النازحون والاستثمار السياسي؟

ليس في وسع أحد في لبنان أو غيره ان يقفز فوق الواقع الراهن في سوريا، ليتعامل مع قضية النازحين السوريين من زاوية التوظيف السياسي الضيق، الذي يتجاهل أولاً رغبة هؤلاء النازحين ورأيهم في طريقة عودتهم الى سوريا، وثانياً الأسباب العملية التي دفعتهم الى النزوح وما اذا كانت لا تزال قائمة في رأيهم أم لا.

واضح ان في حسابات حلفاء دمشق السعي الى تعويم النظام السوري من خلال الدعوة الى التنسيق مع هذا النظام لترتيب عملية العودة، ولكن ليس واضحاً عند أصحاب هذه الحسابات وفق أي فرز سيقبل النظام بعودتهم، وقد سبق له ان رفض عودة معارضيه، الذين نزحوا هرباً من الحرب وحامولة القتل التي دمرت البلاد وكان له اليد الطولى فيها.

يتناسى هؤلاء، على سبيل المثال، ان النظام السوري يرفض تسجيل الولادات السورية التي حصلت على الأراضي اللبنانية والتي تجاوز عددها ١٥٠ الفاً، والتي لا يقبل لبنان بالطبع بتسجيلها في قيوده. ثم ان سياسات الفرز الطائفي والمذهبي التي يطبقها النظام ستتحول غربالاً لتقرير من يعود ومن لا يعود وهو ما سيؤدي الى تأبيد مشكلة الصراع بينه وبين الذين لا يعودون بما يجعل لبنان ساحة دائمة للصراع بينه وبينهم، تتقاطع فوقه التدخلات والحسابات الإقليمية والدولية التي تتقاتل الآن في سوريا.

أبعد من كل هذا، هل يعرف هؤلاء ما هو مستقبل هذا النظام، هل يبقى أم يتغيّر في ظل إصرار المعارضة على عملية الانتقال السياسي، خصوصاً ان بورصات الاستثمار الأميركي الروسي الإيراني التركي لا تزال مفتوحة من أستانا الى جنيف، مروراً بما يدور وراء الحسابات المغلقة روسياً حيث بشّر فلاديمير بوتين دائماً بالفيديرالية، في حين تذكّر واشنطن يومياً بالدور البطولي الذي تقوم به “قوات سوريا الديموقراطية” التي تتألف في معظمها من الأكراد الذين استبسلوا في القتال ولعبوا دوراً اساسياً في هزيمة “داعش” من كوباني الى الرقة.

ثم هل يتذكر الذين يحاولون لعب ورقة عودة النازحين لمصلحة النظام، أنه باستثناء إيران ولحساباتها المعروفة، يقف العالم كله تقريباً بما في ذلك موسكو ضمناً، ضد بقائه، وهل يعي هؤلاء ان الأمم المتحدة التي تمسك قانونياً بملف النزوح وتجمع المساعدات لتحمل تكاليفه، تتألف من دول تجمع على ضرورة انتقال سياسي كامل في سوريا يقيم نظاماً جديداً يختاره جميع السوريين؟

ثم هل نظر هؤلاء الى خريطة النفوذ الراهن على الأرض في سوريا وتذكروا ان للأميركيين سبع قواعد عسكرية، وللروس أربع قواعد، وللإيرانيين قتالاً على الممرات، وللأتراك تهديدات بالتحرك جنوباً ضد الأكراد، قبل ان يضعوا بيضهم وبيض النازحين في سلة النظام؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*