الرئيسية / home slide / الموت الرحيم مع نصرالله

الموت الرحيم مع نصرالله


يوسف بزي
الإثنين01/06/2020
Almodon.com

حاولنا مقاومة هذا “القدر” وجبروته من غير طائل (الأرشيف، موقع “المنار”)

إذا كانت فاتورة حرب أهلية جديدة لا أحد يرغبها ولا أحد قادر على تسديدها، فإن فاتورة التعايش القسري مع حزب الله باتت غير محتملة. والحزب يمنع علينا سوى هذين الخيارين.

لم يترك هذا الحزب مجالاً لتسوية وطنية شاملة إلا وسدّه. نقْلُ “المقاومة” من وسيلة لتحرير الأرض إلى أيديولوجيا حكم على مثال الثورة الدائمة أو الحرب الأبدية حتى قيام الساعة، يعدم وجود الدولة نفسها ويعطب الحياة الوطنية وأسسها. مصادرة المصير والقرار تنهي السياسة نفسها ومؤسساتها الدستورية. فلا الحكومة حكومة ولا مجلس النواب مجلساً. ورغم استمرار آليات الديموقراطية إلا أنها باتت مسلوبة الإرادة بالعامل الأشد حسماً من صندوق الاقتراع: السلاح. واستعراض فائض القوة في أي سجال أو منازعة سياسية.

انتقل لبنان من الأسبقية المارونية، إلى صيغة المناصفة الإسلامية المسيحية. وهذه الأخيرة رغم اتسامها بأرجحية سنّية، لم تخرج عن لاهوت “الصيغة” المكرسة عام 1943. بل لم تسعَ (أيديولوجياً) إلا لإعادة إحياء التصوّر الماروني لهذا الكيان. فلم يخرج مشروع رفيق الحريري عن لبنان المتخيل الذي صاغته الأدبيات المسيحية وأفكارها السياسية المؤسسة للبنان. لكن هذه التجربة – الحقبة كانت معتلّة بالاحتلال الأسدي الذي انتهج سياسة واحدة تقريباً: إجهاض هذا المشروع وتخريبه (عدم تطبيق الطائف). وهذا ما أدى في نهاية المطاف إلى جريمة 2005 التي وضعت حداً نهائياً للبنان الماروني – السنّي.

هكذا، سيدشن العام 2006، حقبة لبنان بقيادة “الشيعية السياسية”. زمن حزب الله تحديداً.

15عاماً تقريباً ولبنان حزب الله بات بعيداً أكثر مما نتصور عن “لبناننا” الذي وإن كان مفعماً بالتباسات تعريفه، إلا أنه يبقى قابلاً لتحديد هويته مقابل هذا الـ”لبنان” الذي صنعه حسن نصرالله بجدارة مخيفة وفعّالة.

إزاء ذلك، حاولنا مقاومة هذا “القدر” وجبروته، منذ يوم 8 آذار 2005 المكلل بـ”شكراً سوريا”، ثم في “حيلة” الحلف الرباعي في أيار 2005 التي لم تصل إلى تسوية ولا أوقفت الاغتيالات، وصولاً إلى خريف 2006 الذي دشن الانقلاب المديد على الجمهورية والمتوّج بأيار 2008 وما تلاه من تكريس للغلبة في “اتفاق الدوحة” دفناً مخزياً لاتفاق الطائف.

ثم كانت المحاولة الأصعب والمصيرية مع اندلاع الثورة السورية. لقد كان توريط لبنان بجيش حزب الله في الحرب الظالمة على الشعب السوري، الخطوة الكبرى والأخيرة لتأسيس ما أسميناه “لبنان حسن نصرالله”، الذي لايمكنه إطلاقاً أن يكون البلد المنفتح على العالم ولا المتصل بنظامه المصرفي والاقتصادي ولا المنسجم مع عالمه العربي ولا المتوائم مع المجتمع الدولي. والأهم لن يكون بلد الحريات والتعدد والوعد الديموقراطي وسجال الأفكار والتعليم الحديث والقيم الليبرالية ولا أرض “رسالة” أو “اعتدال” (حسب رطانة دارجة). إنه لبنان آخر تماماً.

كانت هزيمة مقاومتنا في مقابل سلسلة “الانتصارات” الماحقة اكتملت في العام 2016. وكان علينا وحسب التعايش مع هذا الـ”لبنان الجديد”، الذي حدده نصرالله بعبارة “التوجه شرقاً”، ونرى علاماته ومعالمه ونختبر يومياته وحوادثه راهناً.

ما يقترحه حزب الله وقائده أن يلتحق لبنان بهذه الـ”سوريا الخراب” التي نراها الآن، وبالعراق المتهالك فقراً ورثاثة رغم ثرواته، وباليمن في هوة الحروب والجوع والأمراض والبؤس اليومي، وبغزة اليأس والحصار، وبإيران الديكتاتورية الدينية المخنوقة بحرسها من الداخل وبعقوبات الخارج.

لسنا مؤهلين لمقاومته، ولسنا راغبين ولا قادرين على أي حرب أهلية أو نزاع عنيف. وممنوع علينا بفائض السلاح أن نقترح أي شيء آخر سوى الرضوخ والتعايش القسري. هذا قدرنا إلى أمد بعيد. وأفضل ما يمكن أن نقترحه في هذه الحال هو مطالبة الحزب أن يكون حاكماً في الواجهة. حزباً وحيداً في السلطة. أن ينفذ برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بلا مواربة ولا مسايرة. فنتخلى عن أوهامنا ونعطه هذه “الفرصة”.. حتى ولو كان ذلك – لوقف ألمنا ومعاناتنا – أشبه بقرار “الموت الرحيم”.