الرئيسية / home slide / الميكانيسيان الموسيقار عبد الغني شعبان من يرفع الظلال عن شيفرة عبقريته؟

الميكانيسيان الموسيقار عبد الغني شعبان من يرفع الظلال عن شيفرة عبقريته؟

25-05-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”سليمان بختي

عبد الغني شعبان.

من ميكانيكي في كاراج لتصليح السيارات إلى مؤلف #موسيقى وملحن وقائد أوركسترا وباحث رصين. إنه #عبد الغني شعبان (1927-1977). أحد أعضاء “عصبة الخمسة” التي ضمته مع الأخوين رحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وغيرت وجه الموسيقى والغناء في لبنان.

ولد عبد الغني مصباح شعبان في خندق الغميق (بيروت) عام 1927. أصيب في طفولته بالجدري لكنه نجا منه، وفي السادسة من عمره التحق بالمدرسة الأزهرية الإسلامية في بيروت وتلقى علومه فيها. عام 1940 كان يعمل في كاراج للسيارات بمحلة رأس النبع، وصدفة سمعه أحد الزبائن يرتل إحدى أغنيات فيلم “يوم سعيد” لعبد الوهاب فأعجب به واصطحبه إلى بيت الموسيقي الشاب عزيز غنام الحلبي الذي كان يعمل في “إذاعة الشرق” الذي بدوره قدمه إلى الأستاذ غالب طيفور وتولى أمر تدريسه. ولما تجلت مواهبه وسرعة إستيعابه، تابع دروسه على العود على يد الأستاذ التركي الأرمني الكبير كارنيك قازنجيان. وأوعز الفنان وديع صبرا، مدير الكونسرفتوار اللبناني، إلى مدام لازاريف اعطاءه دروسا في البيانو. كذلك درس على يد فكتوريا عيسى. أما التأليف الموسيقي والهارموني فعلى نفسه بالمراسلة وبتوجيه وإشراف وديع صبرا. وفي الوقت المتاح سعى إلى تعلم الفرنسية وأتقنها ووجه إهتمامه نحو الأبحاث الموسيقية نظرا لندرتها وصار يستحصل على الكتب الموسيقية المرجعية الغربية ويترجمها. 

 سافر إلى مصر في العام 1946 بعد أن ألح عليه قنصل مصر في سوريا ولبنان أحمد عبد المجيد، ناظم كلمات أغنية “مريت على بيت الحبايب”، وزوده كتابا إلى الفنان محمد عبد الوهاب الذي التقاه في مصر وسأله هل يعرف علم النوطة فأجابه أنه درس الهارموني والكونتربوان والتأليف الموسيقي. قدر عبد الوهاب علمه لكنه نصحه إذا ما أراد أن يبقى في مصر أن يؤلف الأغاني الشعبية الخفيفة التي تستقطب شركات الإنتاج. وتعرف إلى الملحن محمد القصبجي الذي عرض عليه الإنضمام إلى فرقته الموسيقية. كانت الفرصة متاحة له للدخول إلى المعهد العالي للموسيقى في مصر لكنه رفض لسببين: 1- لأن الشرط كان خدمة المعهد لمدة خمس سنوات بعد حصوله على الشهادة. 2- وجد نفسه أكثر علما من متخرجي المعاهد المصرية وأن معظم الموسيقيين يجهلون النوطة.

عاد إلى بيروت وإلتحق بإذاعة “الشرق الأدنى” كمساعد لرئيس قسم الموسيقى، ولما لم تلق أعماله الموسيقية والتأليفية أي تشجيع أو إهتمام راح يبحث عن فرصة مستحقة. تلقى دعوة من إذاعة دمشق للزيارة والتعارف. وهناك تعاقدت معه وزارة المعارف السورية للعمل في معهد الموسيقى الشرقي أستاذا للعلوم النظرية والهارموني والصولفيج. ولاحقا أعفي من التدريس ليتفرغ لأبحاثه العلمية الموسيقية. ثم اختير رئيسا لقسم الموسيقى في الإذاعة السورية وقائدا للأوركسترا. قام بتدوين الموشحات الأندلسية عن الفنان عمر البطش. وفي عام 1954 طلب إليه جورج فرح مؤسس ورئيس القسم الشرقي في الكونسرفتوار الوطني الحضور إلى بيروت للعمل كمدرس للعود والغناء والعلوم النظرية في القسم الشرقي. عام 1958 كلف قيادة الأوركسترا في الإذاعة اللبنانية إلى جانب الإخراج الموسيقي وإدارة مكتب تنسيق البرامج الموسيقية والغنائية. عام 1969 كان عضوا في وفد لبنان الذي ترأسه الأب يوسف الخوري (مدير المعهد الموسيقي في جامعة الروح القدس) في المؤتمر الثاني للموسيقى العربية في فاس بالمغرب. وقدم في المؤتمر دراسة حول تطوير الموسيقى العربية نحو العالمية مع نماذج موسيقية مسجلة. شارك عام 1970 في أول إجتماع للمجمع العربي الموسيقي في جامعة الدول العربية في القاهرة ضمن وفد يمثل لبنان مع توفيق الباشا برئاسة الأب يوسف الخوري (مدير الكونسرفتوار حينذاك). وإثر زيارة قائد أوركسترا بودابست الفيلهارمونية لودفيغ فشادي لبنان واستماعه إلى نماذج من أعمال شعبان، قرر إدراجها في برنامج أوركستراه. وكتب له لاحقا: “أريد أن ألفت الإنتباه الأوروبي نحو أهمية هذه المؤلفات”. عام 1972 حقق أخطر محاولة له في الموسيقى الشرقية عندما سجل اغنية “مين عذبك” لعبد الوهاب في بيروت بحضوره مع توفيق الباشا، وهي رباعية وترية عزفها عبود عبد العال على ثلاث مراحل. وصرح عبد الغني شعبان للصحف بعد التسجيل: “هذا يثبت أن معطيات عبد الوهاب الجمالية تتمتع بالأصالة بصورة طبيعية تجعل الباحث يحس الروعة في ينابيع النغم لدى هذا الفنان ووجدت أنه إنصافا للتاريخ الفني واعترافا بأفضال هذا الفنان أن أبدأ سلسلة تجاربي ودراستي بإحدى أغانيه”. وعلق عبد الوهاب قائلا: “هذه محاولة جريئة والقائم بها أكثر جرأة والحكم عليها للتاريخ وسألقي محاضرة في البرنامج الثاني في إذاعة القاهرة عن هذه المحاولة التي تضع موسيقانا في المواجهة مع الموسيقى العالمية”. اشترك شعبان في الندوة العالمية لمؤلفي الموسيقى في باريس بمقدمة “مين عذبك” التي أذيعت في مختلف برامج الإذاعات العالمية في أوروبا. عام 1974 فاز بالجائزة ألأولى من المجمع الموسيقي العربي في تونس لتقديمه معزوفة شرقية في قالب السماعي (مقام العشاق المصريين). وقاد أعماله الأوركسترالية في بودابست والكويت والأردن وفيلادلفيا. القى محاضرة مهمة لمناسبة ندوة الإنتاج الموسيقي اللبناني بعنوان “الموسيقى اللبنانية المعاصرة، ماضيها، وحاضرها، مستقبلها أو موقعها من الموسيقى العربية والعالمية” التي نظمها المعهد الموسيقي اللبناني. كما شارك في لجنة تحكيم برنامج “ستوديو الفن” في تلفزيون لبنان. له في الإذاعة اللبنانية أكثر من 170 لحنا لأهم المطربات والمطربين في لبنان والعالم العربي. لحن لنور الهدى (دلال الحبيب وموشح إبتهال)، ونجاح سلام (يا من على البعد أراه)، وسعاد محمد (من عيوني)، ووداد (أجمل ما في العمر)، وفدوى عبيد (موطني لبنان، ورقة بالهوا)، وزكية حمدان (الوردة حد الباب)، وسعاد هاشم (بلبل أسمر)، ولمعان (لما الفجر يطل)، ونازك (موشح يا جميل القد ، يا مدلل اسمر)، وسهام شماس (ساعة من العمر)، وحياة الغصيني (طل من الشباك)، وسامية كنعان (ع باب بيتو)، وهناء الصافي ( يا عين الضيعة). ولحن لنصري شمس الدين (يا أم الجدايل)، وعمر الزعني (اسكتش الثرثار)، وسمير يزبك (ولادي يا غنية ع شفافي)، وملحم بركات (غني غني يا شلال)، وإيلي شويري (رفرف يا حمام، طلوا الحبايب)، ومحمد مرعي (أبو الفوارس وأبو المراجل وع الأوف يا بو الميجانا)، ومحمد زين (يا من ضحكت له عيون)، وخليل المير (موشح أنا أهوى)، وحسن عبد النبي (وشاحها الأخضر)، وفؤاد زيدان (تصبر يا قلبي). ومن المؤلفات والمعزوفات: “صباح النور”، “عبرات”، “عودوا لنا”، “بيبلوس” (مملكة أحيرام) و”بلقيس” ( ملكة سبأ) و”مصرع أدونيس” (أوبرا)، “جواري شهريار”، “صبايا الحي”، “الريفيات”، “مين عذبك” (الرباعي الوتري الشرقي) “الكون العظيم”، مغناة “عشتروت” ومغناة “موت الإيمان”. من مؤلفاته في العلوم النظرية “نظرية الموسيقى العالمية”، “فن الهارموني للدراسات العليا”، “نظرية الموسيقى الشرقية”، و”فن تقابل الألحان”. بعض هذه المؤلفات لم يطبع. 

  في شهر آب 1977 أصيب عبد الغني شعبان بأزمة قلبية وقضى فيها ولم يتجاوز الخمسين. مضى على رحيله 45 عاما ويكاد أن يكون مجهولا ولم ينل ما يستحق من اعتبار وتقدير. وإنصافا للحقيقة وبحسب إبنه مصباح ، نفذ بعض أعماله الموسيقي الراحل وليد غلمية في الكونسرفتوار. ولكنه لم يحظ بدراسة أو أرشفة أو إعادة طبع لأبحاثه وكتبه، أو إعادة توزيع لأعماله كي تسمع من الجيل الجديد. من يرفع كل هذه الظلال والغبار عن العطاءات المبدعة وكل ذلك الظلم؟ ومن يوقف كل هذا الجحود والنكران؟

الكلمات الدالةالحكومة اللبنانيةالجامعة اللبنانيةموسيقىعبد الغني شعبان