الرئيسية / home slide / الموسيقي العالمي ابراهيم معلوف لـ”النهار”: “لبناننا يحتاج إلينا الآن أكثر من أي وقت”

الموسيقي العالمي ابراهيم معلوف لـ”النهار”: “لبناننا يحتاج إلينا الآن أكثر من أي وقت”

ثلاثة عشر ألبوماً، أكثر من ستين تعاوناً، وتوقيع الموسيقى التصويرية في عدد كبير من الأفلام. يملك ابراهيم معلوف رصيداً موسيقياً كبيراً وهو لا يزال في سن التاسعة والثلاثين. يعزف على الترومبيت مذ كان في السابعة من عمره، وقد تعلّم مع مرور الوقت تطويع هذه الآلة الموسيقية. يقيم في باريس حيث أمضى فترة الحجر المنزلي، وقد وافق على إجراء مقابلة مع “النهار” عبر الهاتف ليقدّم شهادة على تعلّقه بلبنان حيث أبصر النور، فلبنان هو وطن جدّه، الشاعر رشدي معلوف، ووطن والدَيه الموسيقيَّين نسيم وندى، ونسيبه الكاتب أمين معلوف. يستمد من أصوله اللبنانية الإلهام الإبداعي والأدبي والفني. يُسرّ إلينا في حديثه عن عائلته: “كان إرث جدّي رشدي معلوف، من خلال قصائده ومقالاته الشهيرة التي كان الجميع يُقبل بنهمٍ على قراءتها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، مصدر إلهام لي في طفولتي، لكنني استوحيت أيضاً من المسار الرائع لوالدي الذي طوّر مسيرته المهنية في عزف الموسيقى الكلاسيكية منطلِقاً من قريته الصغيرة نحو العالم”. ابراهيم من مواليد عام 1980 في بيروت، وقد أتيحت له فرصة متابعة دروسه في فرنسا التي قصدها مع أسرته تجنّباً للحرب وأهوالها. وعن تلك المرحلة يروي قائلاً: “كنا نمضي ثلاثة أشهر تقريباً في لبنان، وفي الأشهر الأخرى، كنت أتابع دراستي في فرنسا. إذاً بقيت بمنأى عن الحرب بصورة أساسية. لكنها مترسّخة في تركيبتي الجينية، وهذا الأمر ساهم في تعزيز تعلّقي ببلادي. نشأت وتلقّيت تحصيلي العلمي كاملاً في فرنسا، ومع ذلك أتكلّم اللهجة اللبنانية قليلاً، وأفهمها عندما يخاطبني أحدٌ بها، ولكنني لا أجيد التعبير عن نفسي باللغة العربية”. كان لبنان حاضراً في كنف عائلته في فرنسا، على مقربة من العاصمة باريس، حيث عاش طفولته ونشأ على حب الموسيقى التي أدرك أهميتها منذ نعومة أظفاره. يروي لنا ذكرياته عن تلك الحقبة والدور الذي أدته أسرته من خلال “خلق لبنان مصغّر، بما يتيح لنا الحفاظ على هويتنا، مع العيش والاندماج في الوقت نفسه في المجتمع الغربي الذي يختلف كثيراً عن المجتمع اللبناني. ترعرعت في كنف عائلة أولتني رعاية كبيرة. كان والداي موسيقيَّين، وقد عشت طفولتي على إيقاع الموسيقى. في الأوقات الصعبة كما في لحظات السعادة، الموسيقى هي التي كانت على الدوام الرفيقة الأمينة والوفيّة لمحطات طفولتي وحياتي. كنت طفلاً ظريفاً، دائم الابتسامة، إيجابياً ومتمرداً، إنما مهذّب وأعامل الآخرين باحترام. كنت تلميذاً جدّياً في المدرسة لكنني كنت أعاني في البداية من قصور في اللغة الفرنسية لأننا كنا نتكلم اللهجة اللبنانية عند قدومنا إلى فرنسا، وكان الأمر معقّداً جداً في البداية. ولكنني تمكّنت من التعويض لاحقاً. وكنت تلميذاً جيداً في المرحلة الثانوية”.

عندما سألته لماذا اختار آلة الترومبيت مفضِّلاً إياها على الآلات الموسيقية الأخرى، كان جوابه: “الترومبيت هي إرثي، إنه الإرث الذي قدّمه إليّ والدي. ولذلك أعتني جيداً بهذا الكنز الذي جعلتُ منه الأساس الذي تتمحور حياتي حوله. كان عمري سبع سنوات عندما عزفت للمرة الاولى على هذه الآلة. طلبتُ من والدي أن أعزف عليها عندما كنت في سنّ أصغر، لكنه لم يقبل. ثم وافق عندما بلغت السابعة من عمري. ومنذ ذلك الوقت، لم أتوقّف عن العزف عليها”، علماً بأن ابراهيم معلوف يعزف أيضاً على البيانو وآلات النقر والكيبورد! عندما وصل والده إلى فرنسا في عام 1965، كان هدفه عزف الموسيقى العربية على الترومبيت، وأراد في الوقت نفسه أن يتعلّم عزف الموسيقى الغربية. وقد تلقّى دروساً على يد موريس أندره، أعظم عازف منفرد في العالم، في المعهد الوطني العالي للموسيقى في باريس الذي التحق به ابراهيم معلوف بعد 40 عاماً وتمكّن بفضله من تحقيق حلمه.

كان مساره معقّداً إلى حد ما. في البداية، علّمه والده الموسيقى الكلاسيكية العربية والغربية، ما أتاح له دخول المعهد الوطني العالي للموسيقى في باريس الذي يُعتبَر المدرسة الأعرق للموسيقى في العالم، ومنحه ذلك أيضاً ميزة فريدة من نوعها تتمثّل في عزفه الموسيقى العربية بواسطة آلة الترومبيت، وكان والده أول من ابتكر هذا العزف بفضل الآلة التي اخترعها، وهي عبارة عن ترومبيت مجهّزة بربع الصوت. عن هذه التجربة، يقول ابراهيم معلوف: “عندما كبرت وبعدما فزت في أكبر المسابقات للموسيقى الكلاسيكية، شعرت بأن القيّمين على هذا النوع من الموسيقى لا يروقهم أن يكون شخصٌ عربي ممثِّلاً عن الموسيقى الكلاسيكية. كانت هناك نزعة محافظة شديدة. لقد ناضلتُ طويلاً، لكنني استسلمت في نهاية المطاف. ثم فُتِحت أمامي عوالم موسيقية أخرى. الجاز، البوب، أنواع موسيقية أكثر تحرراً… وبفضل ذلك كله، تسنّت لي فرصة القيام بلقاءات رائعة، وأشعر اليوم بأنني قادر على النطق بلغات موسيقية كثيرة ومختلفة جداً”.

خلال الحديث، أردت أن أطرح على ابراهيم معلوف أسئلة أكثر عمقاً عن لبنان، وأترك لكم أن تستكشفوا أجوبته المفعمة فرحاً وبساطة.

ما هو رأيكم بالوضع الراهن في لبنان؟ وما هي الرسالة التي توجّهونها إلى اللبنانيين، لا سيما إلى أولئك الذين يرغبون في الهجرة وبناء حياة جديدة في الخارج؟ كيف تشعرون بانتمائكم اللبناني؟ وماذا يمثّل لبنان لكم؟

لبنان هو قلبي. أينما ذهبت، لديّ قلبٌ واحد لا ثاني له. إذا رحلتم، لا تنسوا أبداً أين هو قلبكم. هذا هو المهم. لبنان يعاني، وقلبي أيضاً يعاني. إنه مريض. أساعده قدر استطاعتي. الرسالة التي أوجّهها إلى القرّاء هي أن الرحيل ليس هو المشكلة. ينبغي عليكم خصوصاً أن تفكّروا في العودة. إذا لم تعودوا، فهذه مشكلة. ليس المقصود أن الرحيل ليس أمراً جيداً، لأنه قد يعني الرغبة في امتلاك قوة أكبر، وفي تقديم المساعدة والمعرفة والخبرات، وفي إغناء القلب والروح. ولكن مَن يرحل بدون عودة هو كمَن يهجر قلبه وذويه وأولاده. إنه هروب ومحاولة للتحوّل إلى شخص آخر. وهذا مشروع عقيم حكماً. لبناننا يحتاج إلينا الآن أكثر من أي وقت مضى.

ما هي مشاريعكم لعامَي 2020 و2021؟ هل تفكّرون في التعبير عن أفكاركم بشأن هذه الأزمة الصحية العالمية من خلال الموسيقى؟ أيّ أهمية تكتسبها الموسيقى بالنسبة إليكم؟ وهل يمكن أن تساهم في تحريرنا؟

لقد عبّر جميع الفنانين في العالم، وغير الفنانين أيضاً، عن هواجسهم ومخاوفهم بإزاء هذه الأزمة وأثرها الحالي والتداعيات التي قد تترتب عنها في المستقبل. لا شك في أن الموسيقى هي واحدٌ من أروع مصادر الوحي لبناء عالمٍ أفضل، لأنها تهدّئ المزاج وتحفّز وتُلهِم من خلال طابعها الوجداني، وتنقل المرء إلى أجواء مختلفة. والحرّية التي تمنحنا إياها الموسيقى تتجاوز الخيال، ولهذا السبب تثير الخشية أحياناً. ينبغي الإفادة من الموسيقى إلى أقصى الحدود، ويجب الابتكار ثم الابتكار. هذا ما أنوي فعله في الأعوام 2020 و2021 و2022، ولن أتوقّف عن القيام به طالما حييت!

ترجمة نسرين ناضر