“الموقف” ذلك “النهار”

صدر هذا العام كتابان بتوقيع إثنين من كبار الزملاء في “النهار”: “المهنة الآثمة” لجهاد الزين، والآن “من مزيارة الى واشنطن” لسركيس نعوم(1). كلاهما في باب السيرة الذاتية والمدة المديدة في المهنة. الأول، شيعي، جنوبي، من السيّاد وأهل الفقه والعرفان، والثاني، ماروني، شمالي، من طاحني الصخور في طلب العلم. الإثنان مرّا باليسار العربي والمجتمع المدني، يوم بدا هو البديل من التخلف الطائفي والغرائز العنصرية. كلاهما جاء إلى “النهار”، معه عروبته ويساره. ومعه قناعاته. ومعه حد كبير من الحرية الذاتية والمهنية. وفيها ازدادت الحريتان.

مذكرات سركيس، مثله، أكثر شغفاً بالتفاصيل وحرصاً عليها. خصوصاً ما هو متعلق بدفء السنوات الأولى من الحياة: الأب العامل حتى الضنى، والأم الزغرتاوية التي تقهر أميتها بالفطنة، وتنتقم بالحرص على تعليم الابناء. ومثل جميع العائلات المشابهة في المنشأ وفي الظروف، تنتقل في الديار اللبنانية من بيت الى بيت، وتهرب من حرب الى حرب، وتقهر الخوف بتغيير الامكنة، أما الزمان فواحد على الجميع.

الناشئون في بيئة تعبة، يميلون طوعاً إلى التمرد. في الجامعة اللبنانية انضم سركيس الى تنظيمات اليسار، واستأذن شفيعه في اهدن، مار سركيس، لكي يتزوج سنيّة من بيروت، لا تفهم كثيراً اللهجة الشمالية التي تغلب عليها “الاو” السريانية. بدأ سركيس العمل ادارياً في “دار الصياد”. ومثل جميع من دخلوا إليها وخرجوا منها، استقال لخلاف مع مديرها العام، بسام فريحة. والسبب دائماً اداري. المدير العام يخاف ان يتكاسل العاملون إذا نالوا رواتب مستحقة. كادت الدار تخرب من كرم سعيد فريحة واريحيته ورمي المال من النوافذ على المحتاجين والمتعبين والموهوبين. فلا بد من سياسة ادارية حازمة. انسوا سعيد فريحة.

جاء سركيس الى “النهار” من طريق مدير التحرير فرنسوا عقل. وكانت طريقته في الادارة الغاء كل راتب مجحف، أو غير لائق، واستبداله بالضعفين أحياناً، أو الثلث. وشملت اللائحة الجديدة التي قدمها الى غسان تويني – وشكره تويني عليها – كل عامل في “النهار” من رئيس التحرير، لويس الحاج، أو الاستاذ لويس، إلى عامل الهاتف.

كان هناك شيء آخر في”النهار”. كل محرر جمهورية. وممالك ممالك. وبعض الكتّاب مثل مارك رياشي، وكمال حاطوم، يرسلون مقالاتهم من الخارج مع “البلانطون”، ولا نراهم إلا في الاعياد. وميشال أبو جوده كان له ديوانه اليومي من عرب ومحليين. ومع لمعان “النهار” لمع كل شيء فيها. وصار الانتساب إليها حدثاً معنوياً ومستوى مادياً غير مألوف في الصحافة، مهنة الفقراء والمعثرين.

في هذا العالم الوسيع وغير المألوف صحافياً من قبل، كان لا بد من ضابط ايقاع. وكان غسان تويني غير مرئي. وضربَ الغرور في الشباب ضرباً أحمق. وصار كل منا يعتقد أنه غسان تويني آخر. ودارت الاحساد الصغيرة والكبيرة دوراتها. وساء سلوك البعض منا مع الناس في المجتمعات، وأخذ يتعالى على الشخصيات السياسية. وكثرت وتعددت الممالك والمسالك. ووقعت أحداث سيئة كادت تودي بالمؤسسة سببها البطر والغرور.

يمتدح سركيس في مذكراته “المدير” فرنسوا عقل. وهو في الصحافة من طبعة القديسين. لكن “النهار” لم تكن كلها من القديسين، ولا من المبدعين، ولا من الموهوبين. فإلى جانب هؤلاء، كان الذين يأخذون من وهج المؤسسة من غير ان يعطوها شيئاً على مر السنين. لكن غسان تويني لم يفكر يوماً في معاتبة، أو محاسبة، أحد. وكان أكثر من يضحك للقول الحامض في البلد، ان جريدة الروم تقوم على اكتاف الموارنة. وفي أي حال، أمطري حيث تشائين، فإن خراجك عندي.

سركيس نعوم كان أحد الموارنة الذين تحولوا إلى ركن من أركان “النهار”. وصار “الموقف” مرجعاً للبنانيين والعرب، يستدركون ما جرى، ويستقرئون ما سوف يجري. ومن المفاجئ – لي على الأقل – ان أعرف من مذكراته اليوم، أن علاقاته مع “الاستاذ” مرت في مرارات عدة. وهو يتوقف بمحبة عند جبران تويني، ومن ثم بالمزيد من المرارة الى الحفيدة نايلة. لكن ألا يلحظ الزميل الكبير أن خطاً واحداً يجمع بين هذه الأروقة: تلك الحرية الحقيقية التي يقبلها التوينيون لسواهم كما يطلبونها لأنفسهم؟

من اجلها، الحرية، دخل غسان تويني السجون عبر العهود. وبسببها قتل جبران تويني. ومن أجلها حوصرت “النهار” في حياتها ومُنِع على ذوي المتوفين من النعي في “النهار”. لكن المهم في شهادة سركيس أنها صادقة، كما هو حاله في بقية المذكرات. وهذا رأيه، وتلك حريته.

كنت أتمنى أن أعرض مع سركيس الأقسام الأخرى من مذكراته، خصوصاً مراحل الحرب والسياسة ومواقفه، وأحياناً، أدواره فيها. فلست اشك لحظة في موضوعية كل كلمة. وأنا لا أكتفي بمقالته لكي أستنير، ولا بمقابلاته، بل غالباً ما أطلب رأيه في قراراتي الشخصية.

لذلك، سمحت لنفسي بالنقاش في موضوع غسان تويني. هو يصر – عن حق – على انه بشري له نقاط ضعفه ويغار ويثأر، ونحن نصر على أنه كان عملاقاً في الحياة وفي المهنة وفي السياسة. لكل منا تجربته ومعرفته بالرجل الذي نقل الصحافة اللبنانية – ولبنان – الى أعلى مستوى عربي عرفته. وصار ذكر “النهار” الصادرة في بلد صغير مثل ذكر “الاهرام” في مصر.

كان خلف تلك المرحلة مجموعة رجال وعناصر ورائد واحد. إلى هذه “النهار” جاء محمد حسنين هيكل العام 1974 ليصدر كتابه “عبد الناصر والعالم” الذي تسنت لي ترجمته. بعد مصر و”الاهرام”، لبنان و”النهار”. ماذا يهم ان يكون غسان تويني لا يحتمل فؤاد بطرس؟ الكبار لهم أيضاً هامش الضعف والخطأ. فؤاد بطرس لم يكن يحتمل ثلاثة أرباع اللبنانيين. تلك عادة طبائع الكبار. وأكابر الروم يعتقدون أن قصر بسترس ملحق بالمنزل العائلي. أو بالطابق التاسع في “النهار”. لكن فؤاد بطرس كان أقرب في حي السراسقة.

(1) من مزيارة الى واشنطن، عن دار بيسان للنشر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*