المفكّر

سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
11042019

لاحظت في أغلفة الكتب التي بعث بها إليّ الأستاذ إبراهيم المعلم، من «دار الشروق»، من مؤلفات أعلام مصر، ظاهرة واحدة: جميعها تحمل صور مؤلفيها، ووضع الصور واحد، إلا إذا كان المؤلف يعتمر طربوشاً أو لفّة أو قلنسوة مثل طه حسين أو مصطفى لطفي المنفلوطي أو عباس محمود العقاد.
الصورة (توفيق الحكيم، وزكي نجيب محمود، وأحمد لطفي السيد… إلخ) تمثل صاحبها واضعاً رأسه في راحة يده اليمنى، مطرقاً يفكر أو يتأمل. إنه ليس مجرد شخص. إنه المفكر. وعندما تتذكر ما رأيت من صور لكتّاب القرن الماضي في العالم العربي، ترى أنهم اتخذوا جميعاً هذا الشكل. فالصور كانت لا تزال تتخذ داخل الاستوديو، من أجل ضبط الأضواء حولها، أو إضافة ظلالها. ولم تكن تذهب إلى الاستوديو كل يوم، ولذا، فلا بد من صورة تعلن معالم شخصيتك… فإذا كنت مفكراً، فالأصول ثابتة لا تتغير.
منذ أن وضع النحات الفرنسي رودان تمثال «المفكر» عام 1940 أطلق لأهل الفكر نموذجاً يقلدونه. ونحو عام 1918 كان جبران خليل جبران يعيش في باريس حيث تعرّف إلى النحات، وكان أول من ذهب إلى الاستوديو ليأخذ الصورة. ثم قلده صديقه ورفيقه ميخائيل نعيمة. وظلت صورة المفكر شائعة إلى أن تطور الفن الفوتوغرافي ولم يعد من الضروري الجلوس تحت أوامر المصوراتي وهو يزيح ذقنك قليلاً؛ مرة إلى اليمين، أو مرة إلى اليسار، لكي يبدو عمله متقناً… وليس أنت.
كانت صورة واحدة في العمر تقريباً، تنشر إلى جانب مقالاتك، أو على أغلفة كتبك، وتدخل معك في ذاكرة الناس. هكذا بقيت صورة أحمد شوقي في أذهاننا. ولم نعرف أن أمير الشعراء كان قصير القامة إلا فيما كتب فيما بعد. ولم نعرف على أي قامة كان جبران أو نعيمة، لأن صورهما الأخرى تمثلهما جالسين في متنزه نيويوركي. واتخذ أمين الريحاني الصورة نفسها.
كان الورق صعباً أيضاً. ومن أجل أن تنشر الصورة، كانت تحفر كما هي على نحاس، ويلصق النحاس بالخشب ليسهل ضغطها في الطباعة. وكان لكل صحيفة أرشيف من الصور يحفظ على رفوف المطبعة: رئيس التحرير وله نحاسته… الإمبراطور غليوم وله مقامه.
ظل الوضع هكذا حتى ستينات القرن الماضي في بعض الصحف. ورحم الله الزميل أديب باقي، فقد كان يسهر ذات ليلة على إصدار إحدى صحف حلب، عندما وصل إليه خبر مقتل صبية في الرابعة عشرة. وأراد أن يجدد في صناعة الصحافة ويطورها، فخطر له أن ينشر الخبر مع صورته. وقام إلى الأرشيف النحاسي يفتش فيه فوجد صورة فتاة شابة، وضعها مع السبق الصحافي، وذهب ينام.
ظُهر اليوم التالي وصل إلى الجريدة فوجدها تعج بالناس، ومكتبَ صاحبها مزدحماً، والشرطة أمام بابه. رحم الله أديب، استطلع بكل دماثته وتهذيبه الحلبي ما يجري، فقيل له: «القنصل البريطاني جاء يحتج على نشر صورة الملكة إليزابيث بدل الفتاة القتيلة».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*