الرئيسية / home slide / الملك إدوارد الثامن/ انتصار سلطة الحب

الملك إدوارد الثامن/ انتصار سلطة الحب

واسيني الأعرج
القدس العربي
20092022

قصص المُلك في بريطانيا تحمل بعض الغرابة، تسير عادة بشكل خطي إذ لا يوجد ما يعكر صفوها، ثم فجأة يأتي من يكسر هذه الخطية فيصبح منبوذاً، ويُخيَّر بقسوة بين البقاء على خياراته التي كثيراً ما تكون عاطفية أو الملك، فيختار أغلب المتمردين الحرية ويتخلون عن الملك؛ إدوار الثامن، ليدي ديانا، الأمير هاري وزوجته ميغان ميركل. الملكة إليزابيث الثانية لم تكن مرشحة لهذا الكرسي الذي بقيت فيه أكثر من سبعين سنة. كان يمكن أن تظل شخصية عادية في البلاط البريطاني وقصر ويندسور، وتنتفي في الصمت العادي كما انتفى قبلها العديد من الأمراء، لو لم يحدث لعمها إدوارد الثامن، ملك بريطانيا، ما حدث وجاء بوالدها ملكاً كمخرج لأزمة حادة في بريطانيا. وكثيراً ما يكون العصيان ضد النظام والصرامة الملكيين هما السبب. لكن ظرفيات الملك عموماً، والخاصية البريطانية على وجه الخصوص، شاءت غير ذلك. لولا استسلام عمها إدوارد الثامن في 10 ديسمبر 1936 لرئيس الوزراء البريطاني ستالني بالدوين، وتخليه عن السلطة، لما كانت إليزابيث الثانية ملكة للمملكة المتحدة ودول الكومنويلث. إنّ صدفة استسلام عمها بسبب رفضه التخلي عن حبيبته واليس سيمبسون، وتركه السلطة لأخيه، أي والدها جورج السادس، هي التي قادتها إلى الحكم والاستقرار فيه مدة سبعين سنة، متجاوزة الرقم القياسي الذي كان في حوزة الملكة فكتوريا بخمسين سنة على العرش البريطاني.
قصة إدوارد الثامن هي من أجمل القصص التي تحفظها الذاكرة الإنسانية، والتي انتصر فيها الحب على جنون الحكم. ربما يشكل ذلك درساً للمرضى بالسلطة. فقد حكم إدوارد الثامن أحد عشر شهراً فقط، ثم اختار قلبه بدل التاج، بعد صراع داخل قصر ويندسور. فضّل التنازل عن العرش بعد أن أغضب قراره الزواج بواليس وارفيلد سيمبسون، البسيطة عائلياً والمطلقة مرتين، الحكومة البريطانية وجزءاً كبيراً من الشعب وكنيسة إنجلترا. وكان عليه أن يلقي خطاباً إذاعياً يبرر فيه مسوغات قراره، قال فيه بشجاعة قناعته كلها التي رفضتها الحكومة البريطانية وقصر ويندسور «من المستحيل أن أتحمل عبء المسؤولية الثقيل، وأؤدي واجبات الملك كما أرغب، دون مساعدة ودعم المرأة التي أحب».
فقد وجد في واليس سيمبسون من بنسلفانيا، نهاية عزوبيته التي دامت أربعين سنة، وكادت تضيعه في عالم الرغبة والنساء. لقاؤه بواليس في سنة 1934، أحدث لديه صدمة غرامية قوية. فقد كانت متزوجة من أرنست سيمبسون، رجل أعمال إنكليزي-أمريكي، وكانا يعيشان بالقرب من لندن. سبق أن كانت زوجة لطيار أمريكي، تركته مبكراً. عائلة الملك إدوارد الثامن اعتبرت ذلك إهانة لبريطانيا كلها، ولم تقبل منه ذلك الخيار الذي ارتأت فيه تهديداً لأركان العرش البريطاني، المعروف بانضباطه. لكن الأمير ثم المَلك لاحقاً، لم يتراجع عن مشروعه قط، ونفّذ قراره بشكل أحادي. أحدث شرخاً في العائلة التي انقسمت داخلياً، وفي التقاليد الأرستقراطية لبريطانيا العظمى. توفي والده الملك جورج الخامس في يناير 1936، وأعلن تلقائياً إدوارد الثامن ملكاً بوصفه ولي العهد والابن البكر للملك. وكان ذا شعبية كبيرة في مختلف الأوساط الاجتماعية، حتى الأكثر فقراً وبساطة، الكل كان يرى فيه الوسيلة الحية لتهوية نظام ملكي مغلق من الداخل. فجأة، بدأت الصحافة الأوروبية والأمريكية تنبش في قضية علاقته بواليس سيمبسون، بينما مكثت الصحافة البريطانية صامتة على الموضوع، لا تعرف كيف تتصرف أمام الرأي العام المحلي والعالمي. في 27 أكتوبر 1936، حصلت السيدة سيمبسون على قرار أولي بالطلاق من أرنست، حتى تتمكن من الزواج بالملك إدوارد الثامن. فخرجت الكنيسة الإنجليزية عن صمتها، وثارت بقوة معتبرة ما كان يحدث فساداً يمكن أن يدفع بمؤسسة الملكية إلى الانهيار، كما احتج معظم السياسيين البريطانيين ضد هذه العلاقة التي بدت غير طبيعية وسط إيتابلشمنت منغلق على نفسه كلياً. لا يحق لامرأة أمريكية مطلقة مرتين أن تصبح ملكة بريطانيا المحتملة؟ وكان ونستون تشرشل، من المحافظين، السياسي الوحيد الذي دعم إدوارد الثامن، بل وساعده على كتابة رسالته الموجهة لشعبه ويشرح فيها سبب تخليه عن الحكم. كان على إليزابيث الثانية أن تشكر كثيراً السيدة سيمبسون، عشيقة ثم زوجة إدوارد الثامن، وتقيم لها تمثالاً في أكبر ساحة من ساحات قصر/ قلعة ويندسور، فلولاها لما لحقتها السلطة، ولأخذت الملكية مساراً آخر.
وعلى الرغم من المضايقات والتهديدات المبطنة داخل القصر، لم يتخل الملك إدوارد الثامن عن خياراته التي أصبحت حالة من حالات التثبت والشرف. في النهاية، وبعد استشارة المحيط الملكي المرتبك، اقترح على سكان قصر وندسور والحكومة البريطانية التي أصبحت معنية بشكل مباشر بالوضعية، حلاً وسطاً، يتلخّص في عدم منح الزوجة واليس أي حق في الرتب الملكية، وأن تبقى مواطنة عادية في النظام العام. لكن رئيس الوزراء ستانلي بالدوين، بعد استشارة البرلمان والمؤسسة الحاكمة، رفض الاقتراح. في اليوم التالي، ظهرت القضية في شكل فضيحة، في الصفحات الأولى من الصحف البريطانية، ونوقشت علناً في البرلمان بعد أن نمت سرياً. طلب من الملك إدوارد الثامن أن يختار أحد الحلين، إما التخلي عن فكرة الزواج من السيدة سيمبسون، أو ترك التاج والعرش. فأعلن رسمياً تنازله على العرش لأخيه جورج السادس، والد الملكة إليزابيث الثانية. وافق البرلمان على التنازل، وانتهى عهد إدوارد الثامن، مع احتفاظه برتبة دوق ويندسور. في 3 يونيو 1937، بعد أن اختار العاشقان فرنسا ملجأ لهما، تزوجا في شاتو دي كاند، على حواف نهر اللوار العظيم. استمتعا بالحياة طويلاً، وزارا بلداناً أوروبية كثيرة، بما في ذلك ألمانيا، حيث لقيا تكريماً كبيراً من قبل المسؤولين النازيين. وفي أكتوبر 1937، التقيا بأدولف هتلر، وكان ذلك انزلاقاً خطيراً. بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، قبل الدوق منصب ضابط اتصال مع الفرنسيين. وعندما سقطت فرنسا في يونيو 1940 في كماشة النازية، هرب إدوارد الثامن وواليس سيمبسون إلى إسبانيا، لأن النازيين كانوا يخططون لاختطافه وإعادته إلى العرش البريطاني وتحويله إلى دمية في خدمتهم. وكان أخوه، جورج السادس، مثل رئيس وزرائه ونستون تشرشل، يعارضان بشدة أي سلام مع ألمانيا النازية. كان ونستون تشرشل على دراية كاملة بتعاطف الملك إدوارد الثامن مع النازية، ما قبل الحرب العالمية، فعرض عليه على عجل أن يكون حاكم جزر البهاماس، فوافق وأبحر مع زوجته، وتفادى بذلك الاختطاف. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، استقال الملك إدوارد الثامن من منصبه في البهاماس، وعاد إلى فرنسا من جديد، ليعيش حياة بسيطة وطبيعية مع زوجته. زار بريطانيا العديد من المرات، منها حضوره لجنازة أخيه الملك جورج السادس في عام 1952، وجنازة والدته الملكة ماري في عام 1953. ظلت فرنسا مكان إقامته الأساسي حتى وفاته في باريس في عام 1972. دفن في قلعة/ قصر ويندسور. وعندما توفيت واليس سيمبسون في عام 1986، وبعد نقاش ملكي كبير، سُمح لها بأن تُدفن إلى جانب زوجها الملك إدوارد الثامن، بحسب وصيتها. وانتهت قصة رجل تخلى عن التاج بلا حسرة، مقابل حبه. ينظر كثيرون اليوم إلى ذلك بعين الجنون، لكن إدوارد الثامن اختار ما يختاره الاستثنائيون (المجانين) في التاريخ البشري: سلطة الحب على سلطة الحكم.

واسيني الأعرج