الرئيسية / مقالات / المنقوشة والمرج والامبراطور

المنقوشة والمرج والامبراطور

في كتابه “قاموس حب لبنان”(1) يشير اليها الكسندر نجار باسم التحبب “منؤشة” لكي لا تضع قاف الفصحى مسافة بينها وبين جماهيرها: “وجبة الفقير والغني، الكبار والصغار. غذاء ديموقراطي كما لا شيء آخر”.

وروى أمين معلوف في مقابلة مع “أو تي في” أنه عندما أدرك ان الهجرة حُسمت كمصير، شعر بأن الشيء الذي سيفتقده اكثر من سواه هو فطيرة الصعتر، تلك النبتة البرية المجانية التي تنادي الناس الى قطافها. وقد نسبت اسرائيل الى نفسها الكثير من ثقافاتنا الحضارية التي شاعت في الغرب، كالفلافل والحمص، لكن عندما وصل الأمر إلى الصعتر اطلقنا النفير العام. إياكم وفطورنا المقدس.

في الصباح ترى المئات من الناس ذاهبين الى اعمالهم وهم يتناولون منقوشتهم على عجل. اسهل وارخص واطيب تحضير في الكون. وفوق ذلك فهي تحفّز ذاكرة الأطفال في المدارس. وتُغني عن البيض والحليب والزبدة، وما لا تستطيع العائلات البسيطة شراءه.

لم يأتِ شرح هذه “الديليس” في الخطة التاريخية التي قدمتها حكومة الدكتور حسان دياب للجمهورية، ولا في آخر مؤتمرات حاكم مصرف لبنان، الذي كرر في وجوهنا جميعاً ان ودائع الناس في أمان.

بعد ثلاثين أو عشرين أو عشرة اعوام (اختر ما يناسب قناعتك)، وصل بنا الحال الى ابتسامة الصباح، الى المنقوشة. تعتذر لك البائعة وهي تقول إنها لم تعد بألف، أصبحت بأربعة آلاف. مثلها مثل الدولار. أما وزير الاقتصاد، ففي يوم تاريخي مثل هذا اليوم، حدد بشكل قاطع سعر ربطة الخبز، حيث تجدها. وسعر البنزين، وسعر المازوت، وسعر التونة والسردين. الكماليات لا اسعار لها. حلوى ولحوم وطق حنك.

آهٍ مما وصلنا إليه. ذكَّرنا أيار، المصادف هذا العام رمضان وشهر مريم بنت عمران، وشهر الشهداء الألى، بأن لا شيء نحتفي به. حتى الربيع جاء غائماً ومبلّلاً ولياليه برق تافه يشتعل ولا يضيء.

أي مذلةٍ في أن المنقوشة قضية؟ كانت توازي، في بيوت كثيرة، تحية صباح الخير. فمن المسؤول عن كل هذا القهر والأسى والعزلة السياسية غير المسبوقة؟ الصيارفة يا مولاي. والآن وقد دكّتهم الحكومة في الحبس، سوف يعود الدولار بألف وخمسمئة، والمنقوشة بألف.

الآن نحن ذاهبون الى صندوق النقد الدولي. أو بالأحرى هو آتٍ إلينا لكي يستطلع امكانية قبولنا بالاقتراض منه. وسوف يرى في مواجهته جبلاً أشمّ ونفساً أبيَّة وآلاف الناس الذين خفّضوا استهلاكهم للأدوية والعلاج إلا المسكّنات، وسوف يجد أن وزير الاقتصاد، بكل عناد وشهامة وعِلم، حدد سعر ربطة الخبز، وان أهم صرح علمي في تاريخ لبنان والشرق الأوسط، مهدد، للمرة الأولى منذ قيامه قبل 150 عاماً.

الخوف على الجامعة الاميركية، وسعر فطيرة الصعتر، علامتان لحالة واحدة وزمن واحد. أما مَن المسؤول، فهذا آخر همّ الأب الذي يخشى ألّا تكون غداً جامعة اميركية لأبنائه، أو ذلك الأب الآخر الذي صار يخاف حتى على عدم العثور على أربعة آلاف ليرة. وكل ذلك وما من مسؤول. إنها مجرد “ثغرة مالية”. كل ما أنت فيه هو “ثغرة مالية”. والجميع يعدك بأن لا “هيركات” ولا “كابيتال كونترول” ولا ضربة سخنة. وأيضاً لا امكانية لك ان تسحب من مالك ثمن تذكرة سفر.

في مرور عام على تسلم امبراطور اليابان، كتب كبير مراسلي “التايمس”(2) في آسيا تحقيقاً عن الحياة التي يعيشها الامبراطور: قصر من 1,100 كيلومتر مربع، عبارة عن مكاتب وحدائق بسيطة. وتسكن العائلة الامبراطورية في فيلّا على البحر، وبيت جبلي. وتبلغ تكاليف العناية بالحياة الامبراطورية نحو 3 ملايين دولار في السنة. لكن الامبراطور والامبراطورة لا يملكان مقعداً أو صحناً أو مقلاة في القصر. ولا يقومان بأي نشاطات اجتماعية خشية عدم العدل بين الناس.

لا ضرورة للاسماء لأننا لن نفهم منها الكثير. لكن الامبراطور الحالي هو ناروهيتو ابن اكيهيتو وحفيد هيروهيتو. الثلاثة كانت لهم هواية العناية بالحدائق. توقفتُ عند حدث واحد. كان هيروهيتو يحب لعبة الغولف. وقد أمر ببناء ملعب خاص لأنه لا يستطيع الخروج من نطاق القصر. وفيما هو يتفقد المكان لاحظ نمو زهرة من نوع جديد. انتهى. لا ملاعب غولف لصاحب الشمس الساطعة. فليبقَ المكان مرجاً.

مرج بسري في حاجة الى امبراطور يعرف معنى الزهر والشجر وبيئة الحياة. وفي حاجة الى دولة تطرح مثل هذه القضية البيئية على النقاش. واولاً على اهل المنطقة المعنيين بمثل هذا التغيير البيئي الهائل. وليس من الضروري ابداً أن يختاروا الرفض أو القبول. لكنها أرضهم وديارهم وحياتهم، وليست اقتطاعاً آخر لأصحاب الاختصاص في تصحير لبنان وإبادة هوائه.

ثمة أولويات أخرى. يستطيع لبنان ان يعيش من دون سد بسري كما عاش آلاف السنين. لكن سعر المنقوشة قضية طارئة ومذلّة جديدة. وفقاً لجميع الاحصاءات الرسمية وأرقام وزارة المال، نحن في كارثة معيشية لم نعرف لها مثيل، كما يكرر الدكتور حسان دياب، ولسنا في “ثغرة مالية”. هذا سد تفجّر في وجه اللبنانيين ومستقبلهم وحاضرهم ومكانتهم في هذا العالم. فعلى الأقل دعونا نناقش ما نحن فيه، علماً أن بعض بوادر التفاؤل بدأت، والحمد لله، بالظهور مع ظهور البلاغ الذي ارسله الينا السيد بهاء الدين الحريري من مقر اقامته الدائم في سويسرا (الغرب، وليس الشرق). تذكرنا سعادته، تذكر “القوم” الذين تطاحنوا فوق نعش رفيق الحريري. وقد مضى على هؤلاء “القوم” نحو عقد ونيّف لا يسمعون عن، أو من، راعيهم.

محزن ان تكون كل الاخبار محزنة، وألَّا تراعى حتى في رمضان، روح العائلة ولو في المظاهر. لا شيء يستحق هذه الجلبات، هنا وهناك. نصف الناس بلا عمل. وجميع الناس أذلّاء مهانون يستعطون ودائعهم وأمانات اولادهم، بالإذن من دوستويفسكي. كثيرة، على شعب واحد، كل هذه الأحمال. ووجهاء القوم همّهم الرئاسات وسد “الثغرة المالية” التي يسميها رئيس الحكومة “ثقباً اسود”. خطر الزوال.

(1) Dictionnaire Amoureux du Liban, Alexandre Najjar,

(2) London Review of Books, 19 March, 2020

Twitter: @Samir_N_Atallah

اضف رد