الرئيسية / home slide / المقرّ القديم لمطرانية الروم الأرثوذكس مهدد بالانهيار… تداعيات معنوية في القديس جاورجيوس ومادية في مار نقولا

المقرّ القديم لمطرانية الروم الأرثوذكس مهدد بالانهيار… تداعيات معنوية في القديس جاورجيوس ومادية في مار نقولا

روزيت فاضل
02-10-2020 | 00:00 المصدر: “النهار”
 @rosettefadel

المقر القديم لمطرانية الروم الأرثوذكس مهدد بالإنهيار

المقر القديم لمطرانية الروم الأرثوذكس مهدد بالإنهيار

تكشّفت فاجعة 4 آب عن دمار هائل أصاب الكنيسة الأرثوذكسية في بيروت وطاول مؤسسات تابعة لها.  فقد حلَّ دمار كارثي في المقر التراثي القديم في مطرانية بيروت للروم الأرثوذكس، إضافة الى أضرار معنوية كبيرة في كل من كاتدرائية القديس جاورجيوس الأثرية وسط العاصمة، ومادية جسيمة في كنيسة القديس نيقولاوس في الأشرفية.    ومع ذلك، لملم الكهنة الأرثوذكسيون القيّمون على بيوت الله الدمار لتعود خدمات الكنيسة الى أبنائها، أي لترفع الصلوات والقداديس وتقرع الأجراس، ولنتشارك معاً كلمة الله واستقبال المناولة المقدسة كتأكيد للإستسلام الذاتي لله الحي، وعلامة واضحة للحب الأبدي للرب يسوع المسيح. “إنفجار بيروت الرهيب دمر بشكل كارثي المقر القديم التراثي لمطرانية بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس، الذي يعود بناؤه الى العام 1860، وهو عقار مدرج على لائحة الجرد العام للأبنية التراثية”، على قول المهندس المعماري غبريال أندريا. المكان بدا مهجوراً، يسكنه الهدوء القاتل. الباب الرئيسي للمقر مقفل على غير العادة، والزوار هجروه.  قطع أندريا حبل أفكارنا ليبادر قائلاً: “أكثر من 85 في المئة من المبنى متصدع كلياً ما يجعله غير صالح للسكن. وأدى الإنفجار الى انهيار الجدران الداخلية والسقوف والأبواب والشبابيك، والواجهة الخارجية الشمالية المواجهة للبحر سقطت أرضاً، وهذا ما يجعل البناء في وضعه الحالي خطراً على السلامة العامة…”.وأضاف: “البناء يحتاج الى دعم تقني للصمود، أي الى دعائم هندسية لأن التصدعات تتسع يوماً بعد يوم، ما يهدد البناء كله”.  وشدد على “أننا نخشى هطول الأمطار لأن البناء لن يصمد، ولاسيما أن السقف القرميد تحطم كلياً جراء الإنفجار”، مشيراً الى أن القرميد المكسو بحجر من الطين الأحمر، فقد  زهوة لونه وجلالته، وحلت مكانه فجوات صغيرة ممتدة على مساحة القرميد، ما يرجح تسرّب الأمطار الى داخل المقر عند حلول الشتاء”.  وقفنا على أنقاض الطبقة الأولى. ما بقي هنا أجزاء متناثرة من الأبواب الخشبية الداخلية والخارجية. تشعر وأنت تحدق في المكان أن شيئاً من ذاتك قد ضاع وسط الركام الكارثي.  أكمل أندريا شرحه مشيراً الى أن “كل شيء مدمر هنا، ولاسيما الزخرفات البغدادية على السقوف الداخلية، وهي الشاهدة على مجد حكايات أبنائها، وقد باتت اليوم متناثرة بأحجام مختلفة على الأرض”.  ماذا عن الأيقونات والطبقة السفلية؟ أجاب أندريا أن “بعض الأيقونات المقدسة متضررة جداً وتعود الى كل من السيد المسيح، والسيدة العذراء، والقديسة كاترينا والقديس جاورجيوس. أما الطبقة السفلية التي تضم المحكمة الروحية والديوان، فلم يلحق بها ضرر كبير باستثناء تبعثر أرشيف المطرانية على الأرض بسبب قوة الإنفجار”. ماذا عن المقر الجديد؟: “لقد تضرر بنسبة 50 في المئة وتم إصلاح الجدران، النوافذ والأبواب، وسواها، مع الإشارة الى أنه بات اليوم المقر الحالي لإقامة متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده”. كاتدرائية القديس جاورجيوس الأثرية دقائق ونتوجه الى كاتدرائية القديس جاورجيوس الأثرية ومزار سيدة النورية المجاور لها. يتأرجح شعورك الإنساني بين الغضب والحزن الشديد لما اقترفته النفوس المريضة في حق مقدساتنا وتراثنا وذاكرتنا بعد الإنفجار.  يعيدك الى الإيمان بعض ما جاء في عظة المطران عوده خلال ترؤسه القداس الإلهي في 17 أيار 2020، مدافعاً عن حقوق الطائفة، قائلاً: “إن الأرثوذكس، لمن لا يعرف، مستقيمو الرأي كما يسمون، وجذورهم عميقة في هذا الشرق. هم موجودون في هذه الأرض منذ نشأة المسيحية. جاء في أعمال الرسل أن التلاميذ دُعوا مسيحيين في أنطاكية أولا (أع11: 26)، وأنطاكية كانت مركز بطريركيتنا التي أسسها الرسولان بطرس وبولس. أما كرسينا في بيروت، فقد أسسه الرسول كوراتس، أحد التلاميذ السبعين، المذكور في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية (23:16)”. هنا موقع هذا الكرسي، الذي أسسه الرسول كوراتس. على مدخل الكاتدرائية،  كان في استقبالنا كاهن رعية الكاتدرائية الأب رومانوس جبران، الذي استعاد لحظات الإنفجار الهائل، مشيراً الى أنه “فيما كانت تقام صلاة تضرع لوالدة في كاتدرائية القديس جاورجيوس، والأبواب مغلقة بسبب التدابير الوقائية التي فُرضت نتيجة جائحة كورونا، هز الكاتدرائية انفجار هائل، أعادها في طرفة عين إلى حالتها بُعيد الحرب الأهلية، بعدما كان قد أعيد ترميمها ببركة صاحب السيادة المتروبوليت الياس عوده، وتحت إشراف لجنة برئاسة المرحوم الأستاذ غسان تويني، وقد بذلت أقصى جهدها لإعادتها إلى سابق رونقها، وبسخاء الغيورين عليها”. وشدد على أن “لكاتدرائية القديس جاورجيوس مكانة كبيرة في وجدان المؤمنين الأرثوذكسيين في بيروت، فمكانها في وسط قلب المدينة النابض جعل منها واحةً لكل من يقصد أن يخرج من ضجيج العالم الخارجي ليدخل إلى سكينة القلب. وقد شكلت، مع مزار سيدة النورية، عنصراً أساسياً في حياة سكان العاصمة وقاصديها، فكان لا بد لكل إنسانٍ، بغض النظر عن انتمائه الديني، أن يتبارك بزيارتها قبل بدء عمله”. برأيه “ان ما حدث قديما، خلال الحرب اللبنانية، وأدى إلى تضرر الكاتدرائية، عاد يتكرر. فقد أدى انفجار مرفأ بيروت إلى تضرر الكاتدرائية بشكل كبير: أبوابها تخلعت وبعضها اقتلع من مكانه، شبابيكها وواجهاتها تكسرت، وأدى تناثر الزجاج إلى إحداث أضرارٍ في الجداريات ومقاعدها الخشبية، اضافة إلى تزعزع أيقونسطاسها”.وتوقف أندريا عند الأضرار التي تعرّض لها الأيقونسطاس، من تساقط أجزاء صغيرة من الخشبيات والزخرفات في هيكل القديس جاورجيوس وهيكل النبي الياس، وقد كسر الصليب في الأيقونسطاس هيكل النبي نيقولاوس”.  ولفت الى أن “قوة الإنفجار تركت أثراً في بعض الأيقونات، ولاسيما في أيقونة العشاء السري في موضع النافذتين الدائريتين المسدودتين، إضافة الى  تضرر الأيقونات القديمة وتشققات لحقت بها”، مشيراً الى ان المتحف الجوفي لم يتضرر رغم أن الواجهة الزجاجية تعرضت لكثير من الضرر جراء الإنفجار، إضافة الى كسر كامل للواجهة الزجاجية والعوازل الداخلية حول الدرج”.  كنيسة القديس نيقولاوس – الأشرفية تركنا الكاتدرائية لنصل الى كنيسة القديس نيقولاوس في الأشرفية. بدا واضحاً أن كاهن الرعية الأرشمندريت أليكسي مفرج لم يتخط الى اليوم هول الأضرار التي وجدها في اليوم الثاني على فاجعة مرفأ بيروت.  تغيرت نبرة صوته، وسكنها شيء من الحزن الشديد، قال: “خلت نفسي لوهلة أستعيد بعض فصول الحرب. كل شيء تغير بدقائق عدة وثوان قليلة”. في جولتنا على الكنيسة، أخبرني أن “كل الجهود المبذولة لإعمار هذه الكنيسة على مدار 30 عاماً ذهبت سدى بعد الإنفجار المدمر، ما جعلنا نلملم الخسائر قدر الإمكان”.  وأضاف: “ليست المرة الأولى تصاب فيها الكنيسة، فالقصف في العام 1989 هدمها، وأعاد المطران عوده بناءها، وبنى على مراحل كلاً من الكنيسة السفلى في العام 1994 والعليا في العام 2000، ونحن نضمد جراحنا اليوم تيمناً بجراح سيدنا يسوع المسيح المقدسة”. “الخسائر المادية جسيمة جداً” قال مفرج. وأكمل شرحه مشيراً الى أنها “طاولت المصاعد الأربعة، الإمدادات الكهربائية، نظام التهوئة، تكسير النوافذ والأبواب الخشبية للكنيسة السفلى والعليا، والتي تطايرت في كل الاتجاهات. هذه الأبواب الخشبية تعود الى العام 1876 وهي مصنوعة من خشب سميك من شجر الأرز، ما يطرح صعوبة إيجاد خشب مماثل اليوم لتركيب الأبواب من جديد”. “قوة الإنفجار”، وفقاً له، “أدت الى تبعثر المقاعد الخشبية التي يجلس عليها المؤمنون للصلاة، في كل من الكنيسة السفلى والعليا، وحتى تكسّر بعضها الآخر. أما صالونات الكنيسة، فقد لحقت بها أضرار كبيرة وصولاً الى الثريات الفخمة التي تزين صدر دار كل منها”.  “ورشة الترميم بدأت”، قال مفرج. وأكمل: “اننا نحاول حماية الكنيسة العليا قبل هطول الأمطار من خلال تركيب أبواب، واستبدال الزجاج الفاخر الملون، الذي تكسر في بعض النوافذ، وقد تم استيراده من إيطاليا، بزجاج عادي لتفادي دخول الأمطار الى قلب  الكنيسة”. قبل مغادرتنا، لفت مفرج الى ومضة أمل ورجاء، مشيراً الى أن “الأيقونوسطاس والأيقونات المقدسة في كل من الكنيسة السفلى والعليا سليمة”، وقال: “الأيقونات الكبيرة لمراحل الكتاب المقدس، مثلاً، لم تصب بأي أذى، بل لاحظنا بعض الخدوش في الحيطان التي تفصل بين أيقونة وأخرى”.”الهيكل المقدس في كل من الكنيسة السفلى والعليا بقي سالماً”، قال مفرج، و”الكتاب المقدس بقي مكانه، كذلك الشمعدان والقنديل والصليب الصغير وبيت القربان أيضاً”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb  Twitter:@rosettefadel