الرئيسية / home slide / المناهج الجديدة بين التسرّع والأحكام المسبقة… دعوة من “النهار” إلى نقاش مفتوح حولها

المناهج الجديدة بين التسرّع والأحكام المسبقة… دعوة من “النهار” إلى نقاش مفتوح حولها

11-04-2022 | 00:35 المصدر: “النهار”

غسان حجار @ghassanhajjar

من داخل أحد الصفوف (نبيل اسماعيل).

يحتار ال#لبنانيّون على ماذا يختلفون. لكن الأمر في حقيقته أنهم تباعدوا كثيراً، وأن حجم الخلاف والاختلاف في ما بينهم زاد على حدّه، بعدما تبدلت هوية البلد، ولم يجد بعد هوية بديلة يستقر عليها، بل صار أسير “هويات قاتلة”، وفق أمين معلوف.

مناسبة هذا الكلام المناهج الجديدة التي تعدّها وزارة التربية، عبر المركز التربوي للبحوث والانماء (شكلاً)، والتي بدأت تُثير نقاشاً غير صحّي، على عكس ما يجب أن يكون، في قضية وطنيّة حساسة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمستقبل، لأنّ النظام التربوي هو المستقبل في عينه، مستقبل الأجيال، من خلال الفكر، والانفتاح، والعلوم على انواعها، والتربية بتشعباتها، وصولاً إلى الهوية والكيان، والدور اللبناني.

لست دكتوراً في التربية، ولا في المناهج، بل متابع من موقعي الصحافي، مطّلع على بعض ما يدور في الكواليس، وعلى المسار التربوي مذ تسلّمت المهمة في جريدتي قبل أعوام كثيرة، وقبل أن أتركها إلى مهمّة أخرى.

أقرأ اليوم عن مناهج جديدة، يستعجل القيّمون على إعدادها، إتمام العمل قبل منتصف الشهر الجاري لاشتراط الجهة المموِّلة إنهاء العقد القديم الممدَّد أو يسقط التمويل، ما يعني أنّ التمويل صار جزءاً أساسيّاً أو عاملاً محركاً لهدف مستعجل، ما يقتضي، غالباً، “سلق” العمل كما حصل في المناهج السابقة، المعتمَدة الى اليوم، العام 1997، عندما أراد الرئيس الياس الهراوي الاحتفاء بها قبل نهاية عهده، فسرّع إنجازها قبل ان تختمر في النفوس والنصوص.
اليوم يدور جدل جديد حول المناهج، قديمها وجديدها، وعمّا إذا كان لبنان أجرى مراجعة علميّة دقيقة وتقويماً معمّقاً للمناهج القديمة لينطلق إلى مشروع جديد، أو إذا كان أفاد من عملية تقويم اشرف عليها الدكتور عدنان الأمين، على ما أذكر، وبرعاية مكتب اليونسكو، أم أنه يريد أن يسجّل إنجازاً، ولو شكليّاً، يحاكي الواقع من قرب، ولا يدخل إلى أعماقه، أو ربّما يستعجل لبنان الافادة من القرض بالعملة الصعبة لتحقيق منافع لبعض القيّمين على المشروع ليس أكثر؟

الأسئلة كلّها مشروعة، بل واجبة، لأنّ كل نقاش في هذه الملفّات، مفيد في تحقيق مصلحة وطنيّة عليا، إذ إن إصدار مناهج جديدة ليس بالأمر السهل، ولا هو ممكن كل سنة، أو كل فترة زمنية، في بلد معقّد مثل لبنان، لم يتمكّن من إصدار كتاب للتاريخ منذ نحو ربع قرن، علماً أن لا حاجة الى كتاب تاريخ موحّد، ما دام تاريخ اللبنانيين غير موحّد، والنظرة إلى الأحداث غير متقاربة، ولن يكون ممكناً توحيدها أو تقريبها في كتاب.

العاملون على إصدار المناهج الجديدة ربما يكونون على حق في الدفاع عن عملهم، لأنّهم يبذلون جهوداً لتحقيق ما يعتبرونه الأفضل، ولهم الحق في عرض وجهات نظرهم وأفكارهم وطروحاتهم، والدفاع عنها، ولهم حق على الإعلام لنشر هذه الآراء، كما فعلنا في “النهار”، لإثارة النقاش العلمي، الرصين، والذي يؤدّي في أحيان كثيرة إلى إدخال تعديلات جوهريّة على الخطط الموضوعة وعلى مسارات العمل، بعد الكشف عن أخطاء ربّما تكون جوهريّة. وكل ذلك قبل اتخاذ موقف مرحِّب أو عدائي منها. ويحتاج الامر الى تدقيق وتحقيق في ما يقوله هؤلاء القيّمون لأنهم أصحاب مصالح في عملهم.

والمنتقدون للمشروع ربّما يكونون على حق، ولو أن بعضهم خسر باكراً جولة في عدم القدرة على قبول الرأي الآخر، أو حتّى سماعه، أو الصبر عليه، قبل إصدار الأحكام المُسبقة كما حصل مع الدكتورين عدنان الأمين ونمر فريحة اللذين لم ينتظرا تأجيل نشر مقالتين نقديّتين للمناهج، أيّاماً قليلة، ريثما يتم عرض كل وجهات النظر. وإذا كانا محقّين في بعض ما أورداه في مقالتيهما، اللتين عادا فنشراهما في صحف اخرى (ولنا عودة الى المضامين)، فإنّ مُنطلق كل واحد على حِدة يضعف الحجة، وخصوصاً الثاني الذي تحكم علاقته بمن سبقه في رئاسة المركز التربوي الدكتور منير أبو عسلي، والذي يعود إلى المناهج مستشاراً في التربية، “عداوة” تؤثّر في الحكم على الأمور. لعلّ الاثنين خبيران مهمان في المناهج، لكن استباقهما الامور يعبّر عن ضعف مقابل في مضامين المناهج التي تعتمد على تقنيات الحياة، ومنها الاصغاء والاطّلاع والبحث قبل إصدار الأحكام. علماً اننا لن نتوقف عند الشكليات بل سندفع الى النقاش الجدّي في ما توقفا عنده.

لن أدخل في عناوين مخرجات التعليم، وفي المناهج والبرامج، وغيرها من أمور يجب أن تقتصر على أهل الاختصاص، لكن بعض العناوين عن الهوية الوطنية، والرسائل والدروس المرتبطة بالواقع المجتمعي المحيط، أي البيئة الحاضنة، وغيرها، والتي باتت في صلب النقاش، تخلط بين التربية والسياسة، السياسة بمعناها اللبناني الضيّق، وليس كعِلم قائم في ذاته، أو كالتزام الشأن العام.

يمكن مشاركة عدنان الأمين في سؤاله عن الاسقاطات الخارجية، أي استيراد مناهج أجنبيّة، وترجمتها، أو لبننتها بطريقة سطحية، من دون بذل أي جهد في احترام الخصوصية اللبنانية. لكن سؤال الخصوصية يتعلّق أيضاً بالهويّة، والهوية غير موحّدة، والخصوصيّة ليست لبنانية بقدر ما هي مناطقيّة وحزبيّة وطائفيّة، أي انها خصوصيات عدة داخل “الخصوصيّة اللبنانيّة”.

ويمكن، في المقابل، رد السؤال باعتبار أن زمن العولمة يتطلّب مناهج عالمية مدروسة، تتعلّق بـ”القرية الكونية” لبناء “الانسان العالمي” الذي يُسقط الحواجز، خصوصاً للبناني الذي يعتمد الهجرة الدائمة، ويطمح باستمرار، أو تحكمه ظروفه بالدراسة في جامعات العالم، والعمل في بلاد الانتشار، والاستقرار في بقاع العالم غالباً، وهو ما يستدعي عقلاً منفتحاً على كل الافكار والثقافات والحضارات، من دون حصره في قالب ضيّق، محدود الأفق والتفكير، كما بات يحصل في كثير من المؤسسات التربوية اللبنانية التي تنشئ التلميذ والطالب على فكر توتاليتاري، إلغائي.

ويمكن أيضاً أن تُعرض للنقاش الاتهامات المبطّنة للمناهج بأنّها تخدم الغرب وأميركا، واسرائيل ضمناً، بدعوتها إلى السلام، وكأن التربية على السلام باتت تهمة أو عيباً، وأن إعداد المجتمع للحروب الدائمة هو الأصل، والعيش الهانئ هو الاستسلام، وهو الاستثناء.
الأكيد أن الموضوع برمّته يحتاج إلى ورشة وطنيّة تتجاوز محاولات وزير التربية والمركز التربوي وعدد من المستشارين تسجيل إنجاز، وتتجاوز ضغوط المنظّمات الدوليّة والجهات المموّلة للاسراع في العمل، وتتجاوز مصالح المنتقدين وأصحاب الأحكام المسبقة، لأن تجربة المناهج القديمة للعام 1997، على رغم كبر حجم العمل، وقعت في أخطاء عدة يجب تدارك عدم الوقوع فيها مجدداً، ومن هذه الأخطاء نذكر الآتي:

– إن ورشة عمل المناهج ضمّت مندوبين لكل الأطياف والأطراف والأحزاب السياسية لضمان عدم عرقلتها لاحقاً في مجلس الوزراء ومجلس النواب، ولكسب الرأي العام الذي يحركه ممثلو تلك المجموعات. ومن شأن هذا الجمع ان ينقص من قيمة العمل، كل عمل، ولو كان ناجحاً الى حد كبير، اذ لا يحتاج العمل الجيد الى تغطية سياسية تضمن إمراره. لكن للبنان خصوصية في هذا المجال، خصوصية التوافق ربما.

– إن الكتب التي تم تأليفها لم تكن منسجمة مع تطلعات المناهج، بل جاءت دون المأمول وفق خبراء تربويّين اطّلعوا عليها لاحقاً. وافاد عدد من هؤلاء بأن عددا من واضعي الكتب لم يرقوا الى مستوى المناهج.

– إن جعل الوقت عامل حسم في إقرار المناهج أو في تأليف الكتب زاد عدد الشوائب في كل مراحل العمل، وهو ما يمكن أن يتكرر حاليّاً.

– إن تأثير الأحزاب السياسية كان واضحاً في كل مراحل العمل، وأدى إلى تسويات كثيرة، استمرت لاحقاً في التقويم الداخلي وادخال بعض التعديلات عليها.

يذكر ان وزير التربية والتعليم العالي الدكتور عباس الحلبي ترأس الجمعة، الإجتماع الموسع للهيئة العليا لتطوير منهاج التعليم العام ما قبل الجامعي، في مكتبه في الوزارة، في حضور أعضاء الهيئة: رئيسة لجنة التربية النائبة بهية الحريري، رئيس المجلس الإقتصادي والإجتماعي شارل عربيد، رئيس الجامعة اللبنانية البروفسور بسام بدران، المفتشة العامة التربوية فاتن جمعة، رئيس رابطة جامعات لبنان الأب الدكتور سليم دكاش، رئيس المركز التربوي للبحوث والإنماء جورج نهرا، المدير العام للتربية بالانابة عماد الأشقر، المديرة العامة للتعليم المهني والتقني الدكتورة هنادي بري، المدير العام للتعليم العالي الدكتور مازن الخطيب، المنسق العام لاتحاد المؤسسات التربوية الخاصة الأب يوسف نصر، مستشار الوزير للسياسات التربوية البروفسور منير أبو عسلي، الأمينة العامة للمجلس الوطني للبحوث العلمية البروفسورة تمارا الزين، أمين السر العام للمنسقية العامة لتطوير المناهج أكرم سابق، المنسق العام للمناهج في لبنان الدكتور جهاد صليبا، مديرة مكتب الوزير رمزه جابر والمستشار الإعلامي ألبير شمعون.

واذ عرض الحلبي المسودة الثانية “وهي تنتظر ملاحظاتكم”، أكد أن “لكل فريق في لبنان الحق في إبداء الملاحظات، لأننا في مرحلة المسودات وتطويرها ضمن سقف الدستور واتفاق الطائف”، وشدد على أن “مصلحة الجميع هي التوافق، لأننا نقوم بوضع عقد تربوي جديد يحتاج إلى وفاق وطني”.

ولفت البروفسور أبو عسلي إلى “الأسس والمنطلقات التي بنيت على أساسها المناهج التربوية الراهنة في العام 1997 وكانت منطلقات بالغة الأهمية، لكن التدخلات السياسية أفقدت المناهج فرصتها في التطبيق وتهيئة الموارد البشرية والوسائل التقنية والتكنولوجية لكي تحظى بالتطبيق السليم، وبالتالي تجديدها كل 4 سنوات بحسب مرسوم إنشائها”.

هي التدخلات السياسية التي سهلت ولادتها، عرقلت تطبيقها، وربما تتكرر التجربة اليوم وغداً، لكن المجال يبقى مفتوحاً لنقاش علمي واضح وشفاف ومن دون خلفيات، وهو ضروري وملحّ، لتصويب الأمر إن احتاج الى ذلك. وهي دعوة من “النهار” الى فتح باب النقاش عبر صفحاتها في الجريدة وعبر موقعها وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بها، لجعلها ورشة وطنية انقاذية حقيقية.