الرئيسية / أضواء على / المُترجمة المصرية مي عاشور لـ”النهار”: النصوص الخالية من الروح لا تدوم

المُترجمة المصرية مي عاشور لـ”النهار”: النصوص الخالية من الروح لا تدوم

مي عاشور

كان القرار صائباً رغم ضبابية الدرب. تسير المُترجمة والكاتبة المصرية مي عاشور بلا تراجع. تتفرّغ للترجمة منذ سبع سنوات. تترك كلّ شيء لتفعل ما تحبّ. لم تعرف تماماً من أين ينبغي للمرء أن يبدأ. الترجمة مسألة شاقة، فكيف إن كانت عن الصينية؟ طرقت أبواب المجلات الأدبية والمواقع الثقافية، ولم تلقَ جواباً مدّة سنة. بعدها فُتح الطريق وتلاشى الضباب. وصارت مي عاشور المُترجمة والكاتبة المتخصّصة في شؤون أرض المليار نسمة.

درست اللغة الصينية وآدابها في جامعة القاهرة، واتجهت لدراسة التركية. يجمعنا حديث عن الطرق المفتوحة بشرط التخلّص من المخاوف والثقة بقدرة أقدامنا على السير. يظنّ الجميع أنّ العمل الحرّ سهل، لكنه بالنسبة إلى عاشور أصعب بكثير من العمل العادي. “أنتَ هنا تملك مشروعاً خاصاً بك طويل المدى. وحدك تواجه كلّ شيء. أنتَ المدير والموظّف وصاحب القرار. لا توجد ساعات معيّنة للعمل. توجد فقط أشياء تواظب عليها يومياً حتى تنتهي منها. قرّرت التخصّص في الترجمة الأدبية فأصبح مترجمة لي قرّائي. وجدتُ نفسي أترجم بغزارة، كأنه سيلٌ جارف تجاوز السد”.

تُعلّمها الصينية المثابرة، والترجمة التشبّث بما تحبّ، فيما تعلّمها الكتابة أنّ الأفكار شيءٌ يستحقّ التعبير عنه. تدرك أنّ الطريق لا يزال طويلاً. “اللحظة التي سأظن فيها أنّني وصلت، سينتهي كلّ شيء”.

ولكن، بِمَ يختلف المترجم عن الكاتب، ولِمَ لا ينال الشهرة عينها؟ تؤكّد التشابه الكبير بينهما: “الترجمة تصبح هنا عملية إبداعية. لا يمكن نقل النصّ من دون وجود مَيْل للكتابة. لا أقصد التأليف في النصّ، ولكن تحويل النصّ الأصلي نصّاً يشعر فيه القارئ أنه مكتوب لا مُترجَم. هذا لن يحدث إلا إذا كان المُترجم قارئاً جيداً، يمتلك أسلوبه، وسبّاحاً ماهراً يغوص في نسيج النصوص”. تتابع واصفةً الصياغة بعد مراحل الترجمة بـ”الجزء الأصعب والتحدّي الأكبر”: “عليّ تحويل النصّ لغةً لا تُشعر القارئ بأنّ ما يقرأه مُترجَماً أو مُبهماً أو ركيكاً. أعيدُ صياغة ما ترجمته من دون مَسّ النص الأصلي بشيء”. إذاً، ماذا عن “إجحاف” يصيب المُترجم؟ “المسألة تتعلّق بالنظرة إلى المُترجم في دوائرنا الثقافية. في بلدان أخرى، قد لا تقلّ شهرة المترجم وأهميته أبداً عن الكاتب. أوطانهم تهتمّ كثيراً بحركة الترجمة وتؤمن أنّها جوهرة تُثري الحركة الثقافية”.

“روح النصّ”

إلى الصينية، تترجمين عن التركية، كيف تتعاملين مع فارق الحضارات والثقافات؟ تقرّ بأنّ الموضوع مرهق، ولكلّ لغة خصوصيتها. “في النهاية، هذا اختياري الحرّ. المُترجم يجب أن يكون شخصاً واسع الاطلاع على الكتب والدنيا والبشر. كيف يمكن أن ينقل أشياء شتى من دون فهم عميق؟ ثمة أشياء لن يجدها في الكتب ولن يجيبه عليها “غوغل”، بل سيفهمها بالتواصل مع أهل اللغة الأصليين”. ولكن، كيف يصنع المترجم اسماً وسط زيف الأسماء وركاكة الكتابة في مواقع التواصل؟ لعلّها تبتسم للسؤال، وتختزل الإجابة بملامح الحدائق: “الزهور الأجمل تبرز دائماً وسط بستان تتناثر فيه آلاف الأزهار. العبرة في الإخلاص للعمل والاجتهاد والتعلّم من الأخطاء. أؤمن أنّ ثمة ما يُطلَق عليه روح النصّ، وهي مُستمدة من روح المُترجم أو الكاتب، تكون مكلّلة بالشغف. النصوص الخالية من الروح لا تدوم. لا يمكن أن يتعالى المُترجم أو الكاتب على ما يفعله. لا يمكنه أن يتعالى من الأساس. أميل للاحتفاظ بشعور الرهبة، سواء كنتُ أترجمُ أو أكتب، كأنني أقوم بذلك للمرة الأولى. أعتقد أنّ الاختيارات الحرّة هي الأبقى رغم كلّ شيء، مما يجعل صاحب العمل يبزر دائماً رغم الزحام”.

“أبداً لا يموت!”

لمن تقرأ مي عاشور بين المترجمين وبمن تتأثّر بين الكتّاب؟ “أحاول القراءة للجميع، كتّاباً ومترجمين، لكنّني تأثّرت بترجمات عبد القادر عبداللي، وترجمات علي الكندي للنصوص المنتقاه في مدوّنته “النافذة السوداء”. أحببتُ كثيراً ترجمة ميشلين حبيب كتاب “نساء من الصين: قصص وأسرار”. وبين الكتّاب، أقرأ لخيري شلبي ومي زيادة، ورضوى عاشور وسواهم. كل عمل يؤثّر فيّ، أتأثر تلقائياً بكاتبه”.

المهم أولاً وأخيراً، الأمانة في النقل. متى يفقد النصّ روحه؟ مي عاشور من مدرسة الترجمة التي تفضّل عدم وجود صعوبة لردّ النص إلى أصله بعد ترجمته. ماذا يعني هذا؟ “يعني أنني لا أميل إلى التدخّل العنيف أبداً في النصّ. أحرص على الأمانة الشديدة عند الترجمة. والأمانة هي الحفاظ على روح النصّ الأصلي من معنى وقصد. جزء من الأمانة، القراءة حول النصّ، وفهم دوافع الكاتب لكتابته، والقراءة عن حياة الكاتب، وربما سؤاله عن قصده في حال الالتباس. كثيراً ما أطلب منه شرحاً لبعض الجزئيات. يفقد النصّ روحه إذا ظلّت معلّقة بالنصّ الأجنبي بعد ترجمته. لا يمكن ترجمة النصوص إلا بمنطق اللغة العربية. هنا المعادلة تكون صعبة. يجب أن يعرف المترجم في أي وقت ينبغي أن يتدخّل. في النهاية، الترجمة الحَرفية العمياء تخلق نصوصاً مشوّهة. في رأيي، يفقد النصّ روحه أيضاً عندما لا يشعر المُترجم بما فيه الكفاية بالنصّ الأصلي، فتكون الكلمات والتعابير التي يستخدمها غير دقيقة ومعبّرة بما يكفي، مما يجعل القارئ يغفل عن تفاصيل عميقة”. قبل الختام بسؤال عن “موت الترجمة” بعد مجدها، نسألها إلى أي حد يُساهم المترجم في قتل النصّ أو في إحيائه؟ الجواب المؤكد: “إلى حد كبير جداً. فلو ترجم مترجمون عدّة النصّ عينه، ستكون النتيجة مختلفة. لكلٍّ أسلوبه. النصّ الأفضل هو الذي سيلمس القارئ. حينما نترجم نصّاً، لن يسألنا القارئ عن تعقيد النصّ الأصلي وصعوبته. لذلك على المُترجم ألا يستسلم لصعوبة النصّ. هناك نصوص لا يمكن ترجمتها من المرة الأولى. قد تحتاج إلى وقت حتى يتأكّد المترجم أنّه يستطيع ترجمتها بشكل جيّد. أعلم أنّ هناك نصوصاً تكون صعبة، وبالفعل لا يمكن التصرّف فيها، ورغم ذلك ينجح المترجم في تقديمها بصورة جيّدة في النهاية. سيلمس القارئ مجهوده بشكل أو بآخر”. قبل الشكر على اللقاء، والأماني بالنجاحات، سؤال أخير: هل يموت عصر الترجمة؟ “مستحيل. أبداً لا يموت! قد يتدهور ويمرّ بفترات مظلمة. منذ زمن بعيد جداً والترجمة شيءٌ لا يمكن الاستغناء عنه. لعبت دوراً مهماً على مدى التاريخ. ربما توهم التكنولوجيا الناس أنّه سيتم استبدال المُترجم بالترجمة الالكترونية. لكن الآلة بلا أحاسيس. يموت عصر الترجمة في حالة واحدة: لو توقّفت البشرية عن الكتابة، وهذا غير وارد”.

اقرأ للكاتبة أيضاً: “المشهد الأخير” لمي منسّى “الحلوة” المُرتفعة للقاء النبلاء

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

اضف رد