الرئيسية / مقالات / المواطن والخروف !

المواطن والخروف !

كانت آخر حكومة شكلها الرئيس الحص عام ١٩٩٨تدرس الموازنة، وخرج الوزير عصام نعمان وقال للصحافيين إننا ندرس موازنة تقشف ومن مؤشرات هذا التقشف أننا تغدينا ساندويتش، أما زميلنا محمد يوسف بيضون فقرر التقشف بترشيق نفسه!

ظريف جداً، وكل التحيات الى الرئيس الحص وحكومته آنذاك، ولكن منذ ذلك الوقت وقبله طبعاً، ومعظم أهل السياسة يحرصون على عدم “ترشيق أنفسهم” ولهذا يمضون في الأكل، ولقد أكلوا كل شيء ولم يعد هناك سوى ان يبدأوا بأكل المواطنين، بإعتبار أننا نحن الذين قبلنا ونقبل بأن نكون خواريف وجلدة على عظمة!

يوم الجمعة خرج وزير الاعلام من إجتماع درس الموازنة التقشفية التي تكاد ان تفجّر البلد، ليقول “إن بند الرواتب وُضع جانباً في إنتظار البنود الأخرى، فهناك إقتراحات من الوزراء تزيد الدخل وتخفّض النفقات”! لا داعي الى السؤال عن هذه الإقتراحات، لكن من الضروري التوقف ملياً عند قوله “وضعنا الرواتب جانباً ” بإعتبار ان التوجّه لملء برميل الموازنة المثقوب، كان كالعادة يذهب مباشرة الى رواتب الموظفين، وعلى رغم أحقية معظمهم، جعلت سياسة المحاصصة الدولة واحدة من بوسطات القاهرة تتسع لخمسين ويركبها خمسمئة!

حديث الوزير الصديق يوسف فنيانوس عن أنه تم الإتفاق على خفض ٢٠٪ من موازنات كل الوزارات، يعني ان على أصحاب المعالي ان يذهبوا بمقصاتهم الى تشحيل الهيشة، ففي البلد أكثر من ٣٢٠ ألف موظف، وليس من السهل على أي من الوزراء ان يعرف ماعنده من مصالح ودوائر ومجالس وموظفين لهم أعمالهم ومكاتبهم ووظائفهم، ومن مدحوشين دحشاً، يوقع شهرياً على جداول رواتبهم وساعاتهم الإضافية، لا يعرفون أين تقع الوزارة وماذا تعمل ويعملون!

خفض الموازنات يتطلب فحصاً وتدقيقاً، وتقريراً في من يجب إلقاؤه عن سطح البوسطة وفي من يعمل دعساً تحت الأقدام وسط هذا الإزدحام، والأمر ليس سهلاً لأننا في بلد “كل عنزة معلقة بكرعوبها” أي بمرجعيتها الطائفية والمذهبية، ولهذا فإن المرجح ان تطول دراسة قواعد هذا الخفض!

طبعاً خفض الموازنات لا يتوقف على الموظفين، بل يجب تسكير المؤسسات والجمعيات والمعاهد والمخصصات الخيرية والنشاطات الإنعاشية المزعومة، واقفال المدارس المجانية الخاصة، التي يذهب إليها أبناء أساتذة يعملون في المدارس الرسمية، وبعضهم لا يعلّم لأنه لم يتعلّم أصلاً!

إنجاز آخر يستحق التصفيق هو الإعلان عن إلغاء ٥٠٠ خط خليوي مجاني مع [ruming]، وعلى رغم كل هذه “الإنجازات الهائلة”، لم نسمع حتى الآن شيئاً يفش الخلق مثلاً عن أكثر من١٨٠٠ كسارة ومرملة تنهش جبال لبنان وطرقاته وبيئته، ولا تخضع للقوانين، ولا تدفع ما يتوجب عليها. وللعلم الكسارة الصغيرة يقال إنها تنتج بحصاً بقيمة ٧٥ ألف دولار يومياً!

لم ولن نسمع شيئاً عن ان لها كما يتردد مجلساً وطنياً بمكاتب ورواتب، ربما لأنها مثل المواطن تحظى هي أيضاً بالغطاء الطائفي والمذهبي والسياسي، كما لم نسمع على رغم كل الضجيج عن التهرب الضريبي، عن مهرّب ومخرّب وفاسد اعتقل وأرسل الى القضاء! ولكن نسمع عن الأكل الماشي سندويتشات عام ١٩٩٨ وغير سندويتشات وحسابات بالمليارات طبعاً قبل ذلك التاريخ وبعده، ولكن إبشروا إنهم يعملون على موازنة رشيقة لن تعتقل لصاً واحداً، لأن بيت الخالة لا يتسع لكل هؤلاء اللصوص!

اضف رد