الرئيسية / home slide / “المناطق اللبنانية خلال العهد المصري 1831-1840”

“المناطق اللبنانية خلال العهد المصري 1831-1840”

"المناطق اللبنانية خلال العهد المصري 1831-1840"

بعدما قام إبراهيم باشا بتوسعة مرفأ بيروت العام 1832، تحولت مدينة رئيسية على البحر المتوسط1831 -1840″، وهو ثمرة ندوة عقدت في “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في بيروت، بالعنوان نفسه، وشارك فيها خالد زيادة، بطرس لبكي، ميشال أبي فاضل، سيمون عبد المسيح، طوبى بلدز، نايل أبو شقرا، جمانة الدبس، محمود حداد، عبدالله سعيد، غنى مراد، إبراهيم دربلي، سعاد سليم، سعاد مثلج، وإيلي جرجس الياس.



كتب مقدمة الكتاب خالد زيادة، أمين عام الجمعية اللبنانية للدراسات العثمانية، وجاء
فيها: يذكر أسد رستم في كتابه “بلاد الشام في عصر محمد علي باشا”، ما يلي: “كثيرون من السوريين أملوا الخير من وراء تغلّب حملة إبراهيم باشا على بلادهم، لأن من مزايا محمد علي العمل على إقرار الأمن في البلاد وإنقاذها من الفوضى التي جعلت أرواح العباد وأموالهم تحت رحمة الأقوياء والأشقياء، كما أن إبراهيم باشا كان قد وعد السوريين بأنه سيعفيهم من التجنيد وتخفيض…”.

وكان المؤرخ أسد رستم أول من اعتنى بتاريخ الحملة المصرية على بلاد الشام، فكتب الكثير من الدراسات المستندة إلى مصادر ووثائق ودراسات ومذكّرات دوّنها معاصرون لمحمد علي من القناصل أو الذين خدموا إدارته من الأوروبيين. وكان أبرز ما اعتنى به نشر “الأصول العربية لتاريخ سوريا في عهد محمد علي باشا”، وذلك في عام 1930، بعد مرور مئة سنة على الحملة، إلا أن الاهتمام بالحملة وآثارها لم يلق من يتابعه متابعة علمية دقيقة وحثيثة، بالرغم من آثارها التي أدّت أدوارًا جمّة في التطورات اللاحقة في لبنان طوال القرن التاسع عشر.

من هنا، ارتأت الجمعية اللبنانية للدراسات العثمانية أن تخصص برنامجها الثقافي لعام 2019-2020، لدراسة الحملة المصرية، وأن تولي هذه الحقبة القصيرة من الزمن (1831-1840)، والمزدحمة بالأحداث والتغيرات، اهتمامها وتحيطها بالدراسات العلمية، فدعت الجمعية المعنيين بهذه الحقبة إلى تقديم بحوثًا يتناول كل منها جانبًا من جوانب الحملة وآثارها، وقد استجاب للدعوة أساتذة وباحثون معروفون أحاطوا بالحملة من جوانب متعددة. ولا ندعي أننا استنفدنا في هذا الكتاب البحثَ في جوانب الحملة المصرية وآثارها كلها، خصوصًا في المناطق اللبنانية – فما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جُلُّه – فإننا نرجو أن نكون أعدنا الاعتبار لدراسة تلك الحقبة المهمة من تاريخ لبنان والمنطقة، وفتحنا بابًا نأمل أن يدخل فيه باحثون وطلاب علم لجلاء ما يمكن كشفه من الآثار التي تركتها الحملة وكانت سببًا في تظهيرها وإبرازها وإخضاعها لمعايير البحث العلمي التاريخي المؤسس على المنهجيات الحديثة والعودة إلى الوثائق والمذكرات، وكل ما من شأنه أن يسلّط الضوء على الوقائع التاريخية في تفاعلها وتطورها. وإذ نشير هنا إلى أن هذه الحملة على بلاد الشام وحملات باشا مصر الأخرى على الحجاز والسودان وحروبه في اليونان قد حظيت بدراسات من باحثين مصريين وغربيين، فإننا نرى الآوان قد آن للباحثين في سوريا ولبنان أن يدلوا بدلائهم بالعودة إلى المصادر في البيئات الاجتماعية التي تلقت آثار الحملة وما خلّفته من تغيرات على تلك البيئات. وإذا كانت الدراسات الحديثة التي اعتنت بأسباب الحملة ترجّح الدوافع الاقتصادية على غيرها من الدوافع السياسية، إلا أن ذلك لا يقلل من شأن، الآثار السياسية التي خلّفتها، خصوصًا في جبل لبنان.

مع ذلك، فإن التعارض لا يزال قائمًا بين أولئك الذين ينظرون بإيجابية إلى ما خلّفته الحملة من وقائع وإجراءات، من زاوية الانفتاح الذي عرفته البلاد والتحديث الإداري والمساواة بين السكان وتنظيم الإدارة وتطوير الزراعة، ومن ينظر من زاوية أخرى إلى العنف الذي رافق الحملة وفرض الضرائب والتجنيد والسخرة، ما أدّى إلى قيام الثورات بعد أن أغارت قوات إبراهيم باشا على الدروز والنصيرية، ولاحقتهم في مواطنهم وأحرقت قراهم، وبعد استخدامه أتباعًا وحلفاء من أبناء البلاد للإغارة على جماعات من أبناء البلاد أيضًا، الأمر الذي مهّد للفتن الطائفية، ولم تكن إجراءات إبراهيم باشا السبب الوحيد في تأجيجها.

وقد أراد محمد علي باشا بواسطة ابنه إبراهيم باشا أن يفرض في بلاد الشام النظام الذي سبق أن أرساه في مصر، فاحتكر المحاصيل الزراعية وكذلك الإنتاج الحرفي وفرض الجندية على أبناء الفلاحين وأرسلهم إلى جبهات بعيدة من مواطنهم، فخاب أمل أولئك الذين أملوا الخير والرفاه من الحملة المصرية واستقبلوها من دون مقاومة تذكر – باستثناء مقاومة عكا العنيدة – فعاد الأهالي إلى رفع السلاح في وجه قوات إبراهيم باشا، حتى أجبرته الضغوط إلى الانسحاب، بعد أن حصل محمد علي على حكم مصر ومن بعده أولاده، فحكمت سلالته مصر حتى منتصف القرن العشرين.

ولا شك في أن التجربة التحديثية التي بدأها محمد علي باشا في مصر، قد انعكست في بلاد الشام والمناطق اللبنانية خصوصًا، بل إن الحملة مهّدت للتطورات اللاحقة من زوال الإمارة الشهابية، وإقامة نظام القائمقاميتين ثم متصرفية جبل لبنان.

وواقع الأمر، أن للتحديث كلفة عالية، خصوصًا حين يأتي من طريق قوة خارجية تفرض النظام وتتحدى التقاليد السائدة والمتوارثة، وتفرض قوانينها وإجراءاتها، انطلاقًا من مصالحها من دون أخذ مصالح الأهالي في الاعتبار، وتستخدم العنف المفرط تجاه المعترضين، وتأخذ الأبناء بالإكراه. ذلك هو الجانب الجدلي في التاريخ، والذي يؤدي إلى تعارض وجهات النظر بين الباحثين والمؤرخين.

تعكس تجربة محمد علي باشا في مصر، تلك التحديات التي أنتجها التحديث في مطلع القرن التاسع عشر، والقضاء على القوى المناوئة أو التي يفترض أنها ستشكل حجر عثرة في وجه بناء الجيش النظامي الذي استتبع إيفاد البعثات للدراسة في بلدان أوروبا، كما استتبع إصلاح الري واستحداث الصناعات العسكرية وبناء المعاهد، ذلك كلّه عبر استلهام الخبرات الأوروبية وأنظمتها وعلومها وتقنياتها اعتمادًا على نخبة من الأتباع والأقرباء والخبراء الأجانب. في ظل تعقّد العلاقات الإقليمية والدولية وتعارض المصالح السياسية والاقتصادية، إلّا أن ذلك كله لا يحجب كون هذه التجربة قد غيّرت مصر ونقلتها من تقاليد متوارثة إلى العصر الحديث.

وكانت الحملة على بلاد الشام، على قصر أمدها، أرادت أن تطبق الإجراءات التي طبقت في مصر. مع ذلك، فإن لبنان لم يعد إثر الحملة كما كان قبلها. ويكفي هنا أن نذكر ما حصل في بيروت التي كانت أزقّة ضيقة تحدّها البوابات والأسوار، ولا يتعدى سكانها بضعة آلاف، قد تحولت وفي غضون سنوات قليلة إلى مرفأ رئيسي بعد أن أقيمت فيها الإدارة الصحية (الكرنتينا) التي أجبرت السفن كلّها على أن تصل إلى بيروت لإتمام الإجراءات الصحية. فتحولت إلى أبرز مرفأ على الساحل الشرقي للمتوسط، وأصبحت سوقًا تجارية تجتذب التجار والقناصل من الدول الأوروبية وتغيرت عادات أهلها، وافتتحت فيها المدارس، وعرفت المدينة أول مجلس إدارة مكون من أبناء عائلتها المسلمين والمسيحيين، وفرض حاكمها الأمير محمود نامي الذي سبق أن أرسل في بعثة دراسية إلى فرنسا، نظامًا صارمًا على المجلس. استطاعت بيروت بفضل هذه الإجراءات أن تصبح مثالًا للمدينة والمرفأ ورمزًا للحداثة وعنوانًا للثقافة العربية الحديثة.

يضم هذا الكتاب ثلاثة عشر بحثًا، تتناول في شكل خاص الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحملة المصرية، وضمنًا الآثار السياسية. فإلى جميع الذين شاركوا في جعل هذا الكتاب ممكنًا، الشكر الجزيل على جهودهم ومساهماتهم القيّمة.