، أطل حسن نصر الله على اللبنانيين، معلناً أنه “حارس النظام” ومُشهراً لاءاته الثلاث: لا لإسقاط الحكومة، ولا لإسقاط العهد، ولا لانتخابات نيابية مُبكرة، منذ ذلك اليوم و”حزب الله” يحاول، بكل الوسائل، أن يُفشل هذا الحراك متوسلاً هذه “المروحة” ولكن السؤال هو: هل يذهب إلى أبعد من ذلك؟ في تقديري، يعرف “حزب الله” جيداً بأن ثمن استعماله للعنف المُعمَّم سوف يعود عليه وبالاً، لأنه حريص جداً باسم إيران أن يحافظ على نوع من الصدقية والاحترام، وتحديداً في نظر المجتمع الدولي، وهذا أمر خطير جداً بالنسبة له، لأنه بعد حرب الـ2006 وبعد “7 أيار” حاول أن يبني هذه الصورة، لكن في الوقت نفسه لا أستبعد شيئاً عن تصرفاته.

هناك مشكلة بعلاقتنا مع “حزب الله” نحن نُصدِّق أحياناً روايته بأنه حزب معصوم، وأنه لا يُخطئ، وأنه واسع العلم ومحيط بكل شيء، فلو كان الأمر كذلك لما وصل إلى ما وصل إليه. علينا اليوم أن نُهيّئ أنفسنا والتعوُّد على أن هذا التنظيم هو تنظيم بشري وأنه يقع تحت حدّ الخطأ، وتحت حدّ الارتباك، وخير دليل على هذا أن الحراك مستمر، رغم أنه قام بعدة محاولات “لاختراع” فتنة في مناطق الشمال، سواء بين المواطنين أنفسهم، أو بين المواطنين والجيش. بدا واضحاً أن قوته تقف عند الساحات الرخوة، أي الساحات الشيعية المحاصرة، في الضاحية والجنوب وبعض مناطق الهرمل وليس كل بعلبك. ولا تأثير لقوته في المناطق الدرزية والمسيحية في جبل لبنان، لذا علينا أن نعوِّد أنفسنا على أن هذا “الحزب” ليس معصوماً والغلبة ليست دائماً لمصلحته.

* تقصد البيئة الشيعية بالتحديد، لأني أعتقد أن الآخرين يدركون أنه ليس معصوماً وأنه يُخطئ بحساباته؟

**لا، أنا لا أتحدث عن البيئة الشيعية، لأنها قبل غيرها تعرف هذا الأمر، أنا أتحدث عن الآخرين الذين تحالفوا معه في العام 2005، أي “الحلف الرباعي”، والذين خضعوا لإملاءاته باتفاق الدوحة، والذين سلّموا للملكة العربية السعودية الانفتاح على النظام السوري عبر معادلة الـ”سين سين” والذين سكتوا عن تدخله في سوريا بعد الـ2015 ودخلوا معه في حكومات توافقية. الرئيس الحريري عندما دخل في التسوية الرئاسية، دخلها وهو يعرف أنه في النهاية يتحالف مع الحزب الذي قتل أباه. وحتى “القوات اللبنانية” اعتبرت “الحزب” معصوماً، فالكل يتذكر كلمة ستريدا جعجع في جلسة الثقة بحكومة تمام سلام في آذار/مارس 2014 وهي تلقي قصيدة عصماء في مدح المقاومة. لقد صدَّقوا سردية العُصمة، بينما نحن بقينا نشكك بهذه السردية، ولم نوافق عليها، ولهذا أعتبر أن لدينا الحق المعنوي بنقد من أخطأ بالقراءة السياسية.

* مَن ينظر إلى القمع ضد المتظاهرين في الساحة العراقية، تسوده مخاوف من أن يتماهى معه “حزب الله” على الساحة اللبنانية، ففي النهاية هما ساحتان للنفوذ الإيراني؟

**لقد سبقه الوقت، ولم يعد بإمكان “الحزب” أن يعود بعقارب الساعة إلى الوراء، لكنه ومن ورائه إيران لن يستسلما ولن يُسلّما ما استثمراه في هذا البلد منذ عقود بسبب انتفاضة الشعب اللبناني، ربما يعيدون النظر بتكتيكاتهم، ويعتمدون “التقيَّة السياسية” لتمرير هذه المرحلة، ولكن نصيحتي هي أن هؤلاء القوم لا يمكن الثقة بهم. إيران لن تستسلم بسهولة لا في لبنان ولا في سوريا ولا حتى في العراق. هنا أهمية أن ينظر الحراك بعينه الأولى إلى الداخل وبعينه الثانية إلى ما يجري في الإقليم، لأن ما جرى في العراق بعد القمع الوحشي والمتغوِّل لا يصب في مصلحة الأجندة الإيرانية، ولا في مصلحة أجندة “حزب الله”. قد يناورون كما ناوروا بعد “14 آذار” يومها صرَّح نصر الله لإحدى الصحف بأن كل شيء قابل للتفاوض بما في ذلك سلاح حزبه، ولكن كما يقول المثل “المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين”. قبل استسلامهم الكامل لا يمكن الوثوق بهم. ستكون هناك محاولة للتقدُّم على الحراك من خلال بعض المطالب التي تمسّ الناس بحياتهم اليومية، وتحديداً في معيشتهم، لاستباق الناس عبر تقديم “أكباش تضحية”، لكن أظن أن دون ذلك أموراً كثيرة، فالمعركة خرجت عن كونها مجرّد معركة مطلبية لتصبح معركة رمزية.

*ماذا تقصد بالرمزية؟

** الذي أقصده، أنه لا يمكن مقارنة انتصار الحشد الشعبي على داعش بما سوَّقة “حزب الله” بين اللبنانيين وتحديداً بين جمهوره من انتصار في الـ2006 على إسرائيل، بمعنى أن الانتصار على داعش يحتفل به الحشد الشعبي والإيرانيون، ولكننا نعرف أنه كان هناك تحالف دولي مدعوماً بغارات أميركية، فلا يملكون حقوق “الملكية الفكرية” لهذا الانتصار. باعتقادي أن إحدى مشاكل “حزب الله” الكبرى هي تضخيمه لانتصاره على إسرائيل في العام 2006 لأن انتصاره الإلهي هُزم على أيدي بشر وشباب وشبان يحبّون الفرح والحياة. “الحزب” نادم اليوم لأنه لم يفتح حرباً مع إسرائيل، فهي أسهل له من مواجهة فرح اللبنانيين ومطالبتهم ببلد يُشبههم.

* نشهد بقوة وَهَن عهد ميشال عون وتخلخل صورة وريثه السياسي (جبران باسيل) على الساحة المسيحية، ولكن العهد هو الحليف الاستراتيجي لـ”حزب الله” مَن سيكون الخاسر الأكبر؟

**اليوم، ونحن نحتفل بالذكرى الثالثة لانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، يبدو المشهد مختلفاً للغاية على مستوى الإقليم. فالوضع الذي سمح بالتسوية الرئاسية تغيّر، وبالتالي الحليف المحلي الذي هو ميشال عون و”التيار الوطني الحر” وجبران باسيل لم يُحسنوا عملياً انتهاز الفرصة التي منحها لهم “حزب الله”، فعوض أن يثبتوا دعائمهم بالشارع المسيحي اعتمدوا سياسات كيدية وأعادوا خطوط التماس المسيحية – المسيحية ليس فقط مع خصمهم التاريخي “القوات اللبنانية” ولكن حتى مع سليمان فرنجية الذي يعتبر نفسه من هذا المحور، وأكبر دليل على فشلهم ليس خصومتهم مع سمير جعجع ولكن مع الأطراف الآخرين الذين يمون عليهم “حزب الله”، فبتقديري الخاسر الأكبر اليوم ليس فقط “التيار الوطني الحر” والرابح الأكبر لن يكون “القوات اللبنانية”. فإن لم ننجح من خلال هذا الحراك في تطوير بنية النظام السياسي اللبناني سيكون المسيحيون قاطبة أول الخاسرين، وهنا على المسيحية اللبنانية أن تدرك أن المعطيات التي أنشئ لبنان في ظلها قد تغيَّرت، وأن عليهم أن يكونوا في صفوف اللبنانيين العصريين وليس اللبنانيين الأثريين.

*هل تقصد أننا أمام إعادة تكوين للنظام اللبناني؟

**سأقولها وبعبارة واحدة: إن لم نبدأ بالإعداد منذ هذه اللحظة للجمهورية الثالثة سوف نخسر جميعاً، وأول الخاسرين هم المسيحيون. لبنانيو ولبنانيات المئوية الثانية هم الخاسرون.

*ومن سيكون الرابح؟

**سيربح الرعاع من الجميع. ولذلك الأزمة اليوم لم تعد أزمة اقتصادية ولا أزمة أحزاب صغيرة، علينا أن نُفكّر بالجمهورية الثالثة، وبالمئوية الثانية، وبمجرد أن نكون أقل طموحاً، معناه أن الخسائر سوف تتوالى.

*هذا معناه أننا على أبواب مؤتمر تأسيسي؟

**أنا أدعو إلى مؤتمر تأسيسي يُرسي أركان الجمهورية الثالثة ولا أخاف من هذا الأمر لسبب بسيط، وهو أن الكثير من اللبنانيين يتعبّدون للطائف وكأنه وثن. هناك جيل من اللبنانيين أصبح “أَسَنّ” من الطائف، ولم يعد باستطاعتك “بيعه” الطائف، وأن تقولي له أنه لم يُطبق في عصر التواصل الاجتماعي وتويتر، فهو لا يقرأ العالم كما كنا نقرأه عند نهاية الحرب الباردة، ولم يعد بإمكانك التكلم معه عن المناصفة. الشباب اللبناني يقول إنه يريد الخروج من النظام الطائفي.

*وهل الأمور ناضجة لذلك؟

**قد يبدو العنوان مخيفاً إذا قلنا أن الجمهورية الثانية ماتت وأن علينا الإعداد لدفنها، تمهيداً لإنشاء الجمهورية الثالثة، ولكن أنا لا أعوّل إلا على هذا الجيل الذي ما عاد يقبل بمفردات الطائف الطائفية.

* في ظل تباطؤ رئيس الجمهورية بالدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة، هل تعتقد أننا متوجهون نحو “العقلنة” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

**لقد استخلص رئيس الجمهورية دروس الشارع، ورأى أن الشارع يستعمل سلاح البطء. لقد قال الشارع كلمته بأن لا قائد له، وأن برنامجه الإصلاحي واضح ويتمثل بتغيير وجه النظام، والبقاء في الساحات للاحتفاظ بحق الفيتو تجاه أي قرار لا يُرضيه تتخذه الحكومة المقبلة.

*في اعتقادك هل رئيس الجمهورية “يقرأ” الشارع جيداً؟

** حتى لو أنكر ذلك في العلن، فهو يقرأه في غرفة النوم. ابنتاه وصهره وابن أخيه أصبحوا في حُكم المنشقين عنه، لذا من الصعب ألا يكون يقرأ الشارع. بتقديري هو قرأ الشارع بشكل جيد، ولكنه – كما “حزب الله” – لا يدري ماذا يفعل، فضلاً عن اعتبارات أخرى تتعلق بوضعه الصحي الذي تحوم حوله علامات استفهام كبيرة فضلاً عن علاقته السيئة مع الجيش والذي هو في العادة الركن الأساسي في الدفاع عن رئاسة الجمهورية، وربما هو أول رئيس جمهوريه بينه وبين الجيش هذا الشكل من أشكال الطلاق الدائم. الرئيس أو مَن في موقع القيادة في بعبدا يرى بشكل جيد هذا الواقع.

* ولكن المعطيات المتوافرة تفيد أنهم في مكان آخر، فقد حوّلوا استقالة سعد الحريري إلى انتصار، واعتبروا أنه بتقديم استقالته اختار أن ينهي التسوية الرئاسية القائمة؟

** دعينا نتذكر أمرين، وبناء عليهما بالإمكان البناء، أولاً أذكرك بتصريح لقاسم سليماني بعد انتخابات العام 2018 قال فيه بأنهم يملكون 74 نائباً، هذا معناه أن “حزب الله” هو من سيُسمي، وأن كفته هي الراجحة، والأمر الثاني هو أنه قبل التسوية الرئاسية كان بين “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل” ما هو أفظع مما هو بينهما اليوم. لقد وصل الأمر بـ”التيار البرتقالي” أن يتهم “تيار المستقبل” بالداعشية، لذا لا أستبعد فكرة المصالحة بينهما. البعض يقرأ استقالة الحريري وكأنه رمي للقفاز بوجه العهد، والبعض الآخر يقرأها بأنها تخدم العهد وتخدم سياسات “حزب الله” لأنها تشق الحراك، وتُعيد إنتاج شارع سنّيّ لا يرفع العلم اللبناني وإنما العلم السنّيّ، وهذا شاهدناه في بعض المناطق.

خروج الحريري من التسوية أعاد جزءاً من الجمهور المحتج إلى سنّيته بعدما كان لبنانياً، بهذا المعنى يمكن أن تسمعينهم يشتمونه ولكن في سرهم هم سعداء بهذا الشيء، لأنه إذا تولى “حزب الله” عزل وتحييد جزء أكبر من الشيعة، وحيّد الحريري الشارع السني، تبقى “القوات” التي لديها حسابات سياسية صغيرة، ويبقى المستقلون.

هذا يُعيدنا إلى مقولة تتكرَّر بتاريخ لبنان منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، مفادها أنه “كلما احتاج أهل السلطة إلى مركب نجاة اخترعوا فتناً أهلية، عن حسن نية أو عن سوء نيّة”. وبهذا المعنى أشعر اليوم أن رفع السقف وتظهير الجانب المدني من هذا الحراك هو المهم. العالم اليوم لن يُساعدنا ويُعطينا “سيدر” كما كان هو أحد مصادر قوتنا. لذلك الانهيار هو حليفنا الموضوعي، والانهيار هو حليف الثورة الشعبية، لأنه إذا شكَّل حزب الله “حكومة غزة” فلا أحد سيعطيه مالاً، وإذا عادوا وعوّموا النظام كما هو، أشك في أن الرئيس الفرنسي ماكرون أو المستشارة الألمانية ميركل سيضعان مالاً في “بيت مال الفساد اللبناني”. بهذا المعنى حليفنا الموضوعي سيكون الوضع الاقتصادي السيّئ، لذا علينا أن نستمر برفع السقف والتوجس حيال كل مَن هو مرتبط بهذه السلطة، وهنا لا أعني الحريري فقط، ولكن “القوات اللبنانية”، لأن عندي الكثير من التوجس حيالهم وأعرف أنهم مشاركون بالحراك ولكنهم إلى الآن يقولون بأن هناك أزمة اقتصادية فقط، ولا يريدون التكلم عن أزمة النظام، هذا يُخيفني، وربما نحن ذاهبون إلى أزمة مديدة.

اضف رد