الرئيسية / home slide / الملكة الدستورية… والفوضى الدستورية

الملكة الدستورية… والفوضى الدستورية

14-09-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

العلمان البريطاني واللبناني إلى جانب صورة للملكة إليزابيث في السفارة البريطاني

غابت #اليزابيت الثانية عن 96 عاماً من العمر، و70 عاماً من الملكية الدستورية، وما تزال #المملكة المتحدة دولة بلا دستور. دولة أعراف وقانون وآداب إنسانية. ومَن شاهد منكم صور الغياب، ربما لفته اكثر من اي شيء آخر مشهد بوريس جونسون في كرسي الجمهور، وتراص في كرسي الحكم. وأما في الجانب الملكي فالأمير تشارلز، امير بلاد الغال، اصبح الملك تشارلز الثالث.

في اقل من يوم. لا فراغ. ولا تهديد بالفراغ. ولا تهديد الشعب اللبناني بالفوضى الدستورية. لا احد يدري ماذا بقي من التقاليد الدستورية كي تحوّل الى فوضى. ولا احد يملك من المعرفة بحيث يفسر لنفسه كيف فوضى وكيف دستورية، ولا ما علاقة الفوضى بالدستور، والحكم والألفة الوطنية، ولا ماذا ارتكب الشعب اللبناني حتى يضاف الى كل الوعود التي مُني بها، استخدام الدستور، في جملة ما استُخدم، لزرع الفوضى في أرض يبس فيها كل أمل.

من المصادفة، أنني مواطن في دولتين، عاش احداهما سبعين عاماً في كنف سيدة التوازن الأممي في القرن العشرين. وفي خلال ولايتها المستطردة، تولّت الحكم في بريطانيا ثلاث سيدات. ولطالما كان الحكم في الامبراطورية لامرأة اعطت اسمها لعصرها: الاليزابيتي والفيكتوري، والآن لتاج العقل والنبل.

في أزمان الاضطراب والقلق والمآزق الشرسة، كانت اليزابيت وسادة الطمأنينة. في التفكك والتشتت والضياع وحّدت بين الناس. كانت من دون صلاحيات سياسية، عوّضت عنها بحب الجميع ورسالة الألفة، ولم تفرّق بين جمهوري وملكي. هي الجميع والكل والسيادة والحرية، وليست شريكة مضاربة أو عدّاداً صغيراً يحصي ما له وما يجب ان يكون له، وماذا يحق له.
كنا نتمنى ان تكون الشهور الأخيرة من العهد حقبة مصالحات، واعادة توازن، واعادة “الكتاب” الى الرفّ الأعلى، في محراب الميثاق، وأن يحمل الرئيس ميشال عون في رحلته الأخيرة الى الأمم المتحدة صورة لبنان المستعاد، المتصالح، ودرّة البلدان الصغيرة.

لبنان الذي شارك في وضع ميثاق هيئة الأمم. أو لبنان الذي جاء رئيسه شارل حلو الى الجمعية العمومية ومعه وفد من كميل شمعون، ورشيد كرامي، أو لبنان الذي تحدّث رئيسه سليمان فرنجية باسم الدول العربية جميعاً.

أمضيت سنوات عدة أغطي الجمعية العمومية كل عام. وكان رئيس الوفد ووزير الخارجية من نوع فيليب تقلا، وفؤاد بطرس، وسليم الحص. وكان يقابل جميع وزراء الدول الكبرى. ومرة كان رئيس الوفد صائب سلام، فتبادل الهدايا مع رئيس الوفد السوفياتي نيكيتا خروشوف: دبس خروب لبناني بكافيار روسي. كان لبنان يلمع في الدورة السنوية! كميل شمعون وشارل مالك وغسان تويني. وهناك خاطب العالم قائلاً: دعوا شعبي يعيش.

ثمة من يعد شعبه “بالفوضى الدستورية” ويهدده علانية بأن من يحلم بالخلاص من ميشال عون فإن اكثر من ميشال عون في الانتظار. ما من عاقل كان يحلم بالخلاص من ميشال عون. كل لبناني كان يتمنى له النجاح في جمع الشمل، ولمّ الناس، ووقف الخطابات العدائية، والتخفف من ثقف البطانة التي تأسر احلامه. ما من صاحب ضمير اراد لبلده ورئيسه هذه الخواتم في كل شيء. وأن تكون الخاتمة الكبرى “فوضى دستورية”، أي تحويل الخوف الى ذعر والأمل الى ارهاب.

لا يزال هناك وقت لخاتمة افضل. خاتمة طبيعية عادية، الكلمة فيها للدستور لا للفوضى الدستورية. خاتمة تشكَّل فيها حكومة تشبه لبنان والدول العاقلة. كأن يهتم وزير الطاقة بتأمين شحنة فيول وليس كومة حجارة يرشق بها اسرائيل. وفي اي حال نزل الاسرائيليون في “مسكفعام” الى الملاجىء منذ ان تحرك موكب الوزير من بيروت وشمّر عن زنوده.

شيء من الجدية في اشهُر الوداع. عندما ارادت مارغريت تاتشر حل المشكلة الاقتصادية في بريطانيا، لم تدعُ الى مؤتمر يحضره 163 اقتصادياً. لا يتسع الوقت لسماع ثلاثة منهم، بل اكتفت باستدعاء خبير واحد من اميركا (فريدمان). وعندما رأت بريطانيا العظمى انها في حاجة الى حاكم كفوء للبنك المركزي، استعانت بكندي من مستعمراتها السابقة. الازمات المصيرية لا تُحل بالتهريج واعطاء الدروس لاميركا وبريطانيا في العيش من دون موازنات كما اعلن وزير الجمهورية ضاحكاً ذات يوم. لعله يعلّمنا كيف نتدبر كلفة الرحلة الى الأمم المتحدة، ورواتب الموظفين. أو كيف لنا ان نعثر على ستة وزراء دولة، إلا إذا اضطررنا الى الاستعارة من حكومة حسان دياب، حكومة القضاء – بالاشتراك مع سعادة الحاكم – على آخر ليرة لبنانية.

لماذا الأمم المتحدة في مثل هذه الصورة، ولماذا ستة وزراء دولة إذا لم يكن بينهم صائب سلام ورشيد كرامي وكمال جنبلاط وكميل شمعون وبيار الجميل. لقد فات الوقت على كل شيء: الاقتصاد، والطب، والعلم، والسيادة، والسمعة، والقانون، وعبث الولدان بكل مقومات ومكونات الاستمرارية. وألحق المراهقون الأذى الدائم بمرتبة الرئاسة. تحصّلوا لها على المكاسب الضئيلة، وأفقدوها الكثير من هالتها ورمزيتها وشموليتها. اصبح الرئيس قوياً في جمهورية لا تملك تكاليف رحلته الى نيويورك. وماذا سنقول للأمم؟ إننا البلد الموعود بالفوضى الدستورية، إضافة الى كل ما حدث، وما حلّ!