الميغاسنتر


سمير عطاالله
النهار
24012018

قال عملاق الثورة ماو تسي تونغ لعملاق الأدب اندريه مالرو: “يجب أن تتعلم كيف تخوض الحرب، لكنها أسهل من السياسة في كل حال. ففي الحرب، كل ما عليك هو ان تحرز من الانتصارات عدداً أكبر من الهزائم. وعلى نحو ما فإن المسيرة الطويلة كانت تراجعاً، لكن النتائج جعلتها تبدو غزواً”.

السياسة مهنة مقلقة ومعقدة ومضيعة لوقت الدولة، لذلك، كان ديغول يتركها للحكومة، تصدر بياناً اسبوعياً في الشؤون اليومية، أما هو فيطل مرتين في السنة على الناس، في الربيع وفي الخريف، كي يطلع الأمة على قضايا الدولة، ويطمئنها الى حال الجمهورية.

تميّز فرنسا – وأوروبا – بين “السياسي” و “رجل الدولة”، لأن المواصفات المفروضة في الثاني نادرة وغير سهلة التوافر، في حين ان السياسة عمل يتعاطاه الجميع. رجل الدولة يعمل للدولة، السياسي يعمل لنفسه. الأول إرث ينتقل من جيل الى جيل، الثاني كلام ينتقل من موقع الى موقع.

تبين لنا من الحياة في فرنسا ان أي معاملة نضطر إليها، عائدة إلى “قانون نابوليون”، الذي استعجل الامبراطورية في خطأ مميت. لكن قوانينه لا تزال تنظم حياة مواطنيه “من المهد الى اللحد”. انتهت “الجمهورية الخامسة” يوم دخل جورج بومبيدو الاليزيه رئيساً، وعاد ديغول الى كولومبي معتزلاً. لكن أياً من خلفائه لم يمس
“الجمهورية الخامسة”. حتى فرنسوا ميتيران لم يفكر في ذلك. كل ما حاوله، ومن قبله بومبيدو، ان يثبت انه لم يكن اقل هياماً بالادب والفكر من مؤسسها.

أمور الدولة ثوابت مرجعية يُعاد إليها بصورة عفوية تلقائية، وخصوصاً عندما تضطرب السياسة وينفعل السياسيون وتهترىء بين اياديهم استخدامات الدستور. وفي كل دول الأرض الدستور هو الحل، أما هنا فقد تحوّل الى معضلة. وتوضع الدساتير والقوانين وتعديلاتها من أجل تحصين الطمأنينة في نفوس الناس، وخصوصاً عندما تكون الممارسة السياسية مثيرة للشبهات، والنيات هشة الصمود. هكذا، لا يعود لكل فريق دستوره وتفسيره، ولا يعود الدستور همّاً يومياً وسبباً للضغينة. الدستور مكان للالتقاء، لا حلبة للصراع.

الغموض في النصوص علاج موقت، كالمسكنات. وهو مثل عود الثقاب البالي الذي يمكن أن تشعله لفحة حارة في أي وقت. وفي بلد تختلف فيه – باستمرار – الرئاسات الثلاث، كيف يمكن البحث عن الاستقرار والاستثمار واعطاء صورة مطمئنة للخارج؟ هنا تتساوى ىنتائج الضعف مع محاذير القوة كما في المرسوم الشهير: أي توقيع الرئيس الحريري تضامناً مع رئيس الجمهورية غير ان يؤخذ في الاعتبار التوقيع الثالث. وسواء كان توقيع وزير المال الزامياً أم لا، فماذا كان ضرّ لو أضيف، ووفرنا على البلد كل هذه الأزمة، وعلى الرؤساء الثلاثة هذا المأزق؟.

ربما هذا حل “أبو ملحم”. لكن البديهيات أم العبقريات، والحلول البسيطة والمجدية لا تحتاج الى شوبنهاور. ففي النهاية تبسيط “أبو ملحم” هو تعاليم سقراط موزعة في كبسولات للبسطاء، والاستخدام اليومي.

قبل الحرب، كان “أبو ملحم” – ومعه “أم ملحم” – يطل علينا كل يوم ليعظنا حول الانفتاح والتسامح والوصايا العشر. ولم اكن من حضوره، ولا من حضور الست “أم ملحم”، وحكمة الخيط في الابرة، والقرش الابيض لليوم الأسود، بل كان معيباً على اهل “النخبة” ان يقروا بأنهم يحضرون “أبو ملحم”. نحن، كنا نصغي في المقابل الى مفكري الحرب، ومنظري القتل، وخطباء الثورة، وفلاسفة المتاريس، وشعراء الخنادق. وعندما بحثنا عن أفكار “أبو ملحم” بين الركام، وجدناها بين فتات الوطن.

اللعنة على الغموض. في جملة محدودياتي أنني حتى اليوم، لم أستطع أن أفهم شيئاً من قانون الانتخاب. فما لم أفهمه في نسبية اينشتاين، لن ألفهمه في نسبية الرميل والغلغول. وقد عودني العمر ألاّ اتوقع خيراً من القوانين ما دامت سوف تأتي بالحامولات نفسها.

ولا أنا فهمت شيئاً عما يقال عن الميغاسنتر التي نتصارع حولها. كل ما أعرف ان اللبنانيين سوف يقترعون في 6 ايار، الذي كان في زمن آخر، يوم تذكار الشهداء. وأما الميغاسنتر فسوف تترك لكي نحلم بها في زمن آتٍ، والله أعلم.

في غضون ذلك، أصبح اسم استونيا، في بلاد البلطيق، “إ إستونيا” أي جمهورية رقمية من مليون و 300 الف نسمة تستطيع فيها أن تقترع من “اللاب توب”، وأن تعترض من خلاله على ضبط المخالفة الذي حرر في سيارتك. وعندما تذهب الى الطبيب، لن يطرح عليك أي سؤال، كل ملفك عنده. فقط في الزواج يجب أن تظهر أمام القاضي لكي تؤكد انك تفعل ذلك بملء خيارك. كل معاملة اخرى، “أون لاين”!

وهنا، في الأرض التي كنا نسميها الصحراء، تحولت معاملات البلدية في دبي الى رقمية. ليس لكي تدلي بصوتك التفضيلي، بل لكي تسدد فاتورة الكهرباء وتستعير كتب المكتبة الوطنية.

قال عظيم الهند جواهر لال نهرو قبل نصف قرن: “إن العلوم والآلات أوجدت حضارة لم تكن قائمة ايام الثورة الفرنسية، وربما بعد مائة سنة سوف يغير العلم حياة الهند”. لم ينتظره العلم قرناً كاملاً، لقد غيرت العلوم هيكل الهند، ومعها الصين والكثير من آسيا.

فاتني أن أذكر ان تفسير القوانين في استونيا لا يحال على وزارة العدلية وهيئة التشريع، كل شيء في بطاقة هويتك الممغنطة، التي تصعب علينا حتى الآن. طلبتُ ان أقابل الدكتور فضلو خوري، لكي أتعرف الى اول رئيس لبناني للجامعة الاميركية في بيروت منذ قرن ونصف قرن.

عندما عدنا الى لبنان بعد الحرب، وكانت بيروت لا تزال مطفأة، تناولت العشاء عند نسيب لحود، في جو من الرقي، الموسيقى الكلاسيكية، والاصدقاء الكلاسيكيون. وكتبت يومها أن بيروت المعتمة عبارة عن جزر مضاءة.

يقع مكتب الدكتور فضلو خوري جغرافياً فوق منارة بيروت. لبنان منارات منارات. القطاع الخاص يقيم أهم جامعة أميركية خارج الولايات المتحدة، والسياسة تطفئ البلد، وتفقر الاساتذة، وتسحق التلاميذ. ولن يرد هذا الهول عن الأهالي ان يكون وزير التربية مروان حمادة الذي ما تولى وزارة إلا وأحسنها.

المأساة أن ضرر القطاع العام أخذ ينعكس على أداء القطاع الخاص بكل ثقله وجلافته. الأول ماض في الهدر، والثاني في الفقر. وإذ يتطلع الوف الطلاب الى يوم التخرج، يجدون ان ما من مكان يذهبون إليه، إلا إذا يمموا شطر “الصحراء”. إن الصورة التي نعطيها هي صورة بلد غير قادر على التفاهم حتى على قراءة قوانينه. بلد يدخل رئيس حكومته الى الاجتماع مع باراك اوباما، فيعلن وزراؤه استقالتهم بحيث يبدو منتحل صفة. حتى الهرطقة السياسية يفترض أن لها ادابها في سبيل صورة الاستمرارية وسمعتها.

في لقاء مع الرئيس سليم الحص، كان يشكو بمرارة شديدة من قرار متخذ، فقلت له لماذا لا تلغيه وترتاح. قال إن الالغاء سهل، لكن تبعاته قاسية. سوف يوحي الى الدول الأخرى أننا لا نحترم انفسنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*